الناقد والباحث الموسيقي صميم الشريف

تمكن الناقد الموسيقي صميم الشريف من وضع خارطة أرشيفية وتحليلية للموسيقا والغناء في العالم العربي عبر دراساته وكتبه التحليلية والنقدية والتأريخية، وأغنت مؤلفاته النقدية المكتبة العربية بعدد من الأبحاث والدراسات الموسيقية، إذ ترك مساحات كبيرة على مستوى النقد الموسيقي العلمي، وهو بذلك يمتلك قدرة على كشف تفاصيل الجملة الموسيقية، ويميز بين الاستماع للموسيقا الغربية التي تدعو للتفكير والتأمل وبين الاستماع إلى الطرب التأملي في الموسيقا العربية، ومن تحليلاته للأغنية السورية على وجه الخصوص وأنه يعدها أحد ألوان الغناء في العالم العربي الكبير لأنها تمتلك لونها الخاص وطريقتها في الأداء عبر اللهجة واللكنة التي تميز الثقافة السورية المحلية، وهو بالمقابل يمتلك أذنين موسيقيتين واحدة للموسيقا الكلاسيكية بكل أطيافها (الكونشيرتو، السوناتا، السيمفوني، الغناء الملحمي الأوبرالي) وأخرى للموسيقا الشرقية والعربية، إذ مسارات تطور الأغنية من الموشح إلى الدور فالطقطوقة فالأغنية الطويلة، ويعد صميم الشريف أحد أهم المؤرخين والباحثين الموسيقيين في سورية والوطن العربي. شارك في العديد من الحوارات والمحاضرات في أغلب دور الثقافة, وإعداد برامج إذاعية وتلفزيونية تحدث فيها مطولاً عن تجارب الموسيقيين والمبدعين العرب. «دراما» زارته في مكتبه وكان لها معه هذا الحوار:
- من خلال تتبعك لأنماط الغناء في الوطن العربي، وعبر معاصرتك لأغلب التجارب الموسيقية والغنائية العربية والسورية، أين ظهرت ملامح الأغنية السورية في تجارب الغناء العربي فترة تسيد الطرب والغناء المصري؟
* أعتقد أن هناك عموماً ألواناً متعددة من الغناء العربي ليست مقتصرة على سورية فحسب، بل هي منتشرة في فضاء العالم العربي كله، ويختلف الغناء باختلاف الأداء أو الإلقاء الغنائي من بلد لآخر، ففي سورية يتميز الغناء بالأداء الإلقائي في اللهجة واللكنة الغنائية التي يؤديها المغني أو المغنية، لنأخذ على سبيل المثال (الموال) أو (المواليا)، فنجد أن الهدف من أدائه فنياً هو الإحماء بمفهوم الطرب، أو هو أشبه بالمقدمة الصوتية التي تتيح للمغني أو المغنية الدخول في عالم المقام، ويؤدى الموال بطريقة صوتية تختلف في سورية عن غيرها من البلدان العربية، وجرت العادة أن يبدأ الموال بكلمة (ياليل) هذه المفردة القديمة جداً والتي يرجع تاريخها إلى آلاف السنين، إن مفردة (ياليل) وثنية المنشأ كان يرددها قدامى الوثنيون في المعابد إذ يستغيثون بها الإله إيل ومع تعاقب الحضارات وتقدمها تحولت كلمة إيل إلى كلمة ليل وهكذا أصبحت (ياليل)، والموال الذي جاء من بغداد أخذه المصريون وطوروه إلى أشكال متعددة من رباعي إلى خماسي إلى أعرج وأصبح الموال يختلف باختلاف الجناس أو الطباق كأن يكون أربعة أبيات جناساً ومثلها طباق، ولكن رغم أن الموال انطلق من بغداد إلا أن له خصوصية أدائية في كل بلد عربي، في سورية أخذ نجيب السراج الموال وأداه متأثراً بالأسلوب الوهابي، لكن صباح فخري أداه بطريقة ارتجالية طربية عكست