تجربة صحيفة "الطليعة" المقدسية ودورها السياسي والثقافي
%5B1%5D(63).jpg)
لا شك أن للصحافة الفلسطينية دور طليعي وريادي بارز في نضال وتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث أنها شكلت منبراً أساسياً في تحريك الجماهير وتعبئتها سياسياُ ونضالياً، وفضح ممارسات الاحتلال الوحشية وانتهاكاته لحقوق الانسان.
وقد شهدت المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 في السبعينات من القرن المنصرم، حراكاً ثقافياً نهوضياً، وبدأ بالصدور العديد من الصحف والمجلات والدوريات الثقافية والادبية والفكرية، التي ساهمت في رفد النهضة الادبية والثقافية الفلسطينية. ومن بين هذه الصحف أسبوعية"الطليعة" المقدسية، التي صدر العدد الأول منها سنة 1978، وكانت مدرسة في الكفاح والنضال ضد الاحتلال، والناطق بصوت العمال والفقراء والنقابات العمالية، والمعبر عن هموم وقضايا الطبقة العاملة الفلسطينية، والمدافع الأمين عن حرية المرأة وحقوقها المطلبية والاجتماعية.
رئس تحرير "الطليعة" بين الأعوام 1978 ـ 1994 القائد الوطني والشيوعي الراحل، والشخصية السياسية البارزة بشير عبد الكريم البرغوثي ( 1931 ـ 2000) وهو أول أمين عام لحزب الشعب الفلسطيني ومؤسس الحزب الشيوعي الفلسطيني. في حين أشغل الكاتب والأديب محمود شقير رئاسة التحرير بين السنوات 1994 ـ 1996.
حملت "الطليعة" راية الفكر التقدمي العلمي المتنور والعمالي الطبقي المعادي للاستغلال ورأس المال، ولواء النضال والكفاح ضد الاحتلال والقهر الإنساني والبطش الرأسمالي والإمبريالي. ودعت إلى تصفية وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة، ونادت بالسلام العادل وأخوة الشعوب والتضامن الأممي. وساهمت في التوعية السياسية وإحياء تراث وتقاليد شعبنا الأصيلة.
كما قامت "الطليعة" بنشر الكلمة الوطنية الصارخة والغاضبة والثقافة التقدمية والديمقراطية الجديدة على أسس علمية، كعامل أساسي وايجابي في بلورة التراث الأدبي ودمج النضال السياسي والثقافي في المعركة الحضارية من أجل الحرية والعدالة والديمقراطية، وفي سبيل التحرر والاستقلال.
وكانت "الطليعة" خصصت بين صفحاتها ملحقاً للثقافة والأدب، أشرف عليه الكاتب والناقد الفلسطيني الكبير الراحل محمد البطراوي "أبو خالد". ولهذا الملحق دور عظيم في إرساء الأدب الواقعي والجمالي الفني الملتزم، وتنشيط الحياة الثقافية الفلسطينية والتجديد في الحركة الوطنية.
ويقول المرحوم محمد البطراوي عن دور "الطليعة" الثقافي: "ساهمت الطليعة في الحركة الثقافية من منطلقين: أولهما ـ رصد الفعاليات الثقافية والأدبية، وثانيهما ـ الدفع بالناشئة إلى مستويات الابداع الحقيقي. وقد حملت مشعل التغيير، المرتكز على الأصالة واستلهام روح الجماهير وتراثها الإنساني التقدمي، ومن هنا فإن هموم الطليعة الأدبية تتجسد في ربط الأدب بالحياة والمستقبل. ولذلك، فإن روح التفاؤل والتعبير عن أماني وطموحات الكادحين والمضطهدين الذين يتوقون ويناضلون من أجل وطن حر وشعب سعيد هي العنوان العريض الذي تندرج تحته كل الأعمال الأدبية التي كانت تصبو الطليعة إلى اظهارها في صفحتها الأدبية. كما أن محاربة أيديولوجيات الإحباط ومفاهيم النقد البرجوازي والجماليات الرأسمالية هي إحدى أسلحة الطليعة لخلق أدب التغيير، الأدب الجديد المفعم بالكرامة الإنسانية. كذلك ساهمت الطليعة دائماً في اللقاءات والمحاورات المكشوفة مع الكتاب بالتفافها معهم ومناقشة أعمالهم في حوار ودي لفضح المفاهيم الشائعة حول عملية الابداع الفني ومن اجل الوصول إلى جماهيرية الأدب".
و"الطليعة" كغيرها من الصحف والمجلات والدوريات عانت من أوضاع مادية واقتصادية صعبة، أدت إلى إغلاقها واحتجابها في منتصف التسعينات.
وللاجمال، إن "الطليعة" تجربة صحافية وثقافية رائدة في الدفاع عن قضايا ومصالح الناس وفقراء الشعب والوطن، وعن القضية الفلسطينية، وعن قيم النضال والاخلاق، ولها إسهام في تبلور ثقافة نضالية وثورية جديدة ضد الاحتلال وعلى ساحة الفعل النضالي والثقافي الفلسطيني. وقد عرفت دائماً بمواقفها السياسية الواقعية غير المتشنجة، ومواقفها الوطنية والانسانية والتقدمية الواضحة المنحازة والمنتصرة للإنسان المضطهد المغلوب الباحث عن وطن وهوية، وخدمة الهدف الوطني السامي. وعمقّت الوعي السياسي الطليعي بين الأجيال الشبابية الفلسطينية، واحتضنت الكتابات الملتزمة للأقلام الفلسطينية ذات التوجه التقدمي والعلمي والتفكير النقدي، الملتحمة بحركة وصيرورة الجماهير وهمومها الوطنية والطبقية.