ماذا بعد إسقاط نظام بن علي ..؟
لا أحد ينكر ان الشعب التونسي تمكن من اسقاط نظام الرئيس زين العابدين بن علي خلال أيام قليلة من انتفاضة قام بها ضد الفساد والبطالة وغلاء المعيشة دون ان يكون لأي تنظيم او نقابة او جمعية او تيار الفضل في ذلك. كما أن أحداً لا ينكر ان سقوط نظام زين العابدين بن علي في الشارع هو الأول من نوعه في العالم العربي فيما كانت الأنظمة تسقط في السابق عبر انقلابات عسكرية.

ولكن السؤال الآن هو: ماذا بعد سقوط النظام؟.
للإجابة على هذا السؤال حريٌّ بنا التنويه هنا أن لا أحد كان يتوقع سقوط نظام بن علي بهذه السرعة إذ كانت الانتفاضة الشعبية تكبر يومياً مثل كرة الثلج الى حدِّ أنها عمَّت كل المدن والمناطق دون خشية من القوى الأمنية التي مارست شتى أنواع العنف والترهيب حيث ذهب ضحية ممارساتها عشرات القتلى والجرحى من المواطنين العزَّل. لا بل ان القوى الدولية والإقليمية كانت تظن ان الانتفاضة ستدوم بضعة أيام يُصار بعدها الى إيجاد تسوية على قاعدة تقديم وعود بإيجاد فرص عمل، او عبر إقالة الحكومة واعتبارها المسؤولة عما يجري في البلاد، او إقالة بعض القيادات الأمنية وجعلها كبش محرقة، وخير دليل على ذلك الموقف الرسمي الفرنسي في بداية الانتفاضة الذي كان مؤيداً بالكامل لنظام بن علي. كما أنه حريٌّ بالتنويه أن أي حزب سياسي او تنظيم نقابي ممن كان يعارض النظام لم يكن يملك تصوراً عن البديل فيما لو اطيح بالنظام القائم، لا بل جلّ ما قامت به المعارضة انها كانت تصدر بيانات الدعم والتأييد من منطلق تعاطيها مع حدث فرض نفسه على الساحة السياسية التونسية وليس من موقع المحرك لهذا الحدث والمتحكم بمساراته. ولهذا ما إن كبرت الانتفاضة وأجبرت بن علي على مغادرة البلاد حتى دبّت الفوضى وكثرت عمليات النهب والسلب والتخريب للمؤسسات العامة والخاصة، كما شاعت عمليات الانتقام الشعبية ممن بقي من رموز السلطة في تونس ولم يتوفر له الوقت الكافي للهرب كما فعلت عائلة الرئيس بن علي وأصهرته وأقرباؤه الذين كانوا من أكبر المستفيدين من خيرات الدولة وثرواتها. ولقد لعب الجيش دوراً هاماً في هذه الظروف التاريخية الى حدّ انه دخل في مواجهة مع قوى أمنية موالية للسلطة، ولكن ليس بإمكان الجيش ان يضع جندياً أمام باب كل مبنى، كما ليس بإمكان الجيش ان يعيد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الى طبيعتها لأن ذلك من مهمة المؤسسات الدستورية المتبقية ومن مسؤولية القوى الحزبية والنقابية التي كانت أساساً تحتل مساحة على الساحة التونسية. وإذا كان هناك من مساعي الآن تبذل من أجل تشكيل حكومة ائتلافية جديدة برئاسة محمد الغنوشي بعد ان تسلّم رئيس البرلمان سدّة الرئاسة إلا ان هناك بالمقابل خلافاً حول من يتمثل في هذه الحكومة. هل تأتي من المعارضة فقط، او من المعارضة بالتعاون مع تنظيمات كانت موالية للسلطة، او من هؤلاء جميعاً إضافة الى ممثلين عن تنظيمات معارضة لم يكن معترفاً بها؟. من هنا يبرز التنافس الآن بين وجوه بارزة من أحزاب المعارضة القانونية، خصوصاً تلك التي كانت محرومة من التمثيل النيابي والدعم الحكومي، إلى جانب شخصيات سياسية معروفة بوطنيّتها ونزاهتها، تمثل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، والمجتمع المدني، والمستقلين، يضاف اليهم في نفس الوقت الأحزاب غير المعترف بها، والتي كانت تمثل ما يعرف بالمعارضة الراديكالية، مثل حركة النهضة الأصولية المتطرفة، وحزب العمال الشيوعي، والمؤتمر من أجل الجمهورية والحزب الوطني الديمقراطي وحزب تونس الخضراء. وفي حال تمّ التوافق على تشكيل الحكومة فماذا سيتضمن برنامجها الإصلاحي، ومتى ستقرُّ موعداً لإنتخابات جديدة في البلاد، وهل ستحاكم أركان النظام السابق، وهل ستطالب باستعادة الأموال المسلوبة التي تمّ تهريبها الى خارج البلاد، وهل تصرّ على محاكمة بن علي، ومن هي الشخصية القادرة على تخليص تونس من أزماتها ومعاناة شعبها، وما هي الإمكانيات المتوافرة؟.
قد يكون من المبكر الرد على كل هذه الأسئلة لأن المعروف في تاريخ كل دول العالم ان إسقاط نظام قد يكون أسهل بكثير من إعادة تركيب نظام جديد، ولهذا من المنتظر ان تدوم الفوضى على كل المستويات لفترة زمنية ومن ثم تبدأ الأمور تتّخذ منحى التهدئة شرط ان لا تستغل قوى خارجية الوضع الحالي لإحداث المزيد من التأزم ..
* رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي