خربشات
هذه كانت إحدى اعترافاته:
"لو أنني حاولت أن أحدد الناس الذين تركوا آثاراً عميقة في نفسي, لحددت:
هوميروس, وبوذا, ونيتشه, وبيرغسون, وزوربا"
وعندما فتشت في مذكرات كازنتزاكي لأقترب من سبب تسمية هؤلاء بعينهم وجدت أن كل منهم قد شكل فصلاً من فصول ارتقائه الروحي اللاهب. وما وصفت روحه باللاهبة لكونها صفة لا أكثر ولا أقل, بل احتراماً لفكرته التي طالما رددها في مذكراته, داعيا فيها إلى ضرورة تحويل اللحم, والفكر, والأمل, واليأس, والشرف, والعار, والمجد إلى لهب تتجمع كلها في لهب أوحد وهو لهب الروح.
فلهيب هوميروس ابن جلدته (فهو يعود للعزف على وتر أصله اليوناني عامة والكريتي خاصة في كل حين) كان على حد اعترافه العين الآخاذة التي أنارت كونه ببهائها الشافي مثل قرص الشمس, بوذا كان العين القاتمة التي غرق فيها العالم ثم نجا, بيرغسون ساعده على الخلاص من إشكالاته الفلسفية التي اعترضته أيام شبابه, أما نيتشه فقد أغناه بعذابات جديدة, وعلمه كيف يحول المرارة والفشل إلى كبرياء, ونهاية كان زوربا من علمه كيف يحب الحياة وكيف لا يخاف من الموت.
عند مرور هذه الأسماء أمام ناظري المتواضع لم تثرني الشخصيات الأربع الأولى فهي قد أثرت بالكثير من الأشخاص على اختلاف عصورهم, فهي أعلام في عالم الأدب والفلسفة. لكن اسم زوربا هو من استوقفني مطولاً, وجعلني أضع أكثر من علامة استفهام حوله. فما الذي يجمع بينهم وبين زوربا الجاهل لهم ولإسهاماتهم؟ وما السبب الذي دفع كازنتزاكي للذهاب أبعد من ذلك للقول بأنه لو يحق لكل إنسان اختيار دليله الروحي لاختار زوربا, وخلد دليله بعمل أدبي يعد بحق من أمتع الأعمال الأدبية في تاريخ الأدب الحديث والمعاصر.
عذرتك كازنتزاكي بعد أن اقتحمت تفاصيل زورباك.
متأسف كازنتزاكي فمن أنا حتى أحاسبك وأتجرأ على تقييمك, ولكني أصبحت متأكداً بعد أن عرفتك من أنك ستسامحني, فنقطة ضعفك هي في التكلم ببساطة وتلقائية على غرار زوربا. أليس هو من طلب منك السفر في إحدى رسائله لرؤية حجر أخضر جميل كان قد وجده, ولكنك نهرته ووبخته على كفره بهذا التفكير. فالإنسانية وحريتها كانت على المحك والعالم كان يتصارع في حربه العالمية الثانية, وما كان من توبيخك له سوى الجواب الساذج هذا:
"سامحني لاقتراحي يا ريس. انت لست سوى حامل قلم. كانت أمامك فرصة العمر لكي ترى حجراً أخضر جميل, ولكنك لم تره".
ثم حملك جوابه البريء على التفكير في وجود جهنم من عدمه, وتوصلت إلى أنه لا بد من وجودها لاستقبال حملة الأقلام.
وتوصلت معك لاكتشاف لغز زوربا فهو لم يكن من أصحاب الأقلام, النظريات, والأفكار العظيمة, ولكنه كان قد قام بالفعل العظيم: وهو أنه عاش الحياة بطولها, وعرضها ولم يتنازعه عليها شيء, ولم يقيده اتجاهها أي فكر.
كان يمتلك قابلية مذهلة للتجدد كل صباح فأصبح يرى كل شيء باستمرار وكأنه يراه للمرة الأولى, وبهذه الطريقة منح العذرية لهذه الأشياء اليومية الأبدية. وبقي زوربا متمسكاً بالحيوية ذاتها حتى في لحظات وداع عشيقته (الحياة) مراسلاً صديقه المثقف كازنتزاكي يقول له:
"لقد فعلت هذا الشيء وذاك, وأشياء أخرى في حياتي, ولكنني لم أفعل إلا القليل.
الناس الذين يشبهونني يجب أن يعيشوا ألف سنة. عمت مساء".
نهاية فهمت ما معنى أن يشتمك صيني بقوله:
"ألعنك, وأدعو أن تولد في عصر هام"
بوركت هذه اللعنة عندما تحلّ بأناس على شاكلتك نيكوس, وأباركها لأنها أنتجت وستنتج بالضرورة ذنوبا مضيئة, وستساعد الأرواح التي لم تلعن بعد على الاقتراب من مرحلة اللهب الكازنتزاكي ممهّدة الدرب لأصحاب اللعنات القادمة, متمنياً من الله أن يزيد أرواحناً لهباً علّنا نتلقّى هذه الذنوب الجميلة على غرار من سبقونا ملعونين مباركين في عصورهم.