مـن وحـي كـلام عـريـس الـمـيـدان
هل سمعتَ ما قاله الشابّ المصريّ الذي أصرّ هو وحبيبته على عقد قرانهما في ميدان التحرير؟ قال -في ما قال- إنّهم لن يسامحوا آباءهم ولا أجدادهم الذين آثروا الصمت. واختتم كلامه قائلاً إنّهم (هما وسائر الشبّان ذوي الروح الوثّابة) لا يريدون أن يقول أحفادهم عنهم في قادم الأيّام إنّهم لم يقوموا بفعل شيء.
هذا هو شباب مصر. هذا هو الشباب الذي لا يرضى أن يكون صفرًا. لا يرضى أن يكون هامشًا هامسًا غير مُسْمِع وغير مسموع وغير منظور. هذا هو الشباب الذي تجتمع فيه حكمة الشيوخ وهمّة الفتيان وحماستهم.
أيّها العريس، إنّنا لن ننسى ولن نغفر لهذا النظام الذي حجزَ وحجبَ وشوّهَ وشوّشَ. حجَزَكم وحَجَرَ عليكم. حجب عنّا ما هو جميل فيكم (وما أكثره!). شَوّهَ صورة المصريّ الحقيقيّة البهيّة السَّنيّة. شَوّشَ حياة أناس طيّبين وطنيّين وأساء إليهم. أفقرَهُمْ، ونهب وطنهم، وحوّلهم إلى متسوّلين أو أشباه متسوّلين يستجْدون السيّاحَ ويتعاطون الرِّشى. لا سُومِحَ مَن أفقرَهم وأقفرَ بلادَهم -بلادَ الخير والخِصب والعطاء!
لن نغفر لهذا النظام (وللإعلام العربيّ السيّئ) أنّه حجب عنّا وعنكم الكثيرَ من الفنّ الجميل القيّم المثقِّف النيِّر المنوِّر المثوِّر، فظنّ كثيرون منّا أنّ الفنّ في مصر هبوط وسقوط وضحالة وتهريج. ما كان يُعرَض من المسرحيّات المصريّة والبرامج التلفزيونيّة، في ما قبل الثورة الحاليّة، قد يكون من أفضل الشواهد على كلّ هذا الهبوط المعروض ومشتقّاته. يا لَتَعْس هذه "الثوريّة" في مسرحٍ تَكُون مسرحيّاتُ عادل إمام أشدَّ ما فيه "ثوريّةً"! ما أنكرتُ ولست أنكرُ مقدرةَ هذا الممثّل الشهير الهائلةَ في إضحاك المُشاهد حتّى الإدماع وإحساسه أحيانًا بانخلاع الرئتين، ولا أنكر أنّي -ككثيرين غيري- شاهدتُ العديد من أعماله، بَيْدَ أنّي -والحقّ يقال- لا أجد في هذه الأعمال "ثوريّة" أبعد من حدود بعض "النقد" التنفيسيّ، ولا أحظى منها بوجبة أو جرعة من الثقافة أو الامتلاء أو التحريض.
هذا رأي، لا هجوم ولا تهجُّم. هذا رأيي، أسوقه هنا دون استبعاد احتمال أن يثير في نفوس مُحِبّي عادل إمام نفورًا تجاهي ومقادير من التجهُّم. باسْم الديمقراطيّة وحرّية الرأي والتفكير والتعبير، أتمنّى كامل التفهّم. من حقّي بالطبع أن يكون لي رأي وموقف (وإن لم يَرُقْ لغيري)، وأن أعبّر عنه. هذا رأيي الذي لم أكوّنه مؤخَّرًا، بل إنّي أحمله منذ سنين. أمّا موقف عادل إمام المُوالي لنظام مبارك، والذي عبّر عنه في مستهَلّ الثورة المصريّة، فلم يزدني إلاّ اقتناعًا بأنّ رأيي هذا لا تجنِّيَ فيه ولا ظلم ولا تسرُّع.
الأجداد قالوا: "العمر بْيـِسْوى وقفِةْ عِزّ"، أمّا إمام ومجموعة الفنّانين الذين والَوْا نظام مبارك غير المبارك وعادَوْا ثورة الأحرار، فقد آثروا الرزّ والعزّ لا وقفة العِزّ! بانحيازهم إلى الظلم، ظلموا أنفسهم من حيث لم يدروا ولم يقصدوا. من الجميل والصعب أن تُضحِك الناس؛ أمّا الأجمل والأصعب فهو أن تحظى باحترامهم، ولا سيّما في أوقات الأزمات؛ فالأزمات مِحكّ للرجولة، ومجال إثبات للبطولة.
شباط 2011