قراءة عاجلة في أدب السجون
%5B1%5D(34).jpg)
أدب السجون هو الأدب الإنساني النضالي الذي ولد في عتمة وظلام الأقبية والزنازين وخلف القضبان الحديدية، وخرج من رحم الوجع اليومي والمعاناة النفسية والقهر الذاتي، والمعبّر عن مرارة التعذيب وآلام التنكيل وهموم الأسير وتوقه لنور الحرية وخيوط الشمس.
ففي جحيم السجن ودياجير الظلام الدامس، يمتشق السجين قلمه ليحاكي واقعه وحياته الجديدة ويغمسه في الوجدان ليصور تجربة الأسر والمعاناة اليومية، ويسطر ملاحم الصمود والتحدي والبطولة، في نصوص لا أصدق ولا أعذب ولا أجمل منها.
ويتميّز الأدب الاعتقالي بصدق التجربة وغناها، وبالعفوية والرمزية الشفافة والصور الايحائية، وسلاسة اللغة وطلاوة التعابير.
ومن الملاحظ أن سلطات القمع الاحتلالي الاسرائيلي عمدت، وانطلاقاً من سياسة الحصار والترهيب والتفريغ الثقافي، إلى اعتقال الناشطين الثقافيين ورجالات الفكر والأدب وأصحاب الكلمة الحرة والقلم الملتزم في المناطق الفلسطينية الخاضعة لهذا الاحتلال، وزجت بهم في غياهب المعتقلات والزنازين الاحتلالية، وقلّما نجد كاتباً أو مثقفاً فلسطينياً لم يذق طعم السجن ومرّ الإقامة الجبرية، وفي أحيان الإبعاد عن الوطن، كالأديب والروائي والناشط الثقافي المعروف محمود شقير. وكلّ ذلك بهدف كسر أقلامهم، وخنق الثقافة الفلسطينية المقاومة، وقمع الصوت الفلسطيني التقدمي والثوري، وسلب الهوية وتزييف الإرادة الوطنية.
عرف الأدب العربي على مرّ العصور والحقب التاريخية المختلفة أدب الأسر وتجربة الاعتقال، فمثلاً أبو فراس الحمداني الشاعر والفارس، الذي لا يهاب الموت، غمد في السجن وكتب أروع قصائده (الروميات) في الأسر. لنسمعه يقول في قصيدته الشهيرة "أراك عصي الدمع" التي غنّتها سيدة الغناء العربي الراحلة "أم كلثوم":
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى نهي عليك ولا أمر
نعم أنا مشتاق وعندي لوعة
ولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى
وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر
في حين نجد المعتمد بن عباد، ملك إشبيلية والشاعر المجيد الذي كان يعشق الأدب، قد صور عذابه وألمه وتجربته في السجن، بلغة شاعرية مؤثرة، وصور فنية غنية، ودلالات عميقة المعنى، وأسلوب شفاف وواضح .ومن أشعاره التي أثارت غرائزنا ومشاعرنا، ولامست احاسيسنا وشغاف قلوبنا، ما كتبه وهو في سجن(أغمات) التونسي.. حيث قال:
فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً
فجاءك العيد في أغمات مأسوراً
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس ما يملك قطميراً
برزن نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في التراب والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكاً وكافوراً
أما في الحالة العربية المعاصرة فثمة الكثير مما كتبه المبدعون العرب، الذين أمضوا الأيام الخوالي والليالي المتعبة في السجون، وخاضوا التجربة القاسية في سجون وزنازين الانظمة العربية القمعية الاستبدادية، التي بدأت بالتساقط والانهيار الواحدة تلو الاخرى. ومن أبرز الذين مروا بتجربة الاعتقال، الروائي والمثقف المصري صنع اللـه ابراهيم، الذي ينتمي لجيل الستينات، ونزيل السجون المصرية، الذي كتب عن هذه التجربة المرّة في روايته "تلك الرائحة". وفي السجن تعلم المعنى الحقيقي للعدالة والتقدم وحب الوطن، ويعتبر السنوات التي قضاها خلف القضبان هي التي صنعت منه روائياً متميزاً. وقد قال مرة في لقاء صحفي أجري معه :"إني غير نادم على الفترة التي قضيتها في السجن، وأرى أني مدين لها بالكثير، فهي التي أتاحت لي فرصة مراقبة البشر والتعرف على سلوكهم وعلى عوالم ثرية وشخصيات مهمة ووفية، لم أكن لأتعرف عليها وأنا خارج السجن". وأضاف قائلاً :"لو عاد الزمن إلى الوراء وخيّرت سأختار خوض تجربة السجن مرّة ثانية دون تردد رغم الفترة التي قضيتها".
ومن الأعمال الأدبية التي صورت التجربة الاعتقالية كتاب المناضلة والناقدة والكاتبة المصرية التقدمية فريدة النقاش "السجن، الوطن" الذي تحكي فيه عن فترة الأسر الممزوجة والمضمخة بالألم والقهر الإنساني والتطلع إلى الآتي. وكذلك رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، ورواية "تلك العتمة الباهرة" للطاهر بن جلون، ورواية "القلعة الخامسة" لفاضل الغزاوي، وسيرة شريف حتاتة "العين الزجاجية" وغيرها الكثير.
وفي أدبنا الفلسطيني المقيم في هذا الجزء النابض من الوطن الفلسطيني (داخل حدود 48) فقد كان للدور الثقافي الذي لعبه شعراء وأدباء المقاومة في تنمية وتأصيل الوعي الثوري المقاتل وتعميق الشعور القومي، المناهض للسياسة القهرية والاضطهادية السلطوية، وصيانة الهوية الفلسطينة، سبباً في اعتقال هؤلاء الشعراء والمبدعين المناضلين والمكافحين في خمسينات وستينات القرن الماضي، والذين كانوا ينتمون للحزب الشيوعي، ويؤمنون بفكره الايديولوجي الطبقي، وينشرون إبداعاتهم في صحفه ومجلاته وأدبياته: "الاتحاد"و "الجديد" و"الغد". فها هو شاعرنا الكبير الراحل محمود درويش يكتب من داخل زنزانته قصيدة "آخر الليل" التي يقول فيها:
وطني
يعلمني حديد سلاسلي
عنف النور
ورقة المتفائل
ما كنت أعرف تحت جلودنا
ميلاد عاصفة
وعرس جداول
سدوا علي النور في زنزانة
فتوهجت في القلب
شمس جداول
بينما الشاعر سميح القاسم فيكتب قصيدته "رسالة المعتقل"، التي تنطوي على تحد واضح للسجان، وتفاؤل ثوري عميق بدنو النهار:
أومن يا أماه
أومن أن روعة الحياة
تولد في معتقلي
أومن ان زائري الأخير.. لن يكون
خفاش ليل.. مدلجاً بلا عيون
لا بد أن يزورني النهار
أما الشاعر والمناضل الراحل توفيق زياد فقد كتب أجمل قصائده وهو في السجن ومنها قصيدة "سمر في السجن " التي يقول فيها:
يا شعبي
يا عود الند
يا أغلى من روحي عندي
إنا باقون على العهد
لم نرض عذاب الزنزانة
وقيود الظلم وقضبانه
ونقاس الجوع وحرمانه
أما شيخ الأقصى رائد صلاح، الذي عرف عذاب وقهر السجون، فقد فاضت قريحته في المعتقل، حيث كتب قصائد ديوانه "زغاريد السجون" وهو تحت وطأة التعذيب، ويتحدث فيها عن حياة الأسر وينقل مشاعره الجياشة، وعما يدور بخلده وقلبه من شوق وحنين لاهب للقاء الأهل والأحبة.
وفي الأدب الفسطيني الذي ترعرع ونما تحت الاحتلال الاسرائيلي، هناك عدد كبير من الكتابات الشعرية والنثرية والصور القلمية، التي تروي تجربة الأسر والاعتقال السياسي التي تقشعر لها الأبدان. ومن الذين كتبوا وصوروا هذه التجربة الاعتقالية: عدنان الصباح، فايز أبو شمالة، سامي الكيلاني، خليل توما، أسعد الأسعد، عبد الناصر صالح، المتوكل طه، محمد عليان، محمد أبو لبن، عطا القيمري، محمود غرباوي، فاضل يونس، هشام عبد الرازق، عائشة عودة، زكية شموط، خديجة أبو عرقوب، سعاد غنيم، ناهدة نزال، وسوى ذلك من الأسماء.
في الإجمال، إن أدب السجون هو تجربة إبداعية وإنسانية حية صادقة ورائدة، لها تميزها وخصوصيتها ومكانتها في أدبنا العربي والفلسطيني. وهذا الأدب يعكس بكل صدق وعفوية ألم القهر وعمق المعاناة وآثار التعذيب وصنوف القهر والاذلال التي يتعرض لها المعتقل في الزنزانة وخلف القضبان، وتصميمه على مواجهة السجان والانتصار عليه.