صرخةٌ في هيكل الشِّعر – مقدمة ديوان

هنري زغيب قرأها 1,731
 

صرخة في هيكل الشِّعر

بحث في عناصرالشِّعر وجمالياته وإشكالاته* قدَّم به الشاعر هنري زغيب ديوانه

" إيقاعات "

صدرت طبعته الأولى في بيروت 1986

-1-

بِتَهَيُّبٍ أدنو من مقدس الشِّعر، معتذِراً عن تَجَرُّؤِي الوقوفَ في الْهيكل صارخاً. لكنّ الفرّيسيِّين تكاثروا، فالْحرَم في انتهاك، والْمحرابُ في ريبةٍ من جُموع الْمُصلّين.

هذه الريبة وذاك الانتهاك، ليسا مِمَّن آمنوا، بل من ضِعاف الإيْمان. وإنّما بسبب هؤلاء يتخبَّط الشِّعر في كل هذا الْهَذَر الإشكالِيّ الذي يَطْلَعُ علينا بِاسم الشِّعر.

والإشكال ليس في الْمضمون (الْموضوعات ليست إلى استنباطٍ، شعوراً إنسانياً: عاطفياً أو وطنيّاً...)، بل في تَبَنّي الشاعر لقصيدته صيغةَ تعبير. فالشِّعر جسَدٌ وثَوب. وإذا الْجسَدُ عطيّةُ الله، فالثوبُ من عمل الإنسان.

ورأْسُ الإشكالات في صيغ التعبير، أن كثيرين من الشُّعراء (وأكثر الطالعين حديثاً على الشِّعر) خرجوا على الأصول. والفنّ العالي يعيشُ بالْخضوع للأصول، ويَموت بالانفلات منها. الْخضوعُ للقِيَم والْمُثُل يُعْلي، لأنه نَهْجٌ يوميّ. ففي الْخلقية، كما في الفنّ (كما في العلم والطب والتكنولوجيا)، كلَّ يومٍ نطبّق الأصول ونَخضَعُ لَها كي نأْمَن الْبَقاء. وهكذا في الشِّعر، كلّما تشدّدنا بِها، كان الشِّعر أمتَن وأبقى.

الإشكالات لم تكن مرّةً في الْخضوع للقِيَم، بل في الْخروج عليها. وضياعُ هويّتنا الشِّعرية شكلاً، أدّى إلى خَلخَلتِها مضموناً: حيْن تَقَنَّعْنا بوجهِ سوانا، لسانُنا تعثَّر، وبِتنا نفتِّش عن وجهنا وصوتنا ولون عينينا.

وهذا هو الضياعُ الذي لولاه، لكُنّا اليوم نبحثُ في التجويد عوضَ البحث في التجميد. أفلم يكن أنفعَ لو كنّا نبحث في جَماليّات شعرِنا الْمعاصر عوضَ البحث في إشكالات هذا الشِّعر؟

إن الاشتغالَ على البشاعات، يُبَشِّع صاحبه من حيث لا يدري. والاشتغالُ على الْجماليا يَزيد من لُمَع الْجمال في عينَي صاحبه، ويَجعله بذلك يدري.

اليوم، في هذه الْمرحلة من تاريْخنا الشِّعريّ، نَجِدُنا في حاجة مُلحّة إلى إعادة النظر في كلّ شيء، وفي كلّ أحد. باتت تلزمُنا "نِيُوقراءة" في إطارٍ جديد، يكون هو الطريق نَحو استعادةِ هويّتنا الإبداعية وأصالتِنا الشِّعرية (قياساً على تَجربة كبارِنا في الشِّعر) تُنقِذُنا من هذياناتٍ تطالعنا، تُسيءُ إلينا وإلى الشِّعر.

-2-

دخولُنا هيكلَ الشِّعر، هو نَيْلُنا النعمةَ باقتبالِ واحدةٍ من أغلى عطايا السماء. نعمةٌ لا يؤتاها إلاّ الأصفياء. حالةٌ نادرة جدّاً من حالات الوعي في اللاوعي. معَها، يكون ذاكَ الكلامُ الْمُغاير، الْمَسكوبُ من رؤيا، الْمسبوك في رؤْيَة شكليّةٍ ومضمونيّةٍ تَنقُلُك وتوصلك إلى "الْحالة الثانية". تَمَسُّك بتلك القشعريرة الْجميلة التي تلذّك من دون لِماذا، وتدَغدغك من دون كيف. القصيدةُ برقٌ وميضٌ يترك فيك رعداً كثيراً. الشِّعر اختزالٌ في التقاطِ هنيهةِ البرق. والشاعر، مَن يعرف كيف يُشعل لَحظةَ فيك البرق ويَترك لك لَحظاتِ رعدٍ تتردّد في اندهاشِك.

الشِّعر: ما وكيف؟ متى وأين؟

كما الْحريةُ لا تُلمَس، والعطرُ لا يُلتَقَط، هكذا الشِّعر لا يُفسَّر، بل يَمارَس ويعاش. تَلَقِّيهِ في الإحساس به، هُو هُو تفسيْرُهُ بكلّ وضوحه. إنه انفعالٌ. وهنا مزاجيّته. ولكلّ انفعالٍ إيقاع. غرابةٌ ونضارةٌ تَضُمّان كلَّ الْمعرفة وكلَّ الكون في مزيجٍ عجيب لا يُمكن تفسيره.

الشِّعر عملٌ فنّيٌّ صعبٌ لا يأتي اتّفاقاً ولا تلبيةً فطريةً لِرغبةٍ في التعبيْر. وهو، ككلّ فنٍّ عظيَم، إبداعٌ فاخر. لذلك لَم يبقَ على الأجيال إلاّ وحده الإبداعُ الْمُنْصَهِرُ بنار الصعوبة.

إن معياره منهُ وفيه: فالشِّعر ابنُ الأُصول، لا حاجةَ إلى شرحه لبلوغ جَماليّاته (لوحات ميكلانج ابن الأصول، لا حاجةَ لِمن يشرحها كي نفهمها). يكفي أن نقرأه فيبلُغنا ونُحبّه. بينما الشِّعر الْخارج على الأصول يَحتاج حَملةَ تنظيرٍ له وحوله وعنه وفيه، ومصفّقين يُرَوِّجون له لكنه سرعان ما يَختفي باختفائهم. الشِّعرُ الفاخرُ ابنُ الأصول (وهو حصيلة تَجربة الأجيال) لا يَحتاج أحداً ينظِّرُ له أو يَشرحه أو يَمَذْهِبُه أو يُمَدْرِسُه، لأنّ القِيَمَ التي خضع لَها الشاعر برهَنَت على فاعليَّتها ونِهائيّتها طوال عصور.

معيار آخر: الشِّعرُ ابن الأصول، كلّما قرأْته غُصت عليه، والتذَذْت به كلَّ مرّة كما لأوَّل مرّة. بينما الشِّعرُ الذي يُشيح عن قِيَمٍ عُمرُها أجيال، نقرأه ونستهلكه من أوّل مرّة، بل لا نعود إليه. وأكثر: لا نتذكّر منه شيئاً إلاّ إذا تذكّرنا ما قاله عنه مُرَوِّجوه.

الفرق بين الشِّعر واللاشعر: هذا يَحتاج كلام التنظيْر حوله ليكون، وذاك هو في ذاتِه الكلامُ عليه.

-3-

فلسفياً: الشِّعر تعبير عن أنطولوجيا الإنسان. الأنطولوجيا تُحدِّد الإنسان عاقلاً، والشِّعر يترجم الإنسانَ في فعله ومُمارساته. فالإنسان، من أوَّل عهده بالكلمة، قال الشِّعر تعبيراً عن انفعالاته، بالغناء مرّاتٍ، ومرّاتٍ بالأحاسيس الصامتة.