إحساساته في التطويل والتطريب، فكانت له خصوصية مختلفة في الأداء قد لا نجدها عند المطربين الآخرين. وهذا المثال لا ينطبق على شكل معين من أشكال الغناء وهو الموال بل على كل أشكال الغناء العربي (الطقطوقة ـ القصيدة ـ الموال). وحتى الموشح عندما تناوله المبدعون بالمعالجة الفنية لتخليصه من الرتابة التي لازمته من ولادته اتصفت بصفات جديدة ميزته عن الأصل كما في الموشح الحلبي وشقيقه المصري والآخر الحديث الذي نما وترعرع على يد محمد محسن وحليم الرومي والأخوين رحباني ومحمد الموجي ورغم كل هذه الإبداعات فإن هذا الموشح ظل هو نفسه الذي يتغنى به المغرب و المشرق العربيين وإن تطورت واختلفت أسباب معالجته، أما الدور كفن غنائي فهو عربي مصري نظماً ولحناً وأداءً ولكن هل ظل الدور حبيس الحدود الإقليمية المصرية؟ إن الشواهد التي بين يدينا على الرغم من غزارة عطاء الملحنين المصريين فيها تدل على أن كبار الرواد من الموسيقيين غير المصريين قد عالجوه معالجة لا تقل في القيمة الفنية عن معالجة المصريين له مثل التونسي خميس التزمان والفلسطيني يحيى السعودي والسوري بكري الكردي وغيرهم من الملحنين في سائر الأقطار العربية. فهل نقول بعد هذا كله عن فن الدور إنه مصري وإنه يجب ألا ينظمه ويلحنه ويؤديه سوى المصريين؟.
- لكن ألا يمكننا أن نستند على هذا التميز في الأداء عند المغنيين السوريين ونلمس من خلاله بدايات تكون ملامح الأغنية السورية؟ وقد ظهرت في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي أصوات غنائية حققت حضورها على المستوى العربي رغم تسيد الطرب المصري وقتذاك، أين تلمس ملامح الأغنية السورية في مرحلة الأربعينيات والخمسينيات؟
* لا يوجد في تلك المرحلة سوى المطرب رفيق شكري الذي تمكن من إعطاء البيئة الشامية (الدمشقية) خصوصية متميزة عبر أدائه أغلب الطقطوقات الشامية بلهجة محلية صرف فحين تسمع أغنياته وطقطوقاته كأنك تشتم رائحة البيوت الدمشقية القديمة وتسمع هدير مياه البحرة، وهناك أيضاً المطرب أحمد سالم الحلبي، وبدايات نجيب السراج الحموي والذي اشتغل على الفلكلور الحموي وأداه بطريقة متميزة أيضاً، لكن إذا تناولنا الفلكلور الشعبي الغنائي من الناحية التاريخية نجد أنه دخل مدينة حماة عن طريق البدو الذين انتقلوا من مرحلة البداوة إلى مرحلة الحضر فاهتموا بالزراعة وتربية الأغنام بعد أن كانت اهتماماتهم منصبة على الغزو كمصدر من مصادر العيش، وهذا الفلكلور يرجع تاريخه إلى آلاف السنين، والفلكلور عموماً أنتج أشكالاً مختلفة من الفنون لكن أكثرها حضوراً كان فن الغناء والموسيقا، فـ(الروزنا) و (السكابا) تغنى في كل بلدان بلاد الشام في الأردن وفي لبنان وفي فلسطين وفي سورية، والأغنية الوحيدة التي لم تتجاوز بلاد الشام هي (على دلعونا)، لكن الروزنا هي عراقية اجتازت العراق لتدخل كل بلاد الشام وأصبحت من أغنياتها المشهورة، وخلاصة القول: لاتوجد أغنية تمتلك ملامح الأغنية السورية القطرية إلا الأغنيات التي تغنى بطريقة اللهجة المحلية السورية: الشامية, الحلبية, الساحلية, الجزراوية..إلخ.
