موت الياسمين

الهام حالوت قرأها 777

كيف يشعر الأسير في  الزنزانة؟ كيف يشعر المجنون عندما تقيّده أغلال حريرية؟ أو عندما تطبق الدنيا بهمومها على الإنسان الغارق في مستنقع الضياع والعجزالمطلق أمام أقدار ليست من صنعه ولا قدرة لديه على التحكم بمسارها ولا على التأقلم معها؟!؟

من يستطيع أن يصف هذا الشعور أكثر من المواطن الذي عجز أن يفهم الأسباب التي حولته إلى مجرد دمية (مانكان) في متاجر السياسة المحلية والعالمية؟ دمية يلبسونها ما يشاؤون وحينما يشاؤون، ويعرّونها كيفما أرادوا ومتى أرادوا.

آمنت وآمّنا جميعا بأننا قادمون على مرحلة تكللها الشمس الساطعة وترطبها قطرات الطلّ والندى، وكالبلهاء حلمنا بأن ننام كالناس هانئين مرتاحين، وأن ننجب أطفالا ونربيهم في هذا الوطن، وأن نعرّفهم على علم البلاد وحدود البلاد وجمال البلاد..

وكالبلهاء تفاءلنا أكثر،! بعنا البيت القديم، واشترينا بيتا تزينه حديقة لأننا نريد لأطفالنا أن يعيشوا في اطار من الفرح والسعادة والسعة، زرعنا شجرة الياسمين لتكبر وتنمو معنا وتنشر مواعيد الفرح وبشائر الطيب، تركنا الأسرّة الصغيرة والغرف الضيقة لنستبدلها بحديقة تتسع لكل أحلامنا الوردية، وغرف يزرع الأولاد فيها كل أمانيهم، وأسرّة لا تضيق بزوار المنامات والآمال، يتقلبّون على فرشها وتتصارع معهم ضحكاتهم وتمازحهم فلا تقع وتنكسر،... كان كل~ همنا أن لا تنكسر الأحلام.

والحلم الكبيردفعنا إلى الثقة بالدولة القوية، فانتخبنا، Yيمانا منا بأنّ النزاهة ما زالت بخير،. وكنا يومها في نشوة الإيمان بالوطن والصادقين من أبنائه، فالنواب الذين انتخبناهم لا يساومون على حبة من ترابه! ( أوليس تراب الأرز أغلى من الذهب؟)

كم هو صعب أن يكتشف الإنسان سذاجته! لم تقع الأحلام وتتكسر، بل تبخرت كأنفاس الربيع وصارت مزحة من الماضي! بل هي صارت فقيدا عزيزا نبكيه كل يوم ولا نجرؤ على رثائه!

البيت الكبير صار سجنا وصارت الحديقة مقبرة للياسمين، والغرف الواسعة بأسرّتها الرحبة صارت مسرحا للكوابيس المخيفة!

هل كنا مغفلين فصدقنا أنفسنا أم أنهم تفوقوا في الخداع حتى العبقرية؟ أم أن بريق المال والسلطة أقوى من مبادئهم فحلّ الصباغ السطحي عنهم واتكشفت عوراتهم؟ والله لست أدري كل الذي أعرفه أننا خدعنا وانطلت علينا الحيلة، ووقّعنا على بيع بلدنا بأيدينا.!  

حديقتي الجديدة نظفتها من كل نبت ضار ومن كل ما يعيق نمو ورودها وأزهارها، أو يعكر صفو أريج الياسمينة، ولكن من ينظف هذا الوطن من النبات والعوسج والزواحف الآكلة والقوارض التي لا تشبع؟

حديقتي، زرعت فيها كل أحلامي وأحلام أولادي وأماني المستقبل، رويتها بحب وعناية، أرضعتها قطرات الدمع المقطر، وبكل بلاهة صدقت أماني وأحلامي ووعود الحياة والغد، لكن الياسمينة في الحديقة حملت الكثير من العناقيد الكثير الكثير، وتوهجت أطيابها كالأساطير، ظننتها حبلى بالمواعيد والوعود، فاذا بها تعطي كل ما لديها لتودعنا وتموت ومعها عناقيد الياسمين.

ماتت عناقيد الياسمين، ماتت الأحلام حتى في الذاكرة، وعلى مشارف الذكريات، بسمة من الماضي تسخر من غبائنا وإيماننا بالوطن الحر، إنه وطن- الياسمينة، الوطن الذي أزهرت فيه عناقيد الياسمين ثم  رحلت.