والشِّعر، شكلاً ومضموناً، لاحق تطوّر الإنسان منذ بدائيّتِه، حتى أقصى تَحَضُّره. وتطوُّرُ الشِّعر ليس عملاً إراديّاً، بل حصيلة حياتية عفوية لتطوُّر الإنسان في الطبيعة. من هنا أنّ الإيقاع في الشِّعر متلازمٌ وإيقاع كينونة الإنسان في طبيعةٍ قائمةٍ أصلاً على التناغم والتناسق والإيقاع.

-4-

هل موضوعاتٌ مُميَّزة لشِعرنا دون سواه؟

عدا استثناءات غير رئيسية، عالْج شِعرُنا مواضيعَ هي هي الْمطروحة، في شكل عامّ، أمام جَميع الشُّعراء. فالعاطفةُ الإنسانية (غضبُها، رضاها، حُزنُها والفرح، رماديُّها والْمُلوَّن) تتفاوتُ تعبيرياً، لا كينونيّاً. والْمرأةُ امرأةٌ، يتفاوت الإحساسُ إزاءها في التعبيْر لَها ، لا في جوهرها. والوطن هو الوطن، يبقى الْمدى الذي يعبُره الشاعر من حيثما يعتبر دخوله مؤاتياً قناعاته.

وإذا كان التعبيْر غيْر جدَليٍّ في التعبيْر عن العاطفة الإنسانية أو تِجاه الْمرأة، فالْموضوع الوطنِي ما زال الى جدَلِياً، لأن معظم شِعرنا الوطنيّ ما زال يُسَيِّس الوطن ولا يُمَلْحِمُه. الوطن، في الشِّعر العظيَم، يَخرج ملحمةً أو رموزاً أو مسافةً عبقريةً يرسُمُها الشاعر، فيَما أكثر شِعرِنا الوطني استهلاكي فَقَدَ الكثير من الرؤيا لأنه ارتَمى في حضن السياسة الآنية الْمتقلبة.

تسيَّس الشِّعر. صار الشاعر بوقاً عند الْحاكم، أو بوقاً ضدّ حاكم آخر. صار إلى عصبيّةٍ قبَليّةٍ أعادَتنا إلى جاهلية جديدة. لَم يَعُد الشِّعر يَختلف عن أيِّ كلامٍ حَماسيٍّ أو منبَرِيٍّ أو خطابِيٍّ نقرأه كلّ يوم في الصحف.

الآنِيُّ نقيضُ الْخالد. والشِّعر الْمُسيَّسُ آنِيٌّ لا يَخلد. وإذا القصيدةُ غَرِقَت في الالتزام السياسي، غرِقَ شاعرُها في رمال الطارئِ الْمتحركة عوضَ أن يتخطّى الْحدث إلى أحدوثةٍ رؤيوية.

تسييسُ القصيدة يتنافى تَماماً ونُخبويّتها الْمميّزة. فالشِّعر ليس بندقيّةً إيديولوجيّة. للإيديولوجيّاتِ النثرُ وافتتاحياتُ الصحف. والشِّعرُ الْخالِد على الزمان، ليسَ زيتاً لبندقيةِ الْمُقاتل، ولا أَرُزّاً لطلعة العروس، ولا زهراً لإكليل الفقيد، ولا شرائطَ ملوّنةً لزينة العيد.

الشِّعر حالةٌ تعكسُ حدثاً، وليس العكس. الْمسافةُ ضروريةٌ بين الشاعر والْحدث (أو الْموضوع). وشاعرٌ لا يراعي هذه الْمسافة، يقفز إلى نار الْحدث فيحترق فيها، ويُمسي شِعره تقريرياً سرديّاً، وليست هذه خصيصةَ الشِعر العظيَم.

الغيابُ عن الْحَدَث السياسي ليس نقيصةً يتجنَّبُها الشاعر. فهذا بول فاليري عاش حربَيْن متتاليَتَيْن، ولم يكتب قصيدة "سياسية" واحدة. ولَم يَحُلْ ذلك دون كونِهِ أحد أكبر شعراء عصره.

-5-

الشاعرُ الْمعاصرُ عندنا، يعاني إجْمالاً من تَبَعيّةٍ بنقيضَيْن: الْحديث الغربي، وقديْمنا التقليديّ الْجامد. فهو إمّا اتّباعيٌّ لتقليدِنا كسولٌ ولا يسعى إلى التجديد، وإمّا اتّباعيٌّ لطراز الغرب كسولٌ أخذَ النموذجَ الغربيّ حيث وصل، لا متتبِّعاً مراحل وصوله (كمَن بلغَ مصبَّ النهر فاكتفى ولَم يتتبّع الْمراحل التي قطعها هذا النهر). أخذ موضةَ الغرب وتبنّى "ثوراته" الشِّعرية، فإذا به يَحيا "ثورات" سواه: لَم ينفعل بِها، فبقي غير فاعلٍ بنا ولا بشعره، وضاع بين حاضرٍ غربِيٍّ مستورَد، وماضٍ تقليديّ جامد. خرج من لباسِه، ولَم يَسْتَوِ عليه اللباس الغربِيّ، فَعَرِيَ وعانَت قصيدتُه من هَمّ التصنيف وإضطراب صِيَغِ التعبير.

إنّ للغرب ظروفَه ومعطياتِه. وكم من شاعرٍ عندنا قرأ شِعر الغرب فقَلَّدَ موضته ببّغائيّاً، وخاصمَ الْجمال والْجماليا خَجَلاً بالغنائية الشرقية فتَجنَّبها، وهي الأنثى التي بدونِها لا تكونُ رجولة.

كانت قصائدُ شعرائنا عابقةً برموزنا ذات الأبعاد الإنسانية والتراثية والْحضارية، وركِبَتْ موجةَ الغرب فباتت رموزُها مُفْرَغَةً من مضمونِها الْمتجذّر تراثياً. وهنا خطيئة الكثيرين من شعرائنا: أرادوا أن يتخلّصوا كليّاً من القديْم ليكونوا "جُدُداً"، فيَما الْمنطق السليَم: بقَدْرِما يعرف الشاعر أن يغرف من جيّد القديْم، يكون حديثاً ويُبدع جديداً. فالتجديد لا يكون إلاّ من ضمن الأصول. إنّ الشِّعر، بطبيعته، اقتحام. ولا يكون اقتحامٌ خارج دائرة الْهدف.

التجاربُ الشِّعرية في العالَم؟ فلنواجهْهَا بنا نَحن، لا بصورةٍ عنها من عندنا. العالْمية نبلُغُها بطرازِنا الْمحليّ العصري، لا بارتدائنا طرازَها ثوباً مستعاراً ذا تسمياتٍ مُختلفةٍ مستورَدَة (الشِّعر الْمنثور، الشِّعر الْحرّ، الشِّعر الْحديث، الشِّعر الإلكترونِي، قصيدة النثر، الكتابة الآليّة، قصيدة البياض،...). فلن ينقلَنا الغرب إلى آدابه إذا استعرْنا ثيابَه وعُدْنا بِها إليه (وإن هو فعَل، فَمَوجَةٌ تنقُلُ موجة، حتى إذا سقَطَت الأُولى ذاتَ يومٍ بفِعْل زَبَدِيَّتِها، سقطَت معها الأخرى في درْكٍ عميق). الغربُ يريد أن ينقلَ أدبَنا بطِرازِنا نَحن، الْمتميّز عنه والْمغاير له. فها هو العالَم كلُّه نقل طاغور (إلى أكثر من 25 لغة) كما هو، ببساطته التي تبدو سذاجةً لضِعاف النظر، فيما هو، بِمَحَلِّيَّتِه الْهندية الْمتميّزة، قطَف "نوبل" الآداب (1913).

الشمولية تبدأ من الذاتية الفرديّة، والعالْمية تبدأ من أصالة الْمحليّة. جبران اللبناني أدهش أميركا قبل أكثر من نصف قرن، وما زال اليوم يدهش العالَم ("النّبِيّ" بات منقولاً إلى نَحو 70 لغة) لا بِأَمْرَكَة أدبه ليَركَب الْموجة، بل بشرقيّته الروحانيّة وخيالات لبنانيّته النوستالْجيّة الْمتميِّزة روحاً ونبضاً وبنتَ تراث. فثورته لم تكن على الأصول والْجذور والتراث، بل من ضمنها وباسْمِها ولأجلها.

-6-

الشمسُ قديَمةٌ ولا تتجدَّد. ولكن ليس من يقولُ إنّها صارت موضةً عتيقةً تقليدية! كلّ يوم نظنُّنا نراها مرّةً أولى.

الْمناقبيةُ في الأخلاق لا تَهرَم. فليس من يقوم بثورة على مناقبية الإمام عليّ الشجاع الكريَم، بِحجّة أن موضةَ الشجاعةِ والكَرَمِ بَطُلَت. ومريَم العذراء، لا يُثارُ على طُهرها بِحُجّة أن الطهارةَ موضةٌ قديَمةٌ تَجب الثورة عليها باسم العصرنة و"الْحداثة" لاستبدالِها بِموضةٍ خليعة.

وكما في الشمس والقِيَم والأخلاق، كذلك في الفنّ: ليس من يقول إن الإبداع الذي أتى به رودان وموزار بَطُلَتْ موضَتُهُ ويَجب رفضُهُ واعتمادُ الْمُبْهَم والـ"بوب ميوزيك" والـ"هارد ميوزيك" مكانه.

لا يَجوز نُكران الأصول باسم الرفض، ولا اغتصابُ التراث باسم التجديد، ولا قتلُ الثوابت (النهائيّة الْحضور منذ القِدَم) باسم الثورة والتغيير. لا يُثار على دُربةٍ وراءها خبرة. كما في الطبّ: لا يُثار (بِحُجّة التجديد) على طريقةٍ ذاتِ أصولٍ علميّة، وإلاّ قضى الْمريض تَحت مبضع الْجرّاح.

إنّ اتّباعَ الأصول والإبداعَ من داخلِها، يولّدان الْجمال. كالفستان الْمدروس، يُظهِر جَمال الْحبيبة دون تعهيْر جسدِها أو تَسْلِيْعِه. وهكذا الشِّعر: إذا افتقَد جَماليا الأصول فيه، لا يعودُ شِعراً، بل يُمسي هذَراً وهذياناً. فما القول، عندئذٍ، باغتصابِ الشمسِ نظامَها، والبحرِ حركةَ الْمدّ والْجَزْر فيه، والأربعةِ الفصول دورتَها؟ وما القول، استطراداً، باغتصابِ قواعدِ اللغةِ والصرفِ والنحو، باسم الثورة والرفض والتغييْر و"الْحداثة"؟

العاملون على اسم "الْحداثة" الشِّعرية (وكَم من تزويرٍ كَرنَفالِيٍّ رخيصٍ يُرتَكَب بِاسم الْحداثة الْحقيقية، وما أنْضَرَها!) يَجدون من غير الْمنطقي أن نكون في القرن الواحد والعشرين، عصرِ الفضائيات والإنترنِت والْعَولَمة و"القرية الكونية الواحدة"، ونَلبَس في شعرنا عباءةَ الْخليل بن أحمد ببحورها وأوزانِها وقوافيها وقواعد عروضها. يعني كَمَن يتنطّح اليوم من الْموسيقيين، ويرى من غير الْمنطقيّ أن يعيش الْموسيقيّ اليوم في عصر الـ"بوب ميوزيك" والـ"هارد ميوزيك" و"البلوز" و"الديسكو" و"الْموسيقى الإلكترونية"، ويعتمدَ سِجِلَّ النوتات السبع التي اشتغل عليها باخ وبيتهوفن وتشايكوفسكي.

أسارع إلى الفصل: لا أَتَمسَّك بالشكل العموديّ (صَدْراً وعَجُزاً)، ولا بالوزن، ولا بالقافية، شروطاً للشعر. لكنّ الْحداثةَ ليست الْخروجَ على نغميّة الإيقاع، مثلما ليس "قرضُ" الشِّعر قصائدَ "عصماء"، أو "نظمُهُ" وزناً وقافيةً هو وحده الشِّعر. الشرط الأساسيّ هو الإيقاع. "الْمفكرة الريفية" نَثْرٌ فنّيّ جَمالِيٌّ يُباهي به أمين نَخلة أرقى الشعر، ولا يدَّعيه شعراً. و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" لأنسي الْحاج، لا وزنَ تقليدياً فيها ولا قافية، ومع هذا هي في قلب الشِّعر العالِي.

إذا الومضةُ الشِّعريةُ روحُ القصيدة، فالإيقاعُ جسدُها. وهو ضمن تكوين الدماغ البشريّ في الأوَّليات النغمية (أهَميّة الدماغ ليست في حجمه بل في تركيبه). فالشِّعر ظاهرةٌ عقليةٌ لا صوتيةٌ فقط. والعمارةُ الشِّعريةُ لا تقوم إلاّ بِهندسةٍ متينةٍ يُشرف عليها العقل. هكذا شِعرنا لا يقوم إلاّ على الوفاء لشِعريّتنا نَحن (فنّنا الشِّعريّ) وليس أَيُّ شكلٍ قادراً على احتواء قصيدتنا وملاءمتها والانسجام مع هويّتها وانسياقها وانسيابِها.

التجريبية ليست مُحرَّمة. بل على العكس: مُحرَّمٌ تَحريْمها. ولكنّ العالِم في الْمختبَر- وصولاً إلى اكتشافاتٍ جديدة- لا يقوم بتجاربه من مادّةٍ مبتَكَرَة مرتَجَلَة، بل مِن موادَّ وفَّرَها له مَن سبقوه وبلغوا خُلاصات العِلم. الْمبدع لا يعود إلى ذاته مكتفياً بِها (بل لا يسمح لنفسه بذلك) وإنّما إلى الْمبدعين الذين سبقوه: يفيء إليهم، يكتشف كيف كلُّ واحدٍ منهم اعتَمَدَ تقْنيةً هي حصيلةُ اطّلاعه على مَن سبقوه، بدوره، في الشرق والغرب. والشاعرُ الشاعر، مَن استطاع أن يزاوجَ بيْن ما اهتدى هو إليه من الفن، وما قَبَسَه نابضاً من التراث الْحَي (تقْنيته لا مضمونه مرصوفاً جامداً) فيغنَم من الْخبرات الْهائلة والدُّرَب الْمجمّعة جيلاً بعد جيل.

-7-

القصيدة الْمجَدِّدة هي بنتُ القصيدة التقليدية. تُشبِهُ أمَّها، لكنها ليست أمَّها. فيها جذورٌ من أمِّها، لكنَّ فيها ملامحَ من روح العصر. أما إذا كانت مغايرةً تَماماً، فهي بنتٌ حَرامٌ بلا أصْل ولا نسَب، وليست شرعية. الأزهارُ الاصطناعية لَم تُلْغِ الورد والزنبق، وشتولُ الْخِيَم الزراعية لَم تُلغِ رياحيْن الْحقول.

القصيدةُ الْجديدة يَجب أن تنعجن بالقديْم. بالْخميرة الأصلية. فلا خبزَ من دون عجيْنٍ أصليّ، ولا عجين أصلياً من دون خَميْرة أصليّة.

كان فاليري يقول: "أنا تلميذ صغير لراسِيْن". وبالفعل، لَم يَخُن فاليْري واحدةً من القواعد التي اتّبَعَها راسين. على العكس: بالغَ في التشدّد، حتى قال الناقد تييري مونييه إن في بعض مقاطع راسين "جَمالاً فاليْرِيّاً". إذاً، لَم يَخسَر فاليْري بانتمائه إلى راسين حين قال عن "فيدر" راسين إنّها "أمثل شِعر أطلعته فرنسا، وأنا تلميذُها"، بل كافَأَتْهُ تَشَدُّدِيَّتُهُ بالأصول أن جاء ناقدٌ كبيْرٌ يشبّه بشِعره شِعرَ راسين الذي سبقه بـ246 عاماًَ.

التجديد: نَفْضُ شيءٍ موجودٍ أصلاً. وكلُّ تَطَلُّعٍ إلى التجديد، يَجب أن ينطلق من داخل تراثٍ، وإلاّ كان ثورةً رعناء وطَفرة هوجاء قاتلة. فلا نَقَعَنَّ في أيٍّ من النقيضَيْن: أن يَتَنَطَّحَ أحدٌ (بِحُجّة الْمحافظة على الأصول مُختَبِئاً خلف نغمية الوزن والتسجيع والتطريب) فيعمدَ إلى تقفيةِ كلامٍ سرديٍّ نثري عاديٍّ موزون غيْر مشغول في صناعةٍ عالية، أو أن يَتَنَطَّحَ آخر (بِحُجّة التجديد والْحداثة وحُريةِ أنْ "يَحقّ للشاعر ما لا يَحُقّ لسواه") فيعمدَ إلى تنثيْر القصيدة حتى تفقد مقوّماتِها الشِّعرية.

تفكيك القصيدة الْموزونة ليس الْحداثة، كما تقفية الكلام والْموزون ليست الشِّعر. سان جون برس فكَّك القصيدة التقليدية، إنّما أبقى فيها على الرؤى، في إيقاع عقلانِيٍّ مدروسٍ حوى طوفاناً من التدفق الشِّعري.

التجديدُ ليس التغييْر الْمرتَجَل. الوردةُ تُجدِّد من داخل العطر، والكنارُ من داخل كرّاته، وغروبُ الشمس من داخل ألوانه. ولا يَمكن أن يكونَ خروجٌ على الداخل، بِاسْم التجديد، وإلاّ صار عطرُ الوردة عبقَ دُرّاق، وكرّاتُ الكنار طقطقاتِ كومبيوتر، وغروبُ الشمس أضواء كالِيِيدوسْكوب. تَماماً كارتكاب إثْم النثرية باسم الشِّعر، أو إثْم الشِّعرية باسم النثر. فلكل كتابةٍ أُبُوَّتُها وبُنُوَّتُها ونظامُها الْخاص.

الشِّعر شِعرٌ والنثرُ نثر. كُلٌّ إبداعٌ في ذاته، والْخلْطُ بينهما يلغي إبداعيَّتَيْها معاً. قد يلتقيان في نصٍّ، إنّما يظلاَّن متمايِزيْن. والنّثر لا يذوبُ في الشعر، حتى على اسم نثرٍ فنّيٍّ أو جَمالِيٍّ قد يكونُ أرفعَ فنون النثر، لكنه ليس شِعراً ولا بِحال، تَماماً مثلَما القصيدةُ الْموزونةُ الْمقفّاة هي أدنَى درجات الشِّعر (بل النّظم) ولكنها ليست نثراً ولا بِحال. فالنثر الفنيّ يُخاطب (وعيِيّاً) الْمنطق الْجمالِيّ، فيما الشِّعر يُخاطب (لاوعييّاً) "الْحالة الثانية". النثر الفنّيُّ كلامٌ لا يَطمح إلى أن يصيْر شعراً. بل أكثر: يُصِرُّ على نثريّته، وبِها يكتفي ويفاخر. فبيْن الشِّعر والنثر ليس ما هو أعلى وما هو أدنَى. كلاهُما فنٌّ عظيَم. صناعةُ الشِّعر راقيةٌ، وصناعةُ النثر راقيةٌ، لكنَّ الشِّعرَ فنٌّ وحده ذو أصول، والنثرَ فنٌّ وحده ذو أُصول، والفرقُ بينهما صارخٌ، شكلاً ومضموناً ولغةَ تعبيْر. كالرسم والنحت، فَنَّانِ لا خلطَ بينهما. عملُ الريشة غيْرُ عمل الإزميل. ولا نَمدحُ اللوحة إن قلناها "جَميلةً كأنّها منحوتة"، كما لا نَمدح الْمنحوتةَ إن قلناها "جَميلةً كأنّها لوحة". وما يُنتجه التطوُّر التكنولوجي من وسائلَ ووسائط، يبقى في حدود الفصل بيْن الفنون، ولا يَخلُط بينها مطلقاً.

الشِّعر كلامٌ مسكوبٌ في قلب، ومسبوكٌ في قالب، وكلا القلب والقالب يرفض أن يكون نثراً. النصُّ الشِّعريّ (وهو غيْرُ القصيدة) كلامٌ لَم يَعُد نثراً، ولكنه لَم يبلغْ بعدُ لَحظةَ الشِّعر. فالشِّعرُ عقدٌ منظومٌ بِدّقة عجيبة، ينفرطُ لأيِّ خَلل يصدعه.وواهِمٌ كلُّ مُحاولٍ يظُنُّ أنّ بِإمكانه ارتقاءه ثائراً أو مُجدّداً أو مبعثراً أُصوله ومُشيحاً عنها.

الْمهمّ تأْسيس القصيدة على أصولٍ متينة تضمن خلودَها. والْمطلوب: عفويّةٌ مثقَّفةٌ، وطهارةُ كلمات. على الشاعر ألاّ يذكِّرَ بأحد. ألاَّ يعيد التجربةَ، بل أن يُكْملها. أن يكون مُضيفاً مبدعاً، تلميذاً للتراث ومكمِّلاً إياه. وما إلاّ بِهذا، يكونُ ابتكاريّاً وصاحبَ ريادة.

-8-

الوزن ليس ضروريّاً؟ الضروريُّ هو الشِّعر.

الوزنُ للشاعر، كالنوتة للموسيقيّ، كاللون للرسام، كالْخشبة للمسرحيّ، كالكاميرا للسينمائي. وبراعةُ الْمبدع أن يقدِّمَ اللحنَ الْجميل ويُنْسينا النوتات التي يتألف منها، واللوحةَ الْجميلة ويُنْسنيا الْخطوط التي تتركّب منها، والْمسرحيةَ الْجميلة ويُنْسينا الْخشبةَ التي تتأطّر ضمنها، والفيلمَ الْجميلَ ويُنْسينا الكاميرا التي دخل من عينها. يعني أن يَنسُج إبداعه بتقْنيّته البارعة، ويُدْخِلَنا مع إبداعه الى "الْحالة الثانية". وهكذا الشاعر الْمبدع: براعَتُه أن يأْتينا بقصيدة جَميلةٍ، ويُنْسينا التفعيلات التي منها تتراصف الأبيات. من هنا أنّ الوزنَ فخٌّ خطيْر: يقعُ فيه الْمتلطّي خلف الوزن ليَدَّعي شِعراً فلا يأْتِي سوى بنَظْمٍ أَجْوَف، ويهربُ منه غيْرُ الْمتمكّن والناجح فيه (فيَروح يدَّعي أنه "حديث" غيْر تقليديّ، لكنه لا يأْتِي سوى بِهَذَرٍ أجوف)، ويَجتازه الشاعر الْمتمكّن من لعبة الأصول، ابنُ الأصالة الشِّعرية الذي ليس في حاجةٍ إلى نبْرةِ الوزن الْخطابية، ولا إلى غنائية القافية في آخر كلّ بيت، ولا إلى حشوِ كلماتٍ وسيطةٍ كي يستقيَم له الوزن.