من هذا الذي سردته أصل إلى موضوع الأغنية السورية أو المصرية أو المغربية الخ التي هي في واقع الحال أغنية عربية لا تخرج بنظمها وتلحينها وأدائها عن أساليب النظم والتلحين والأداء المعروف في الوطن العربي وقد تكون للأغنية السورية الشعبية خصائص صبغتها بلون بيئي معين فأعطتها صفتها الإقليمية وهذه الخصائص نجد لها مثيلاً في الغناء الشعبي في كل قطر من أقطارنا العربية ولا تخرج من حيث الصياغة عن فن صياغة الأغنية الشعبية في المذهب والأغصان واللازمة الموسيقية الوحيدة وهي اليوم ألوان من الغناء الشعبي الذي لم يعد بحكم وسائل الاتصال الحديثة في الإعلام وقفاً على تلك الأقطار وإنما هو ملك للشعب العربي كله وإذا أضفنا إلى هذا عمليات العرض والتبادل التي تتم في المهرجانات الموسيقية الشعبية في الأقطار العربية للأغنية الشعبية التراثية والأخرى الدارجة أمكن القول: إن هذه الألوان في الغناء الشعبي للأقطار العربية لا يمكن نعتها إقليمياً بالسوري أو التونسي أو المصري وما إلى ذلك لأنه في واقع الحال تراث الشعب العربي وميراثه الأكثر ألقاً وحباً لدى الجمهور وخير مثال أسوقه من تلك المهرجانات الأغنيات التي قدمتها الأقطار على أنها من تراثها الشعبي فأغنية طالعة من بيت أبوها يقول عنها السوريون سورية والعراقيون عراقية والفلسطينيون فلسطينية كذلك الأمر بالنسبة لأغنية يا سمك بني.
- نحن نجد كمستمعين ومتتبعين للأغنيات في سورية أن هناك أغنيات سورية عكست المناخ والبيئة السورية كأغنية (يافجر لما تطل)، وأغنية (يامحلا الصحبة ياعيني)، أو تجربة ماري جبران وغيرها من التجارب، ألا يمكننا أن نوصف هذه التجارب الغنائية على أنها تجارب سورية؟
* أنا أخالفك الرأي هنا، أغنية (يافجر لما تطل) للمطربة نهاوند هي أغنية عربية بلون سوري لأنها انتشرت في الوطن العربي وتلقاها الجمهور العربي بكل أطيافه، وقد تكون من جانب آخر اعتمدت على اللهجة السورية في تركيبتها لكنها تظل أغنية عربية. أما تجربة ماري جبران فهي تجربة عربية بصوت سوري لأن ماري جبران غنت أدوار داوود حسني وزكريا أحمد ومحمد عثمان بالتركيبة ذاتها التي كتبها هؤلاء الموسيقيون فماري جبران غنت أدواراً وأغنيات لاتشبه بيئتها المحلية بقدر ماغنت الأدوار العربية؟
- وهذا التحليل ينطبق أيضاً على مرحلة الستينيات والسبعينيات التي بدأت تشهد تجارب ذات خصوصية سورية كتجربة نجيب السراج وسمير حلمي ومعن الدندنشي؟
* نعم، لأن أنواع الغناء انتشرت في العالم العربي بتركيبتها وقالبها الموسيقي الواحد لكنها تميزت فقط من حيث الأداء، الموشح الذي هو أقدم أشكال الغناء من أين أتى؟ فالموشح الحلبي اشتغل عليه الموسيقيون الحلبيون وعملوا له صنعة أو فناً، لكنهم لم يتجاوزوا القالب الأساسي الذي أتى من الأندلس ومن غرناطة، والاختلافات بين الموشح الأندلسي (الغرناطي) والموشح الحلبي ليست كبيرة وتكاد تكون معدومة في التركيبة والقالب، وعموماً اشتغل الموسيقيون الحلبيون على الموشح وابتدعوا القد، والقد الحلبي حمصي المنشأ لأن أمير الجندي هو الذي ابتدعه أولاً، والقد الحلبي يمكنك أن تعتبره الموشح الحلبي، فمثلما هناك موشح أندلسي أصبح هناك مألوف تونسي، والغرناطي المغربي، فهذه الأنواع خرجت جميعها من الموشح الأندلسي الغرناطي، لكن الموشحات في المغرب عموماً مازالت محافظة على تركيبتها الأساسية التي أتت من غرناطة وتؤديه غالباً أصوات المجموعة (الكورال)، لكن عبد الوهاب انحاز عن هذه القاعدة فاشتغل على الموشح الذي يظهر فيه دوراً للمغنين الإفراديين، إلى أن أتى حليم الرومي ومحمد محسن وأعطوا الدور الكبير للمغني أو المغنية وتضاءل دور المجموعة الصوتية (الكورال) في أداء الموشح، ومن هذه الفنون ولد الموشح الحلبي، وهناك أيضاً من اشتغل على الموشح وتفنن في تركيبته مثل بليغ حمدي لكن تلك الموشحات أتت بقالب الطقطوقة فقط موشح كتبه لأم كلثوم (حانت الأقدار).
