الشعر الفلسطيني المقاوم.. إلى أين؟!
%5B1%5D(15).jpg)
لا جدال في أن الشعر هو اللون الأدبي الأرقى الذي برز في الحركة الأدبية الفلسطينية في مناطق الـ48، وذلك لقدرته السريعة على التقاط الحدث وتفاعله المباشر مع الجمهور العريض. فقد ساد الشعر السياسي الملتزم بالقضايا الوطنية والهموم الكبيرة والصغيرة، واخترق القلوب والحدود والسدود والنوافذ واستقر في الوجدان الشعبي داخل وخارج الوطن. واستطاع هذا الشعر التعبير عن الوجد والحنين واللوعة والغربة، وإصرار الفلسطيني المهجّر والمشرد العودة إلى وطنه، وقام بدوره التحريضي والتعبوي في حركة التغيير وخلق روح الصمود والمقاومة وشحن الجماهير وإلهابها بالحماس في المعركة ضد مخططات السلطة السوداء، وسياستها القهرية والاضطهادية .
تميّز هذا الشعر بالثورية والكفاحية وبالرفض والتمرد على الشتات والمخيمات والاذعان، ومعالجة مشاكل وهموم الانسان الفلسطيني والاحساس العميق بالأرض الفلسطينية والتأكيد على ضرورة الدفاع عنها بكل الأساليب المتاحة والمشروعة والممكنة.
من شعرائنا الذين حملوا لواء النضال ومشعل الشعر السياسي الكفاحي والمقاوم إلى خارج الحدود "محمود درويش، سميح القاسم، راشد حسين، توفيق زياد، سالم جبران، عصام العباسي، حنا ابو حنا، شكيب جهشان، حنا ابراهيم، نايف سليم، محمود دسوقي، جمال قعوار، فوزي عبد الله ،أحمد حسين" وغيرهم.
وفي الحقيقة أنه في العقدين الأخيرين نلحظ بوضوح وجلاء تدهور وانهيار حالة الشعر السياسي والكفاحي والمقاوم في الداخل الفلسطيني، وذلك نتيجة التراجع السياسي والأخلاقي والاجتماعي والردة الثورية، وسلسلة الهزائم والزلازل التي حلّت بالمنطقة في أعقاب أوسلو، وانهيار "الأنا الجمعية" عربياً وفلسطينياً واهتزازات القناعات الفكرية والإيديولوجية لدى الكثير من شعراء التراب والرفض والالتزام السياسي الفلسطيني بعيد انهيار المعسكر الاشتراكي، والإغراق في مستنقع الذات، وتخلي البعض عن مبادئهم وثوريتهم وموقفهم، ولجوء البعض إلى الارتزاق السياسي وممارسة العهر الأدبي والاغتراف من صحون وموائد "السلطان" الذي كانوا يعادونه. وما نقرأه من قصائد منشورة على صفحات الصحف والمجموعات الشعرية والمواقع الالكترونية، مليئة بالأحزان والبكاء والنحيب على الوضع والحالة الراهنة وعامرة بالرومانسية وتفتقر للأصالة والعمق وروح المقاومة والخصب والتجديد.
إذا كان الشعر يأخذ من وقتنا الكثير، ولعب دوراً كبيراً في حياة الشعب، فهنالك تراجع في دوره التعبوي الهائل، وربما لن يكون له دور في المستقبل المنظور. في الماضي كان همّ الشاعر هو الشعب وقضاياه وهمومه، أمّا اليوم فإن همّ الشاعر يبدو همّاً لنفسه وما يطمح له بالأساس هو الظفر بجائزة التفرّغ من دائرة ووزارة الثقافة الإسرائيلية!!
بقي القول أننا بحاجة لشعراء مسلّحون بوعي علمي وثقافة شاملة ورؤية تقدمية وثورية ونظرة تفاؤلية تستشرف المستقبل المضيء، شعراء يمارسون دورهم الحضاري الحقيقي الفاعل في التعبئة السياسية والجماهيرية وتعرية التشويه الذي يتعرّض له شعبنا ثقافياً وتاريخياً، ويسهمون في المعركة ضد القهر والقمع والظلم والاضطهاد الممارس ضد الجماهير الفلسطينية. كذلك نحتاج لقصائد صادقة ذات نفس كنعاني ثوري ونسق تعبوي وكفاحي لكي تلهب الشعور الوطني وتضيء طريق الجماهير الشعبية في كفاحها الباسل من اجل الحرية والسعادة، وتؤكّد امتزاج الشاعر بالشعب العامل واندماجه بقضاياه اليومية، الوطنية والطبقية، وتتوافر فيها كل عناصر الفن الأصيل والجميل بدون تكلّف وتصنّع.ِ