هذه الأصالة الشِّعرية لا تكون بنتَ ساعتها. وإذا التفعيلةُ، اليوم، صارت قديَمة، فالتجديد لا يكون ابن الارتِجال. مع الوقت، قد تولدُ أوزانٌ جديدةٌ وبُحور مُختلفةٌ تُثبت قواعِدَها فتصبح نَهجاً.

الشِّعر، يَجزم هيغِل، هو "أكمل الفنون": فهو يُخاطب العين (التي بِها يكتسب الإنسان 83% من معارفه) بِهيكليّته الأنيقة حين يُقرَأ بالنظر، ويُخاطبُ الأذُن (التي بِها يكتسب الإنسان 83% من معارفه) بِجِرْسِه وإيقاعه حين يَبْلُغُ بالسمْع. فماذا يبقى من الشِّعر إذا فَقَدَ هيكليّته الشِّعريّة وجِرسه الشِّعريّ؟ كلمة "أُحِبُّكِ" مكتوبةً إلى الْحبيبة في رسالة، لَها وقْعٌ بصريٌّ، ومهموسةً في سَمعها، لَها وقعٌ آخر تَماماً.

ولكن، لا نَقَعَنَّ (تَمَسُّكاً بالقديْم أصولاً وقواعد) في فخّ الْهيكلية التقليدية ]فالْهيكلية الشكلانية (العمودية أو غيْرها) قد تكونُ فاقدةً كلَّ مضمونٍ شعريّ[، ولا في فخّ الْجِرْس (تَمَسُّكاً بالشِّعر الْموزون) فقد يكون هذا على نغميٍّة رنّانةٍ لا تعدو كونَها تطريباً طنّاناً فاقداً كلّ مضمونٍ شعريّ.

-9-

الشاعرُ حرّ؟ صحيح. إنّما أيّةُ قيمةٍ لِتَحَرُّرِه، إن لَم يصلْ شِعرُهُ إلى جُمهور قرّائه، ولَم يَخترق قلوب الناس؟ ما قيمة مُعاناته إن لَم تبلغْ عمقَ مُتَلَقّيه؟ لا قيمةَ لشِعر "حديث" ليس يصلُ إلى جُمهور "حداثته"، ولا لشِعرٍ "معاصر" إن لَم يتلقفْه جُمهور "عصره".

الْحداثةُ الْحقيقيةُ أن يكونَ الشِّعرُ نضِراً في عصره ويبقى نضِراً في كلّ عصر. فهذا عنترةُ الْجاهليُّ نضِرٌ (في عصرِهِ واليومَ وكلَّ عصر) بقَوله:

"وَوَدِدْتُ تقبيلَ السيوف لأنّها لَمَعَتْ كبارقِ ثغرِكِ الْمُتَبَسِّمِ".

إن الْحداثة ليست تأْريْخاً كرونولوجيّاً، بل هي التواصل النَضِر من جيلٍ الى جيل، فيصيْر الشِّعر الأصيلُ مثْل الْخمرة الْمعتقة، كلّما مرَّ عليها الزمنُ طابَت وتَأَصَّلَتْ، وظلّت... حديثة.

التواصلُ مع الناسِ شرطٌ أوَّلُ ونابضٌ وحَيَوِيّ. وربَّ شعراءَ يكونون مترجِمين صالْحين شِعرَ الغرب، إنّما أين شِعرُهُم هُم لِناسِهِم وقرّائهم؟

-10-

مِما يشوب شعرنا الْمعاصر: مِحنةُ النقد. والعلاقةُ جدليةٌ وُثْقى بين الشِّعر والنقد (كما بيْن النقد وأيِّ فَن). كلُّ حركةٍ شعرية رافقَتْها حركةٌ نقدية. والشِّعر يلزمُه، لينمو، قارئٌ رهيف، وناقد ثقيف، يُهَيِّئُ القارئ ليعرف تكاملَ القصيدة وتَمَوْقُعَها وتواصُلَها مع تراثها أو انسلاخها عنه.

ومعظم النقد عندنا تنظيْرٌ فوقيٌّ، أو موقفٌ شخصي (سَلْبِياً كان أو إيْجابياً أو مُحايداً)، أو سرد انطباعي. والناقد إجْمالاً (كي لا أُعَمِّمَ فأَظلُمَ بعض الْجِدِّيِّيْن) إمّا صديقٌ مسبَق أو خصم مسبَق. مدّاحٌ سَلَفاً، أو شتّامٌ سَلَفاً. وهو في معظم الْحالتَين غارقٌ في إيديولوجيّات سياسية أو فئوية، مصنّفٌ نفْسه سلفاً في هذا الْمعسكر أو ذاك، يتهجّم على مَن لا يَتَأَدْلَجُ في معسكره.

حيث لا حريةَ، لا نقد. ولَم تكُن مصادَفَةً أن يبكي الشعراء (غيْرُ اللبنانيين) وجهَ بيروت وصدْر بيروت ومنابر بيروت (خلال سنواتِ الْجمْر فيها) لأنّ بيروت وحدها كانت تَحتمِلُهم وتغفر، تتَّسع ولا تضيق بأحد. كان وجهها يَحتوِيْهم، وصدرُها يَضُمُّهم، ومنابرُها ترتضيهم، حتى باتت بيروت (قبل 1975) أوكسيجين الْحرية لِجميع الشعراء. كان مناخ الْحرية في بيروت (قبل الْحرب التي أحرقَتْها ولَم تُرَمِّدْها) ربيعاً دائماً للشِعر والنقد، حتى كان الشُّعراء غيرُ اللبنانيين يُحسّون لا تكتمل رجولتهم الشِّعرية إلاّ إذا نشَروا في بيروت، أو أَلقوا شعرهم في بيروت، أو كتبت عنهم صحافة بيروت.

-11-

الشِّعر وحْيٌ؟ صحيح.

لا يؤتى لِجَميع الناس؟ صحيح كذلك.

لكنّ الصحيحَ أيضاً أنّ الشِّعرَ موهبةٌ وصناعةٌ، جناحان لا يطير شاعرٌ إلاّ بِهِما معاً. وليس جِدّياً أن يكتفي الشاعرُ بالسبكة الأولى للقصيدة بِحجّة أنّها "هكذا أتت". بل عليه أن يعمل عليها صقلاً وتَجويداً، حتى تليقَ بالشِّعر والشاعر، كما يُهدى عقدُ اللؤلؤ إلى الْحبيبة لا بِحالته البدائية، بل بعد صقله ونِهايات بَلْوَرته.

فالشاعر الكبير (ومثله الناثر الكبير) هو (الى موهبته) حِرَفِيٌّ صَناع، يعرف اللعبات جَميعَها، ويَمارسُها ببَراعة حاذقة. ومتى امتلَك الشاعر حرفيّته، أتاهُ الشِّعر مترجِماً شاعريته أكثر.

