الحرية لشاليط… والحرية لأسرى الشعب الفلسطيني
قضية الجندي الأسيرجلعاد شاليط تأخذ في الأيام الأخيرة اتجاهات دعائية بعيدة عن الخوض الفعلي بألمالأسر، وإسقاطات الواقع الشرق أوسطي على الشعبين المتنازعين بدون آفاق لحل سلمي،واستمرار نهج التعنّت السياسي الإسرائيلي، أيضا في قضية شاليط، رغم الدعايةالرسمية أن دولة إسرائيل لا تهمل أسراها مهما كان الثمن، وبالطبع لا ينقصالإعلام الإسرائيلي الرسمي والشعبي آليات الدعاية الممتازة، ولا تنقصه الحجج، ومنناحية أخرى صمت، أو شبه صمت، الجانب الفلسطيني، والمواقف القليلة التي تنقل لوسائلالإعلام، مسيئة، ولا تخدم إلا المواقف الإسرائيلية. إن موضوع حياة الإنسان، مهما كاندينيه أو قوميته، ليس للتشفّي والمكابرة، نفس الأمر ينطبق على الأسرى الفلسطينيين المنسيين إلامن صفقة شاليط، رغم أن قضيتهم أعمق وأقدم وأكثر حدّة ومأساوية. وأعتقد أن عدم التحركالشعبي والرسمي المتواصل لطرح مأساة الأسرى الفلسطينيين وتحريرهم من سجون إسرائيل، كخطوة لا بد منها لصفقة السلام، لا يخدم المواقف الفلسطينية. وكنت قد نشرت مقالاًبالعبرية عن نفس الموضوع وبنفس المضمون، أثار ردود فعل مختلفة، عصبية وعقلانية، أظهرتالاستقطاب في الشارع اليهودي نفسه.
أجل لموضوع الجنديالأسير شاليط إسقاطات عدة، وأبرز هذه الإسقاطات هو موضوع الأسرى الفلسطينيينأيضا، رغم أن موضوعهم لم يطرح على الساحة الدولية بمثل القوة التي يطرح فيها موضوعأسر شاليط، وكأن أسر شاليط جرى خارج الصراع الدموي، وخارج استمرار الاحتلال والقمعوالاستيطان والتنّكر لحقوق الشعب الفلسطيني، والأسرى الفلسطينيين هم شبه منسيين من الإعلامالعربي أيضا، وربما شاليط لوحده حصل على ساعات بث إعلامي عربي أكثر من كل الأسرىالفلسطينيين. هذا لا يعني أني أربط ربطاً كاملاً بين تحرير جندي وقع في أسر حماس،وتحرير الأسرى الفلسطينيين. صحيح أن الإعلام الإسرائيلي، وفي أعقاب أسر الجنديشاليط قام بتحرك إعلامي وإنساني داخل المجتمع اليهودي، وفي المنابر الدوليةالمختلفة، أبرز خصوصية قضية شاليط، ولكن بتجاهل كامل لواقع عشرة آلاف أسير فلسطينيأو أكثر، آلامُ عائلاتهم ليست أقلَّ من آلام عائلة شاليط، وحقهم باستعادة حريتهم لايقل عن حق جلعاد شاليط باستعادة حريته. وقد افتقدت للأسف الشديد المصداقية الإنسانيةلمعظم الإعلام العبري، في طرح الألم الفلسطيني أيضا، من واقع الأسر والإصرار الإسرائيليعلى عدم تحرير الأسرى الفلسطينيين، وإغلاق كل الأبواب العقلانية لحل هذه القضيةالملحّة، لكونه السبب المباشر في موضوع شاليط.
هذه المقارنة تفرضنفسها ليس فقط من منطلق مصداقية تصرُّف الطرف الثاني الذي يحتفظ بالجندي شاليط كورقةمساومة، بغياب إمكانيات عقلانية أخرى. والمأساة أن المساواة، حتى في حالة الأسرى،تبدو كنوع من نزع إنسانية الجانب الفلسطيني وتحويله إلى مجرد أرقام، بتجاهل أن كلرقم هو حالة إنسانية لا تقل مأساوية عن حالة الجندي شاليط. ومن هنا رؤيتي أن النظامالسياسي السائد في إسرائيل، يواصل التمسك بعقيدة تقديم “القرابين الوثنية” – (ربماعقيدة اسحق؟)، حتى يبقى الإله (السوائب المتطرفة في المجتمع اليهودي) راضية مرضيةعن نهج النظام.
نجحت عائلة شاليطبتحويل أسر ابنها إلى قضية اجتماعية إنسانية عابرة لكل الأحزاب السياسية فيإسرائيل، ومع ذلك أعتقد أن هذه الحملة الإنسانية، التي لا يمكن لإنسان عقلاني أنيقف في مواجهتها بدون أن يشعر بالألم، يجب أن تتطور إلى حمله شعبيةفلسطينية-إسرائيلية مشتركة، لإنهاء ملف الأسرى، بغض النظر عن مسار المفاوضاتالفلسطينية الإسرائيلية، وإمكانية الوصول أو عدم الوصول إلىاتفاق.