- في ضوء هذه الابتكارات على مستوى الموشح التي ذكرتها ألا يمكننا أن ننسب هذه التجارب إلى الغناء في سورية؟
* لايمكنني أن أصف تلك التجارب بأنها ملامح للأغنية السورية، ولكن هناك ملمح للغناء العربي، والدليل على أن أغلب الأغنيات متعددة الإبداعات فأغنية (لست أدري) هي قصيدة إيليا أبو ماضي الشاعر اللبناني، ومن ألحان وغناء محمد عبد الوهاب، وأغنية (إذا الشعب يوماً أراد الحياة) هي للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، ومن ألحان حليم الرومي، وغناء سعاد محمد، فلا يمكنني أن أقول عن هذه الأغنيات أنها محلية لبلد معين، وكذلك أغنية (جبهة المجد) للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري وألحان صفوان بهلوان وغناء ميادة الحناوي، هذه التجارب كلها تؤكد على أن الأغنيات عربية، ولأذهب معك أكثر من ذلك فهناك من يعتقد أن تجربة الأخوين رحباني وفيروز هي تجربة لبنانية وهذا اعتقاد خاطئ، فالتجربة الرحبانية هي تجربة شاملة لكل ديار الشام أو بلاد الشام، والتجربة الرحبانية انتهت منذ وفاة عاصي، وحتى الورثة لم يتجاوزوا الأطر التي وضعها منصور وعاصي, الأطر الشمولية للتجربة الرحبانية، وحتى (ميادة بسيليس) المغنية السورية استمرت في الإطار ذاته لتكون صوتاً جديد يحمل بين طياته الفكر الموسيقي الرحباني رغم أنها سورية المنشأ فالرحابنة نقلوا الفلكلور والتراث الغنائي المنتشر في الجبال السورية إلى كل مناطق سورية الطبيعية، وبعد ذلك انتشرت في كل العالم العربي، ولأذهب معك إلى أبسط من ذلك، وكما ذكرت لك سابقاً إن أغنية (طالعة من بيت أبوها) العراقيون ينسبونها إليهم وكذلك اللبنانيون والسوريون، وأغنية (ياسمك بني) المصريون ينسبونها لهم بينما السوريون يعتقدون أنهم من ألفها وغناها، لكن هناك أغنيات محلية صرفة مثل (يامال الشام) هذه الأغنية محلية تعكس أجواء دمشق والبيئة الشامية.
والأغنية العربية ولأقل معك السورية مرت بعدة مراحل وإرهاصات حتى أخذت تكون ملامحها العربية، والأغنية السورية مثلها العربية لم تأت بملامحها التي سادت فترة الخمسينيات والستينيات مباشرة، ولو أنك عشت المراحل الأولى التي مرت بها الأغنية لاكتشفت ذلك بنفسك، إذ كانت تتطور الأغنية بتطور الحضارات وكل مرحلة تمر على الأمة العربية نجد هناك تغيير وتطور في مسار الأغنية ففي فترة الاحتلال الفرنسي كنا نسمع الأغنيات والموسيقا الفرنسية أكثر من موسيقانا العربية، إذاً هذه الإرهاصات والتجارب والمراحل المتعددة التي مرت على الأغنية العربية هي التي شكلت في النهاية ملمحها الخاص بها وتميزت عن بقية الأشكال الغنائية الأخرى. وكما قلت سابقاً إن تجربة رفيق شكري لاتشبه التجارب الغنائية العربية هي تجربة محض دمشقية، ورغم أن رفيق شكري لحن وغنى على التانغو لكن التانغو جاء بروح وخصوصية فريدة فكأنك تجلس في مقهى النوفرة.