وإذا الْمُبدع، باستمرار، مأخوذٌ في "الْحالة الثانية"، فالْحِرَفِيُّ هو ذاك "الآخر" الواعي فيه. ينبّهه. يَقيه عثراتِ القلم وشططَ الاسترسال. وحين يتصالَح في الشاعرِ الفنانُ والْحِرَفِيُّ، يصير الشِّعر لَمّاعاً أكثر، مُشعّاً أكثر. يصير شِعراً أكثر. من هُنا حدَّدَ اليونان الشِّعْر بأنّه "عربةٌ يَجُرُّها حصانان: العاطفة والْخيال، ويَسوسُها حوذِيٌّ حكيمٌ هو العقل". إذاً لا بُدَّ في الشعر من الوعي يُعَقْلُن اللاوعي، كما لا بُدَّ للرسام من زيتٍ تأْسيسي (يَشُدّ نسيجَ القماش كي لا يتفسَّخ مع السنوات فيُشَقِّقَ الألوان التي عليه في ما بعد) يدهن به قِماشَتَه البيضاء قبل أن يدخل في حالات اللاوعي، حالات الإبداع خُطوطاً وألواناً وولادةَ لوحة.

الشِّعر هو هذا الْمَسُّ الأُعجوبِيُّ الذي لا تفسيْرَ منطقياً له. مسٌّ حسّيٌّ لاعقلانِيّ (مع أنّ خلفيّةَ أصوله عقلانيةٌ - بل تقنيّةٌ- بَحتة)، تَماماً كالأوبرا العظيَمة، ليس لِجَمالِها تفسيرٌ عقلانِي، فهي حسّية لاعقلانيّة (فيما أصولُ تأْليفِها عقلانية - بل: تقنيةٌ - بَحتة). وهنا جهْلُ أن نبحث في القصيدة عن "الْحكاية"، ونشيحَ عن تقنيّة الشاعر الشِّعرية ومهاراتٍ فنيةٍ جَمالية فيها هي التي تَجعل قصيدته على جَمال. فالذي سيبقى على الزمان: وهجُ القصيدة لا وجهُ صاحبها.

وإذا الإيقاع هو الْمدار الذي يتَكَوكَب فيه الشِّعر (كما فيه تَتَكَوكَب النجوم وتتنوّع شعاعاتُها وتَحْلَولِي لأنّها متناغمة فيه) فعلى الشاعر أن يُجَدِّد، يطوِّر، يَجتزئ، ينوّع، إنّما من داخل هذا الْمَدار، لأنه إذا خرج عنه، سقَط في السديْم وضاع في الْمجهول لأنه خرجَ من كينونة فنّه وجوهرها. ولا جِدِّيَّةَ للكلام على ما يسمّى "الإيقاع الداخلي". فالإيقاع الْحقيقي هو الذي يَطفُر، يبْرُز، يفرضُ نفسه على سامعيه، لا ذاك الذي يُحاولون أن يَجدوه ليفرضوا عليهم افتراضاتِهم فيه. وبالْمقابِل كذلك: الإيقاعُ الذي يَغرَق في طنطنَةٍ وزْنِيَّةٍ ونَغميةٍ مَجّانية، لا يُشّكِّلُ الشِّعر ولا بِحال.

الإيقاعُ، إذاً، ميزان يَجب أن يكونَ ظاهراً وواضحاً، لا أن يبحث عنه الْمتلقّون باجتهاداتٍ يعمدون الى تفسيْرها والتنظيْر حولَها واستنباط ما قد لا يكون فيه، فقط لِتَجَنُّب الشعور بأنّهُم أخفقوا في إيْجاد ذاك الإيقاع "داخلياً". إن السمفونيا الْخالدة لا نُفتّش نَحن عن إيقاعها "داخلياً" بل ميلودياها هي التي تفرض نفسها علينا، بدون جهْدٍ منّا، أو مِمّن يُنَظِّر لنا عنها.

سِرُّ الإيقاع في بساطته. وهي البساطةُ التي تَهُزّ. الأمُّ لا تأْتِي وليدَها بالْجديد. تُهَدْهِدُهُ بإيقاعٍ يُطرِبُه فيغفو.

هكذا، بين النغَم والصورة واختيار كلماتٍ تتجانَبُ بِتِقْنِيَةٍ واعيةٍ جَماليةٍ حاذقة، يكون الشاعرُ الشاعرُ مهندسَ إيقاعٍ موسيقيٍّ بارعاً، وملوِّناً ساحراً، ونَحّاتاً ذوّاقة، يغنم من جميع الفنون والْحِرَف. وهو قد لا يكون مُلِماً بِحذاقة الأقدمين كلِّها، لكنه يعرف منهم الفِلَذ الْجميلة في شعرهم، ويعرف قواعِدَها، فيغنى بِها ويأْتِي بأجْملَ منها. قد تَهجم عليه (خلال كتابَتِه) مفرداتٌ وصيغ متعدِّدةُ في بيت واحد من القصيدة، وعليه - بِحذاقة الصَّناع وبراعة الْجوهريّ ودقّة الصيدلِيّ وذوق العطّار- أن يَختارَ منها ما يَجْمُلُ وضعُهُ في بيت القصيدة ذاك. وهذا ما لا يستطيعه الْمقصِّرون، فيَروحون يَخترعون تنظيْراتٍ واهيةً تُبَرِّر تَفَلُّتَهم من الأصول والقواعد، لأنّهم يستسهلون كسر الأصول في الكتابة، ولا يتجرَّأون (أو هم لا يقدرون) على الْخوض في الأُصول، في الصعوبة التي منها وحدها يولَدُ الإبداع الْخالِد على الزمان. إن الاستسهال لم يولّد يوماً فنّاً عبقرياً.

على كلّ عملٍ فني أن تكونَ فيه ملامحُ كلاسيكية لضبطِه بتوازُنٍ ضروريّ، من خلال مرساةٍ ثابِتَةٍ بانتظام عقليّ وضوابطٍ متعارَفٍ عليها، وإلاّ تَجْمَحُ القصيدة وتُفْلِتُ من قدرة الشاعر حتى لا يعودَ ربّانَها، فتغرق ومعها يغرق الشاعر وقرّاؤه. إنّ الانفلات الأهوَج لا يؤدي إلاّ إلى الضياع في النَّوّ بيْن اللُجَج القاتلة.

وإذا الشِّعر عملٌ فنيّ حاذق، وراءه صنيع فنيّ حاذق، فالشاعر الشاعرُ هو مَن يعرف كيف يعتمد جَماليا الكلمة وإِيْحاءاتِها وإبداعيّتها. إنّ الفكرة موجودةٌ لكل الناس،إنّما الْمهمّ معرفة اختيارها: بأيّ شكل وأيّ لباس.

الشِّعر رؤيا؟ صحيح. والقصيدة ليست "ما هو الْموضوع؟" بل "ما هي الرؤيا"؟. ولكنّ الْمُهمّ ترجَمةُ هذه الرؤيا وإيصالُها إلى الناس واضحةً بالصورة التي التقطها الشاعر في هنيهات رؤياه.

هكذا يكون الشِّعر، فعلاً، حاجةً يُعاد إليها فسحةَ تنفُّس حين يتأكسَد الهواء. وليست مصادَفَةً أن يقول البابا بولس السادس: "إننا في حاجة مستمرّة لا إلى علماء وفلاسفة، بل إلى شعراء".

إنّ الْحالة الإنسانية واحدة. والامتدادات في الشعور الإنساني واحدة. وهي تتوحّد في الشمولية. وأكثر: الكلماتُ هي هي، مطروحة أمام جَميع الشُّعراء (كما النوتات الْموسيقية السبع هي هي، مطروحة أمام جَميع الْموسيقيين). الْمهمّ: كيف كلُّ شاعر يتناولُ هذه الكلمات في انتظامٍ عبقريّ، وكيف منها يُرَكِّبُ العبارة ليعبِّر (أكثر وأوضح وأجْمل) عن الْحالة التي يَحياها. ففي اللغة كلماتٌ تصلح للنثر، ولا يُمكن أن تدخل في الشِّعر، كما فيها كلمات شعريةٌ رائعة لا تصلح في مقال سياسيّ أو علميّ أو تكنولوجيّ. وحتى في الشِّعر نفسه، كلامٌ من زنبقٍ يقال في الْحبيبة، وكلامٌ من نار يقال في الوطن، ولا يَجوز الْخلط بينهما.