بات واضحاً أن جهازالسلطة في إسرائيل، دون علاقة بالقابض على صولجان السلطة، يتعامل مع موضوع الأسيرالإسرائيلي، وليس شاليط إلا نموذجاً، من منطلق الفكر القرباني، والثرثرة التي صمّتآذاننا حول قيمة حياة الإنسان، وفي حالتنا إنسان يهودي، ثبت أنها مجرد جزء من نهجدعائي. ويبدو أن الخوف هو أن يتحول أي اتفاق بين إسرائيل وحماس إلى سابقة سياسية،تطيح بالثوابت السياسية التي تطوّق حكوماتُ إسرائيل نفسَهابها.
أريد أن أقول، إنيكمواطنٍ عربي، وابنٍ للشعب الفلسطيني، باتت قضية الأسير جلعاد شاليط تؤلمني بنفسالقدْر الذي يؤلمني واقعُ عشرة آلاف أسير فلسطيني. أريد الحرية لجلعاد، أن يعودسالما لحضن عائلته، وأريد الحرية لكل الأسرى الفلسطينيين، المناضلين من أجل حريةشعبهم.
بات واضحاً أن ماطرحتْه "حماس" للدخول إلى اتفاق تبادل أسرى، لم يتغير منذ اليوم الأول، وها هي خمسسنوات كاملة تمضي، والموقف هو نفس الموقف تقريباً.
لا أنفي حقّ أي طرففلسطيني في اختيار الطرق المختلفة، السياسية وغير السياسية لإنهاء ملف الأسرىالفلسطينيين، وهذا لن يتم إلا بكسر "الطابو" الذي طرحته إسرائيل حول أسرى مع دم علىاليد، ومن هنا صعوبة اتخاذ القرار في إسرائيل، لأنها لا ترى الدم إلا على أيديالفلسطينيين فقط.!!
وكم سيبدو هذاالطابو تافها بعد تنفيذ تبادل الأسرى، ولا أستبعد أن يقوم الجيش بعملية عسكريةلتحرير الجندي شاليط، إذا استطاعوا بوسائلهم المخابراتية تحديد مكان تواجده، حتى لوكلفتهم العملية، حياه الجندي الأسير وحياة عدد من الجنود الآخرين المشاركينبالعملية، ولهم سوابق في ذلك.
هذه العقلية ليستغريبة عنهم!!!
قبل فترة غير طويلة نشرت منظمة حقوق الإنسان "بتسيلم"، تقريراً مخيفاً في كشف تجاهل الجيش التحقيق بقتلمئات الفلسطينيين غير المشاركين بأعمال معادية. تحت صيغة أن ما يجري هو "نزاعمسلح"، رغم أن هذه الصيغة تتناقض مع القانون الدولي وتعطي للجنود والضباط تصريحاًبالقتل، ما دام الهدف فلسطينياً. وطرحت "بتسيلم" مئات حوادث يشك بأنها قتلٌ بدم بارد.
الذي أريد أن أنوّهله، أن حجّة الدم على أيدي أسرى فلسطينيين، تبدو حجّة تافهة أمام الدم على أيديالجنود والضباط الإسرائيليين، وبشهادة منظمة حقوق إنسان إسرائيلية، لا يوجد دمٌإنسانيٌّ رخيصٌ ودمٌ إنسانيٌّ أثمنُ. الدم الإنساني له لونٌ واحد، ولأصحابه ألمٌ واحد وحلمٌواحد بحياة حرة كريمة ومستقبل حضاري متطور.
أحني رأسي أماموالدي شاليط، أفيفا ونوعم، اللذين يخوضان معركة من أجل أبنهما، وبنفس الوقت طرحا،بشكل غير مباشر، موضوع الأسرى كله وبكل حدته أمام المجتمع الإسرائيلي ليعطي عليهالجواب.
للأسف لا أرى أنالإعلام الإسرائيلي يتعامل مع الموضوع بالعمق الذي تعودناه منه في قضايا أخرى مثلقضايا الفساد والجرائم الأخلاقية والجنح.
كنت أتوقع إعلاماًيطرح موضوع الأسرى أمام المجتمع الإسرائيلي بكلحدّته.
إن من يظن أن الشعبالفلسطيني لن يتحرك لتحرير أسراه، يعيش بوهم قاتل.
لا بد من طرحالموضوع على أعلى هيئة في الدولة، هيئة المواطنين التي تدعى الحكومات أنها تمثلهاوتمثل مصالحها.
وأعتقد أنهم قالواكلمتهم!!!
الحرية لشاليطوللأسرى الفلسطينيين!!!
والحرية للشعبين من الحرب والاحتلال!!