صلاح جاهين.. شاعر البؤساء
%5B1%5D(14).jpg)
ألكتابة عن صلاح جاهين هي كتابة عن موهبة أصيلة وصادقة استمدت من روحه المرهفة منبعاً لإلهامها، وعن واحد من القمم الأدبية المصرية التي تركت بصماتها في الشعر الشعبي العامي.
وصلاح من أبرز شعراء العامية والالتزام بهموم البؤساء والفقراء والكادحين، الذين كان لهم أثر واضح في تحريك العواطف وإلهاب المشاعر والأحاسيس الوطنية الصادقة.
تميّزت حياته بالعذاب والألم والمرارة، ولازمه الاكتئاب النفسي طويلاً فطحن جسده وروحه إلى أن قضى عليه، وهو في قمّة عطائه في محراب الأدب والفن.
وجد صلاح جاهين ضالّته في كتابة الشعر ورسم الكاريكاتير الساخر في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، حيث بدأ رحلته مع الكلمة والريشة في مرحلة عاصفة في مصر، تصارعت فيها الاتجاهات والتيارات الفكرية المختلفة التي كان لها تأثير كبير على وعيه الذي قاده إلى تجربته الشعرية الأولى، وهو ديوان "كلمة سلام" الذي استهله بقصيدة "دموع وراء البرقع" التي تحكي وتصوّر معاناة العامل الكادح الذي يكابد آلام الفصل من العمل ويواجه محنة البؤس والفقر:
أنا لوحدي ما فيش حاجه
مجرد اسم متشخبط على ورقه
في إيد واحد مدير أصله قومسيونجي
يقدمها لتركي ولا لخواجه
لا يعرف عربي ولا شفقه
يروح ماضي بقلم باركر بلافرجي
أروح مرفود
اما في قصيدته "الزباين" فيقدّم ويرسم صورة للبؤس الإنساني الذي يضمّ ضحايا العمل الأسود المأجور.. فيقول:
اللي زيك، وبتشتغل بالأجره
واللي زيي، وله ماهية مسوجره
طول حياتنا نعرق على رغيف عيشنا
والنهارده، ما يفضلش حاجه لبكره
وبلغة مبسّطة ، مباشرة وعفوية كتب صلاح جاهين مجموعاته الشعرية، التي عكست آلام وهموم البؤساء ومأساة الإنسان الضائع المعذب الباحث عن أحلامه الزنبقية.
ويشكِّل الحزن إحدى خصائصه الفنية، وهو حزن ناجم عن امتزاجه بمختلف صور الوجود وأشكاله المأساوية. وفي الحقيقة أن الحزن والاكتئاب والموت تسلّل إلى عالمه ليغتال حبه وعشقه للحياة ، ويقتل أحلامه الجائعة. فانعكست هذه الصور الحزينة الكئيبة في قصائده إلى درجة أنه يعجز عن التعبير عن جروحه وعذاباته:
وانا اللي مليان بالجروح
ما اقدرش اقول
ما اقدرش ابوح
وتتحدّد المنطلقات الفكرية لصلاح جاهين وتظهر بوضوح في معظم قصائده، فنجده يطرح القضايا السياسية والفكرية والاجتماعية للفقراء والمستضعفين، قضايا الخبز والعمل والحرية مؤكِّداً التزامه وانحيازه التام إلى جانبهم من خلال دعوته للنضال ضد قوى البغي والظلم والاستبداد والطغيان، ومن أجل الحياة والتغيير المنشود في مستقبل اكثر إشراقاً ونضارة:
شفتهم صبحهم كبار
مشيوا ويا الناس في عيد
وانا وياهم باغني الأناشيد
واحنا شايلين الرايات
واحنا ماشيين في المظاهرة
بنت مالت ناحيتي وادتني وردة
ورده حمره
قمت م القهوة سعيد
وباقول.. بكره اجمل من النهارده
ولا ينسى صلاح جاهين مأساة الشعب العربي الفلسطيني وقضيته العادلة، فيتحدث عن آلام وبؤس اللاجئين الفلسطينيين الذين شُرِّدوا من أرضهم ووطنهم، ويعرّي الضمير الإنساني الذي يقدّم لهم فتات الخبز والطحين وفي الوقت نفسه ساهم في مؤامرة الترحيل والاقتلاع:
الحرب سحقت أملهم
لما صبح في خيالهم
زي الرمال بيخوضوها
زي الطحين اللي جالهم
من الأيادي السمينة
اللي رمتهم رهينه.
وأخيراً، هذا هو صلاح جاهين الشاعر المصري ـ الصعلوك الذي شارك المقهورين والجياع فوق كل أرض همومهم وقلقهم وبؤسهم وحلمهم بالعيش الرغيد، والتحرر من كل أشكال القهر والاضطهاد، وسيظل إرثه الشعري زاداً ومعيناً لكل الذين يناضلون لإزاحة الليل عن صدور الشعوب الرازحة تحت نير الاحتلال.