إنّ الشاعرَ سيِّدُ الكلمات والأشكال. ذات يومٍ كان الرسَّام دوغا في حوارٍ مع الشاعر مالارميه في أحد مقاهي باريس. قال دوغا: "مساءَ أمس، كتبْتُ أفكاراً جميلةً في نصٍّ اكتشفتُ عند كتابته أنه لَم يَخرج، كما شئْتُهُ، شِعراً". فأجاب مالارميه: "الشِّعر ليس أفكاراً. إنّه كلمات".

من هنا لا يَجوز (باسْم التجديد و"الْحداثة" والتجديد) انتهاكُ قِيَمٍ راسخة تضمن خلود الشِّعر، وإلاّ تَفَتَّتَت القصيدةُ مع الزمن واندثَرَت، كما تَتَفَتَّتُ ألوانُ اللوحةِ إذا لَم يؤسِّس الرّسام لقماشته وفق الأصول.

فهل مَحدودية مساحة القماش تقيّد عبقرية الرّسام؟ وهل الْمادة اللونية تَحُدُّ من إبداعيّته؟

أبداً. وهكذا الأصول: التقيُّدُ بِها يَحمي الأَثَر الفنّيّ من الاندثار، وإهْمالُها يَجعلُهُ عرضةً للتفتُّت مع الزمن. وربّما هذا ما دعا أميْن نَخلة إلى القول عن الإبداع إنّ "الفنّ يَموت في الْحرية، ولا يعيش إلاّ في العبودية".

-12-

الإبداع الأصيل يصل، ولو منقولاً إلى سائر اللغات، مع ما تفقد أصالته عبْر الترجَمة (وهي قد لا تفقد الكثير إذا كان الْمترجم عبقرياً). ولكنّ الشاعر لا يبلغ عمق الأصالة إلاّ متى علاقَتُهُ باللغة التي يكتبُها بلغَت تقنيةً تَجعل اللغة تنصاع له في طواعيّةٍ مُطلقة فيستطيع عندها التجديد من داخل اللغة ببَراعة العارف وحذاقة الْخبير (اختصاراً، تجويداً، اشتقاقاتٍ، صيغاً جديدة،...)، كالعازف تتعمّق علاقة أنامله بِمَلْمَس البيانو، أو كالفلاّح العتيق لا تُخصب مواسِمُه أكثر إلاّ إذا تَجذَّرت علاقته بالأرض. ولَم يَخلُد شاعرٌ عظيمٌ، حتى منقولاً الى لغاتٍ غيْر لغته، إلاّ وكان عبقرياً في اللغة التي بِها كَتَب.

العلاقةُ السليمةُ مع اللغة: احترامُها غايةً ووسيلة، لا وسيلة وحسب. هكذا يتوغّل الشاعر إلى جِلْد اللغة بكامل تفاصيلها: عباراتٍ وكلماتٍ وحروفاً، تركيزاً على موسيقى العبارات وتَجانُب الكلمات وتَجانس الْحروف. براعتُه أن يتعامل مع الْحروف والكلمات كما مع الأزهار. سَحْقُهُ كلمةً، كما دوسُه زهرة. فالكلمة وحدَها كجزيرة، ليست غايةً في ذاتِها (لأنّها عندئذٍ تَفْرَغُ من الْمضمون) كالنوتة الْموسيقية وحدَها ليست غاية في ذاتِها. ومن تَجانُبِ النوتات بِحذاقةٍ وخبْرة، وتَجانُبِ الكلمات بِحذاقة وخبْرة، يولد العمل الْموسيقيّ أو الشِّعري العظيَم. الْمهم: براعةُ الاختيار.

الفرق كبيْر بين كلمة "باخرة" النثرية، وكلمة "سفينة" الشِّعرية. رصفُ الكلمات مهندَسَةً في موقعها، هو هو السرُّ الذي يُطْلِق الشَّرَر. ليس الْمهمّ "ماذا تقول؟" فقط، بل "كيف تقول ماذا؟". ربّما لا جديد في الكون إلاّ الْموهبة الفردية. لذلك، يُمكن الشِّعر أن يأتِي بِجديدٍ ليس موجوداً حتى في الطبيعة. ولذلك قيل إنه يُجدّد نضارةَ الإنسان ووجهَ الْحياة. ولعلّ الشِّعر، بِهذا، هو سُرّة الإنسان في أحشاء الطبيعة.

إنّ للشعرِ لغةً خاصةً داخلَ اللغة. وعلى الشاعر أن يَنْسُجَ شِعره بِلُغَته الْخاصة: مفرداتِها، تراكيبِها، عباراتِها، أسرارِها،... . ولن يَبلُغَ الإبداع إن لَم يَغُصْ على خصائص لغته، كما لن يبلغ الرسامُ إبداعه إن لَم يُغص على خصائص اللون والْخط والريشة.

والشاعرُ الشاعرُ ابنُ الثقافة. يطّلع على لغاتٍ أخرى، لا ليصير متعدِّدَها بل ليغْنَمَ منها تراكيبَ يُطَوِّعُها للغته وأصوله، فتَغْنَى لغتُه وتُثري أصولُه. هكذا يُضيفُ خبرات سواه إلى خبراته، ويصهَرُ بالكلّ معاً إبداعَه.

الْمهمّ: اللغة الشِّعرية. فكما للمقالِ لغتُه، وللبحثِ لغتُه، وللصحافةِ لغتُها، كذلك للشِعر لغتُه، ولعلّها الأصفى نُخبويّاً. بِها يكونُ الشاعر ظاهرةَ زمانه. ومنها يأْتِي بغنائيةٍ جديدة في لغةٍ متجدّدة إلى رؤيا تَجديدية.

الكلمةُ... الكلمة!!! إنها السرّ والفخ معاً. مَن أتقنَ التعامُلَ معها، كشفَ السِر وأبدع. ومَن قصَّر عنها، أوقعه الفخّ في الفضيحة.

-13-

هل شِعرُنا اليومَ في عافيةٍ أم أزمة؟ يطرَحُ علَيَّ السؤال مراراً صحافيون وإعلاميّون.

الأزمة لَم تكن يوماً في الشِّعر. إنّها لدى بعض الشِّعراء. وكلامُنا على أزمةٍ في الشِّعر، ككلامِنا على أزمةٍ في الورد بينَما هي لدى بيّاع الورد، أو ككلامِنا على الإشكال في العطر بينما الإشكالُ في جونة العطّار.

إذا قُمنا (بِحُجّة التغييْر عن تقليدية مَجرى النبع) بِتَحويل مَجرى النبع الكبير إلى سواقٍ "حديثةٍ" و"معاصرةٍ" متفرّعةٍ غير متناسقة ولا مقنّنة فغَرِقنا في التَّيَهان والتلوُّث، هل نلوم النبع الكبير؟ الأزمة إذاً، لا تكون في النبع بل في تعاطينا نَحن مع هذا النبع.

الشِّعرُ، اليوم، في أزمة؟ أبداً. لَم يكن يوماً، ولا هو اليوم، ولن يكون يوماً في أزمة. ثَمَّة شعراءُ في أزمة. وهذه مشكلةُ غيرِ الْمبدعين وليست مشكلة الشِّعر. ومَن يقول إنّ الشِّعرَ في أزمة، فاشلٌ في الشِّعر مقَصِّرٌ عن إيصالِه الى الناس، لَم يطبّق أصولَه فتعثَّرَ وراح يُنظِّر بِما يعكس لا وضعَ الشِّعر بل وضعَهُ هو مع الشِّعر.

