مـصـيـر مـصـر وكـلّ الأوطـان... حـرّيّـة!

حـنـّا نـور الـحـاجّ قرأها 1,218

مـصـيـر مـصـر وكـلّ الأوطـان... حـرّيّـة! 

هل سمعتَ ما قاله المخرج المصريّ خالد يوسف؟ يحضرني من كلامه الآن قوله إنّه لا يهمّه الأمر إذا ما مات تاركًا بعده لأبنائه وطنًا حرًّا يعيشون هم فيه أحرارًا وينالون حقوقهم. الهمّ كلّ الهمّ أن يبقى على قيد الحياةِ وفي الآن ذاته يبقى الوضعُ على ما هو عليه من استبداد وجَوْر واستغلال وارتهان.

خالد يوسف، هذا المخرج المعجِب، فنّان حقيقيّ، مثقَّـف مثقِّـف حقيقيّ، رجل ليس لك إلاّ أن تحترمه وتُجِلّه، ولا سيّما أنّ صراحته وتصريحاته هذه سبقها ما يماثلها صدقًا وجرأةً قبل ثورة الشعب في مصر. هو ممّن كانوا يؤيّدون الثورة قبل حدوثها. هو امرؤٌ حرٌّ جَسورٌ بلا ريب -ولا مديح.

مـتـعـة الاسـتـمـاع

ولو سمعتَ ورأيتَ شبّان مصر أمام الكاميرات، وهم يرقصون هاتفين على نحوٍ موقَّعٍ منغَّمٍ: "حرّيّة... حرّيّة... حرّيّة"، لعرفتَ حقَّ المعرفة قيمةَ هذه الغالية: الحرّيّة... لعرفتَ كم تتعطّش هذه الشعوب إليها... لتيقّنتَ أنّ حكّامها ساقطون وساقطون... لأدركتَ أنّ الحرّيّة ليست من حقّ المتشدّقين بها فحسْب... الحرّيّة حلمٌ "واقعيّ" من الضروريّ أن يحياه المرء أو يحقّقه أو يسعى إليه.

لو استمعتَ إلى برامج المحطّات المصريّة الآن، لاستبشرتَ بالآتي خيرًا، ولعرفتَ أنّ بناء الديمقراطيّة والمواطَنة سائرٌ مستمرٌّ في مصر، وأنّ الثورة لم تنتهِ بانتهاء الاعتصام في ميدان التحرير. لو استمعتَ إلى المستضافين في أستديوهات تلك المحطّات، لتعرّفتَ على مصر التي أخفاها عنك النظام: مصر الفكر والرقيّ والانطلاق والطلاقة النائية عن التأتأة والفأفأة والغمغمة والتهريج والبهلوانيّة.

لو تابعتَ بعض البرامج التلفزيونيّة -لا سيّما على القنوات المصريّة-، لعاينتَ كيف تُبنى الديمقراطيّة الآن كلمة إثْر كلمة، طوبة فوق طوبة كما يُبنى عشّ الحبّ (والاستيحاء من أغنية كتب كلماتها جليل البنداري ولحّنها منير مراد، شَدَتْ بها "شادية" الرائعة منذ عقود -"يا دبلة الخطوبة"). لو تابعتَ، لحظيتَ بالاستماع إلى رجالات مصر وشبّانها الممتلئين إيمانًا وعلمًا ومعرفةً وحماسةً.

تـخـوُّفٌ مـن الـديـمـقـراطـيّـة!

قلتَ إنّ الآتي ليس من المؤكَّد أن يكون أفضلَ من الحاضر والغابر، وقال سواك إنّ السلفيّين الأصوليّين سيستولون على الحكم عبْر الديمقراطيّة، ومِن ثَمَّ سيَئِدُون الديمقراطيّةَ؛ فهؤلاء يرون الديمقراطيّة مطيّة لا طريقة حياة أو طريقة حكْم.

الأحبّاء في مصر، بعد أن تحرّروا من خوفهم، لن يسمحوا لأيّ حكْم قادم، ولا لأيّ جسم سياسيّ، أن يلهو بهم أو يعبث بمصايرهم، وكذلك لن يسمح أيّ حاكم لنفسه أن يكون متحكّمًا متسلّطًا متجبّرًا ناهبًا سالبًا. تبدّلَ الزمانُ، وتبدّلَ اتّجاهُ الخوف. بعد أن كان الشعب هو الذي يخاف، الحاكم منذ الآن -في مصر وفي سائر دول العرب- هو الذي ينبغي له أن يخاف. إن لم يخف، فلن يُكتَب له بقاء. الشعب الذي سوف "يلقّن" كثيرًا من بلدان الدنيا دروسًا في الثوريّة والديمقراطيّة والرقيّ معًا، والذي سيختار حكوماته بالانتخاب، هذا الشعب قادر على الإطاحة بكلّ مَن سيحاول المسّ بالنهج الديمقراطيّ الحقيقيّ وبالشعب المصريّ.

قبل سنوات، لخّص عبد الرحمن منيف حاجةَ العرب، بعد تجاربه ومُعايَناته السياسيّة العربيّة العروبيّة الخاذلة. لخّصها في كتابه الذي يختزل عنوانُه مضمونَه خيرَ اختزال: "الديمقراطيّة أوّلاً... الديمقراطيّة دائمًا". فيه لا يزعم أنّ الديمقراطيّة حلّ سحريّ أو مفتاح سحريّ، بل يراها الأداة أو الشرط الذي يدفع إلى مواجهة المشكلات الحقيقيّة مواجهة مباشرة، ومعاينة هذه المشكلات على نحو أكثر جلاءً، فيجري "فهمها والتعامل معها تمهيدًا للوصول إلى حلول لها". مثل هذا الفهم للديمقراطيّة -بما يتضمّنه من احتراس وواقعيّة- قد يقلّص النشوة، بَيْدَ أنّه يضمن الصحوة، إذ يجهّز أنصارَ الديمقراطيّة لاحتمال مواجهة نواقص ومساوئ في مثل هذا النظام/ الأداة.

وفي هذا الصدد، لا بأس من التذكير بقول العلاّمة اللبنانيّ والشاعر محمّد حسن الأمين: "مساوئ الديمقراطيّة أفضل من محاسن الدكتاتوريّة"؛ وذلك أنّ محاسن الاستبداد لا ضمانة لاستمرارها، بل هي حالة عَرَضيّة، بينما في وسع الديمقراطيّة أن تتتغلّب هي بنفسها على مساوئها وأن تقوّم الاعوجاجات والتجاوزات.

لأهلنا في مصر ندعو بكلّ الخير. خيرهم خير لنا نحن كذلك.

عظيمة، يا مصر!

hajhanna@gmail.com

شباط 2011