نـسـيـان
.jpg)
في ما قبل، كان يشكو النسيان. آنذاك، كان النسيان -في عُرفِهِ- آفة، إعاقة، إهمالاً...
أراد أن يتخفّف من بعض ما تضاعف لديه وتراكم عليه من تعب وانشغالات، فسافر شمالاً إلى حيث الساحل والرمال والأطلال.
في وسط الطريق، اقترب بسيّارته من تلك القريةِ الزراعيّة التي تنبعث منها روائح تُذكِّر بفعلٍ كريهٍ، القريةِ التي تحاول أن تحلّ محلّ مسقط رأس ذاك الجميل الذي جعله هو وسواه يرَوْنَ الحياة جميلة مستحقّة فوق تراب أرض تضجّ بالاضطراب وتُنذر بالخراب. خطر له أن يعرّف رفيقَيْه الفتَيَيْن بِاسْم القرية الحاليّ، ليشير من ثَمّ إلى الأصل. خانته الذاكرة وهو يحاول أن يتذكّر الاسم غير العربيّ. لم يذكر أمامهما سوى ما تَذكَّرَهُ: درويش والبروة. لم يتذكّر الاسمَ غير العربيّ إلاّ بعد ما يربو على أربع وعشرين ساعة، رغم شيوع ذاك الاسم وتداوُل ألْسِنَة الكثيرين له.
بعد أن استعاد ما استعاد، ظنَّ بنفسه الظنون: نسيان؟! تقدُّم في السنّ؟! بدايات خَرَف؟! مَرَض ما؟! لكن سرعان ما حلّق به سرور غريب، واختطفته متعة غامرة.
أخبر صديقه بذلك، فسأله مداعبًا:
- ألا تخشى أن يكون هذا نذيرًا بشيخوخة مبكّرة؟!
- بل "أخشى" أن يكون بشيرًا بفـتوّة مجدّدة!
سَها الصديقُ عنه، فقال بهذيانٍ واعٍ: "ما أُحَيْلى هذه الذاكرة التي شرعت تتدرّب على النسيان! أهذه هي التي أسماها العاشقُ المحبوبُ المحبِّبُ ((ذاكرة للنسيان))"؟! ثمّ أضاف بهذيانٍ أشدّ وعيًا: "الآن، يخيَّل إليّ أنّي قد اكتشفتُ أو اقتنعتُ أنّ النسيان صار متعة وبهجة. صار النسيان ضرورة للذاكرة... صار حاجة وواجبًا"!
واستسلم مجدَّدًا... استسلم للسرور الغريب والمتعة الغامرة...
15.6.2011