قطار التغيير العربي يضيَع مساره
عند انطلاق قطار الثورات العربية من تونس مروراً بمصر ساد انطباع لدى الكثيرين ان موسم التغيير قد حل في العالم العربي وأن هناك تحولات جذرية ستترك انعكاسات عالمية، ولكن تبين فيما بعد ان قطار التغيير غير صالح للسير إلا باتجاه محطتين تم مدّ شبكات حديد اليهما فيما المحطات الأخرى في سورية واليمن وليبيا لا زالت حتى الآن محطات افتراضية. وبمعنى آخر فإن التغيير الفعلي قد حصل فقط في مصر حيث يُعمل على إعادة تركيب نظام جديد بموجب دستور يتوافق وروح العصر، ويستجيب لمتطلبات الديمقراطية الحقيقية، فيما في تونس التي كانت السباقة والرائدة فقد أحبطت الثورة في منتصف الطريق ولم تشهد تحولاً إلا على مستوى إزاحة شخص الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وعائلته. ولوحظ ان الذين ورثوا الثورة التونسية يمارسون السلطة الأن بعقلية أسلافهم ووفق نفس المعايير وكأنه لم يحصل اي شيء في هذا البلد. والمفارقة الأخرى هي ان ثورة مصر وتونس اخذت طابعاً سياسياً حيث جرت المواجهات بين السلطة وبين كل من يتعارض معها، فيما في ليبيا واليمن فإن الثورات تأخذ طابعاً قبلياً – عشائرياً حيث تستجير السلطات بالانتماء القبلي لرأس الدولة والذي هو غالباً ما يتحدر من اكبر القبائل، وتستعين المعارضة ايضاً بالإنتماءات القبلية لأركانها وبمنظمات المجتمع المدني الحديثة التكوين لتكون رافداً معززاً للمواجهات ولزيادة حجم الضغوطات على السلطة.. اما في سورية فإن التخوف من ان تأخذ المواجهات الحاصة منذ اشهر طابعاً طائفياً حيث هناك من يعمل على جر البلاد الى هذا المنحى رغم خطورة تداعياتها على المنطقة بأكملها. يضاف الى ذلك ان الثورات في سورية وليبيا واليمن تخضع لوصيات خارج إطار حسابات من كان يسعى الى التغيير، وباتت مرتبطة برهانات سياسية أكبر من حجم الدعوة فقط الى الإصلاح او إزلة نظام من اجل تثبيت نظام بديل. فالثورة الليبية تستنجد بالخارج وتحديداً القوى الغربية التي لم تكن يوماً على علاقة مع الشعب الليبي ولا مهتمة بأزماته ومطالبه، بل كانت دائماً مقربة او معادية للنظام حسب ما كانت تقتضي مصالحها ومنافعها. ولهذا تستجدي المعارضة اليوم موقفاً سياسياً من دولة عظمى او غارة من طيران حربي تابع لحلف الأطلسي للحد فقط من حجم الضغوطات العسكرية لكتائب القذافي. ويستغل الغرب هذا الواقع لإستنزاف المعارضة ولفرض شروط متنوعة عليها بحيث لو اتيح لها يوماً ما الإمساك بالسلطة فإنها ستكون تابعة بالكامل لهذا الغرب الذي لا هم له سوى التفكير بكيفية الاستيلاء على الثروة النفطية وعلى المشاريع الاستثمارية الواعدة. والثورة اليمنية لا تلقى اهتماماً إلا من دول مجلس التعاون الخليجي الذي يقدم المبادرة تلو الأخرى لإخراج البلاد سلماً مما تتخبط به فيما الغرب لم يحسم أمره بعد بشأن مستقبل هذه البلاد لا على مستوى الحفاظ على وحدتها ولا على مستوى سعيه من أجل تقسيمها الى عدة دول ذات هويات مختلفة حيث من الممكن ان تكون بعضها دول قبلية وأخرى مذهبية. والثورة السورية أخذت منذ انطلاقتها منحى المواجهة العسكرية حيث تبين ان المعارضة مسلحة وتمتلك إمكانيات تقنية متطورة للاتصالات دون ان تتوضح حتى الآن هوية جهة سياسية تقود التغيير او بروز أسماء شخصيات لديها مشروع تغييري ما. وإذا صح ما تتناقله بعض وسائل الإعلام فإن الحديث عن ثورة فعلية ليس ذات قيمة حيث يتردد ان المطلوب الحفاظ على النظام لقاء ان يقدم تنازلات في ملفات ذات علاقة بقضايا إقليمية وليس وطنية مثل ان يفك نظام بشار الأسد تحالفاته مع ايران وحزب الله وحركة حماس وان يقبل النظام بتسوية مع إسرائيل دون اشتراط استعادة الجولان المحتل. والذي يفاوض دمشق هو الغرب فيما المعارضة غائبة عن اي مشاركة مما يعني ان الثورة مصادرة لصالح مشاريع سياسية ذات أبعاد إقليمية ودولية وما "الثوار" إلا وقود سيتم تجييرهم لاحقاً إما لمصلحة النظام اذا وافق على "تهذيب سلوكه" أو لمصلحة الغرب للاستثمار في أهداف بعيدة عن مطالب المواطنين السوريين وهمومهم. وعليه فإن قطار التغيير العربي قد أضاع مساره ولم يعد هو نفس القطار الذي أرعب العالم عندما دوت صفارته في مصر وبات اليوم أشبه بقطار يسير دون التوقف في محطات، والمحطات باتت بدون مسافرين ينتظرون القطار.
رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي