غادر الشعراء .. أم انتهى زمن الشعر..!
%5B1%5D(31).jpg)
من القضايا والأجندة التي تشغل بال المهتمين والمتابعين للإنتاج والإبداع الثقافي في بلادنا، هي حالة الخواء والرداءة التي وصلت إليها حركة الشعر المحلي في العقد الأخير، حتى بتنا نتساءل: هل غادر الشعراء أم انتهى زمن الشعر؟!! فأين الطاقات الإبداعية المثقلة بالهم والجرح اليومي والعذاب الإنساني القادرة على العطاء والإبداع المتجدد؟ لقد رزئت حركتنا الشعرية بالكثير ممن أقحموا أنفسهم إقحاما على ميدان الشعر، ولم تجد احتجاجات الناس في إقناعهم بأنهم ليسوا بشعراء، ويفتقرون للتجربة والموهبة الخلاقة. فأي شاعر هذا الذي جعل من قضية الوطن لعوبا تتعامل مع كل المراهقين؟! وأي شاعر هذا الذي جعل من الزعتر والسنديان والزوفا النابتة على سفوح الجبال والروابي والتلال الفلسطينية أفيونا يخدر به المخدوعين؟! والمأساة أنه رغم إسداء النصيحة لأولئك الشباب، الذين يتعاطون الكتابة الشعرية، بأن يتريثوا ولا يتعجلوا في نشر وإصدار محاولاتهم الشعرية في كتب ودواوين، إلاّ أنّهم يرفضون النصيحة وتكون النتيجة إصدار ما يسمى بـ"دواوين" شعرية، لا تكاد تفرغ من قراءتها حتى يجابهك كابوس ثقيل ويرتفع ضغط دمك. فهذا خطأ لغوي يسحق الأعصاب سحقا، وذاك خلل في الوزن والتفعيلة يجعلك تتزحلق على الرصيف. أما عن السطحية والركاكة في التعبير والضحالة في التجربة فأمران يجعلانك تبكي بمرارة وألم شديدين. وحقيقة انني لا أشفق على مثل هؤلاء المتشاعرين فيما يصدرونه وينشرونه من هزيل الشعر. وحركتنا الأدبية والثقافية ليست بحاجة إلى من يسيئون إلى هذه الفصيلة المسماة "ديوان العرب"، وليست بحاجة إلى من يتاجرون بالحرف والكلمة والقضية على حساب الانتماء والمستوى الشعري..!! إن الشعر هو ذاك النسق التعبيري الذي يتجلى في كلمات لغوية ومعان وجدانية وذهنية. بل هو في تقديري هذا النسق الكلي المنظم المغاير، المختلف، المتنامي، المتجدد، المبدع في كل شيء، في الطبيعة والحياة والمجتمع والكون والإنسان. والشعر هو وليد العذاب والمعاناة بكل ما يحمله العذاب والمعاناة من ألم وجراح ومخاض وولادة. والشاعر، لكي يكون شاعرا، بحاجة، بالإضافة إلى الموهبة الحقة، إلى الثقافة الشمولية المتنوعة، وإلى اللغة الغنية والموسيقى، وكذلك إلى التجربة الحياتية الاجتماعية المتفردة التي تعطي للقصيدة الجديدة طعما خاصا لم نتذوقه في أي قصيدة سابقة. وحيال ما ينشر من شعر غث ورديء فان المطلوب من النقاد ومحرري الملاحق الأدبية والثقافية ممارسة دور نقدي مسؤول، يرسم الحدود الواضحة بين الشعر وبين الكلام العادي، الذي يعتقد صاحبه أنه شعر، وربما هذا سلّم للشهرة والنجومية الزائفة والمزيفة. وأخيرا، فإنني أقول لأولئك الذين يدعون شعراء ولكل المتشاعرين والمتشاعرات، وما أكثرهم وأكثرهن، قفوا مكانكم..!! فالشاعر الذي نريده على الساحة الأدبية هو الشاعر الحقيقي الناضج والمبدع، الذي يغمس وجدانه في قضايا الناس والحياة والمجتمع، وينجح بأن يجعل من قصيدته المعبرة، بصدق وأصالة، وجبة رئيسية لأبناء الحياة، الشاعر الذي يعطي للكلمة حجمها ويملأها بحرارة التعبير واللغة الجميلة العذبة، ويغمرها بالشفافية والعفوية الواضحة..!!