- هناك الآن على الساحة الإبداعية الموسيقية تجارب شبابية جديدة أحدثت حراكاً في الموسيقا السورية المعاصرة وهي كثيرة ومتنوعة، هناك تجارب اشتغلت على التراث الغنائي العربي عموماً والسوري بلغة موسيقية جديدة فأدخلت موسيقا الجاز في الأغنيات الفلكلورية لتتماشى مع لغة الشباب العصرية ألا تعتقد أن هذه التجارب سوف تجد شخصية للأغنية السورية المعاصرة؟
* أنا لا أعتقد أن هناك موسيقا شبابية وأخرى غير شبابية، أعتقد بأن هناك موسيقا القرن العشرين، والموسيقا المعاصرة، سأعود معك إلى عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي لأقارن بين تلك العقود والعصر الحالي فأجد أن تلك العقود تميزت بغنى في التلحين والتأليف الموسيقي كماً ونوعاً وأغنت المكتبة الموسيقية العربية بكل أشكال الغناء والموسيقا من (اللونغات و البشارف والتحاميل والسماعيات) إلى الطقطوقات والقصيدة, وفي سورية كتب وألف عدد من الموسيقيين الكثير من هذه الأعمال الموسيقية، وهنا لابد من أن نذكر أن تلك الأعمال لاتختلف عن الأعمال الموسيقية الكلاسيكية من حيث التركيبة اللحنية فالبشرف والسماعي أحد أشكال الكونشيرتو مع فارق الثقافة الغربية والشرقية وكما السيمفوني يتألف من أربع حركات كذلك السماعي يتألف من أربع حركات، ونحن لم نول الاهتمام الكبير لهذه المؤلفات والقوالب الغنائية والموسيقية فأصبحت تضمحل شيئاً فشيئاً وغابت عن الساحة الإبداعية، وأعتقد أن السبب يعود إلى عبد الوهاب الذي ترك القوالب الثابتة والناظمة في التأليف والتلحين ليعبر بألحانه عن إحساساته بأكثر حرية وأطلق عليها اسم التعبير الفنتازي في الموسيقا، وفي سورية أيضاً بدأ يطغى التلحين والغناء على حساب المقطوعات والقوالب الموسيقية، وبالتالي لعب الغناء دوراً كبيراً في الاشتغال على التأليف الموسيقي والارتكاز فقط على التلحين والغناء.
وفي موسيقا القرن العشرين وجدت عدة تجارب تنضوي جميعها تحت اسم لغة موسيقا القرن العشرين رغم الاختلاف في الأساليب إلا أنها لغة واحدة. أما الآن فالموسيقيون يتحدثون بلغة مختلفة يسمونها (الموسيقا الشبابية) أحياناً أو (الموسيقا المعاصرة)، إن لغة القرن العشرين الموسيقية هي لغة سيد درويش التي ألف على طريقتها زكريا أحمد لكنه لم يتابع وبقي معلباً في العشرينيات والثلاثينيات، على خلاف القصبجي الذي اشتغل على اللغة الموسيقية وطورها لأنه أخذ بكل أسباب الموسيقا الشاملة بمفهومها العلمي وكرسه لخدمة الموسيقا العربية، وأخذ العلم الغربي ووضعه في الموسيقا العربية، وتوسع في إبحاره في الموسيقا الشاملة ليصل إلى الهند، وأغنية (ياطيور) التي غنتها أسمهان مشغولة على الأسلوب الغربي لكن حين نسمع الآهات نجد روح الموسيقا الشرقية والطرب العربي الأصيل واضحة، والقصبجي اعتبر صوت المغني كأنه آلة موسيقية يؤدي مايلحن له مثله مثل العود والكمنجة لكن بخصوصية معينة، وإذا سألنا أنفسنا: لماذا توقف القصبجي عن التأليف؟ توقف لأنه لا يريد أن يرجع إلى الخلف إلى الثلاثينيات والعشرينيات. ومن هنا أقول: لايوجد موسيقا شبابية هناك موسيقا متأثرة بموسيقا الجاز تقوم على الارتجال، وقد أخذ الموسيقيون المعاصرون إيقاعات موسيقا الجاز... والجاز نوعان هناك الجاز الأنيق الذي أعطانا (التانغو والسلو والرومبا) وغيرها، أما النوع الآخر فقد جاء بإيقاعات مبنية على الصراخ والضجيج، وهذا النوع انفعالي يعتمد على الضوضاء.
عن صحيفة تشرين السورية – 27/2/2011