أيّةُ حالٍ للشِعر اليوم؟ إنه، كما دائماً، في عصره الذهبي. إذا تناولْنا أيَّ عصرٍ بشعرائه الفاشلين، نقول (لكي نُبَرّر فشلهم) إن الشِّعر فيه إلى انْحطاطٍ أو أزمة. راسين وغوتِّه وشكسبيْر ودانْتِه واللورد بايرون لَم يقولوا يوماً إن الشِّعر على عهدهم كان في أزمة. طبّقوا الأصول وطوَّروا من خلالِها، فلم يَكُنْ ما يُضايقهم. كانوا مرتاحين على الشِّعر وعلى العصر، وينظرون إلى الكبار أمثالِهم فيجدون الشِّعر على عهدهم في عصره الذهبِيّ. الشمس لَم تقع يوماً في أزمة، بل الأزمةُ في العاجزين عن التحديق إليها. وكذلك البحر: الأزمة ليست فيه بل في العاجزين عن الغوص على لؤلؤه.

ناظِم حكمت ظلَّ ردحاً طويلاً من حياته يشتغل بالشِّعر خارجاً على الأصول، وعاد إليها في أواخر حياته صارخاً في الشعراء: "أُوصيكُم بالأُصول". وكذلك بول إيلوار: كان كتابه الأخير ("آخر قصائد حبّ") عودةً إلى الأصول التقنية في الشِّعر. ومثله آراغون: بعدما أسّس الدادائية والسوريالية، عاد إلى الأصول ليتكرّس من كبار شعراء فرنسا الْحديثة.

لماذا الركون إلى الأصول مرجعاً؟ لأنّ الفنان العظيَم هو من كان وراءَهُ تراثٌ من فنانينَ عظماء. ولا قيمةَ لأرعَنَ مُدَّعٍ أنه يثور عليهم ويأْتِي بِجديدٍ ليس وراءه أحد، لأن نتاجَه يكون مسخاً حراماً.

كلُّ فنٍّ بدون انتماء، مشرَّدٌ متسكّع لقيط، وأكثر: مزيّف، كمن يثور على "فينوس دُه ميلو" (رائعة العري في الفنّ) ليُقيمَ مكانَها تِمثالاً وَقِحاً لامرأةٍ عاريةٍ يأْتِي مسخاً في الإباحية. الإيروتيسم فَن، البورنوغرافيا قَرَف.

الْمأزقُ إذاً ليس في الشِّعر، بل في شُعراءَ ركبوا موجة التغايُر بِحجّة التغيير، وأشاحوا عن القاعدة بِحُجَّة التجديد. ومتى ارتدُّوا عن الْخَطَأ، سيجدون أن بيتاً واحداً من الشِّعر قد يُصبح مقولةً ثابتةً وخالدةً على الزمان، وأنّ قصيدة رائعةً واحدةً ليست أقلَّ من عمارة حضارية.

-14-

لَم أتبسَّطْ إلاَّ في الأصول، وأَشَحْتُ عن الدخول في ثَبْتِ مُمارساتٍ طفيلية، لأقول: هي ذي الْهويّة فَلْنَعْتَنِقْها، لأنّ كلَّ ما عداها تَشَرْذُُمٌ، وكلَّ تشرذُمٍ ضياع.

لنكنْ مع القواعد، مع الأصول، مع الثوابت، مع القِيَم، ولنجدِّدْ من داخل طواعية الأُصول، فتزداد هي نضارةً وتَغْنَى بنا الثوابت.

لِماذا لا نغوصُ على اللؤلؤ في شعرنا، فنصوغ منه قصائد جديدة، عوضَ هدْر الوقت (والعُمْر) في التلَهّي بالزبد الزائل؟

الْخوارج على الأُصول والثوابت والْحقيقة، فَلْيَشْرُدوا وسِعَت لَهُمُ الْمنابِر والصفحات. سينتهون مغلَّلين بالفوضى والضياع. وحده التاريخُ يصفّي أبناء الأصالة، لأنه وحده مَصهر الْحقيقة. والْحقيقةُ: في الأصول، وهي التي تُحرّر من جَميع الأغلال.

الغَيْمُ القاتِمُ يَحجُبُ الشمس ولا يُلْغيها، لأنه عابِر.

مصابيحُ الكهرباء تنير بعض الليل ولا تَجعله نَهاراً، لأنّها مؤقَّتة.

ولا بدَّ للفجر من أن يطلعَ كلَّ يوم، وأن تُشْرقَ الشمسُ التي تنطفِئُ جَميع الأنوار ووحدَهُ نورُها لا ينطفئ ولا يشيخ.

أكتُبُ هذا الكلام، لا لِجيلي من الشعراء (وأنا لستُ، شِعْرِياً، في صفوف الكثيرين منهم) ولا للجيل الْمتأَثِّر بِجيلي أو بالْجيل الذي سبقنا.

أكتُبُ هذا الكلام لأجيالٍ آتيةٍ ستقرأُه، وتكون أدركَت فتقول: "هذا كلامٌ ظلَّ مؤمناً باللؤلؤ، في عصرٍ طَفَر زبَدُهُ حتى ضلَّل، لكنَّ الطفرة الكثيرة تبهَر الْمضلَّليْن ولا تضلِّلُ من آمنوا بالقِيَم والْجذور".

- إشارة أخيرة -

هذه الـ"إيقاعات" تَحمِلُ إيْمانِي بالقِيَم والْجُذور، ومُحاولَتِي التجديدَ من داخل الأُصول. وهو هذا (كما ورَد في هذه الْمقدِّمة) إيْماني بالشِّعر. هكذا وَعَيْتُه، هكذا أفهمُه، وهكذا سأكتُبُه دائِماً: أناقةَ بثٍّ، نضارةَ تعبيْرٍ، وجَمالَ رؤية.

إذا أخذَ البعضُ عليَّ انصرافِي الى الإثبات الشِّعريّ، فلأنّ الإيْمانَ ليس هوايةً لَها وقتٌ بعد الوقت، بل هو انصرافٌ تامّ ومُمارسةٌ مستمرّة في كلّ لَحظة.

وإذا أخذ البعضُ عليّ تأنُّقي في التعبيْر، فلأنني أربأُ أن أكتُبَ في الْحُبِّ شِعراً لا يليق بأناقَةِ الْمرأةِ وجَمالِها. ليسَ مَنْ على موعد للقاء حبيبته، ويأتيها بثيابٍ عتيقةٍ مهمَلة. ولا العاشقُ يرضى مَجيءَ حبيبته إلى موعدهِما، وجَمالُها إلى إهْمال.

الْحبُّ عالَمٌ كاملٌ مكتملٌ لا يرضى نواقصَ وهفوات.

هكذا الشِّعر.

وهكذا هذه الـ"إيقاعات": غوصٌ على التصوير (ليليقَ بالشِّعر) وتأنّقٌ في التعبير (ليليقَ بالْحُبّ) وتَجربةٌ في الإيْجاز (لِتَجَنُّب الثرثرة في الشعور) جعلَتِ القصيدةَ إيقاعاً من بيتين، يومضُ بِكراً، يتغلغل برقاً في الرعشة، مسافةَ هُنَيهةِ قُبلة، شهقةَ "أُحِبُّك"، أنشوجة جنون، تلويْحةَ يد، رفةَ هدبٍ يتنهّد، خفقةَ صدرٍ عاشق.

وهذه التجربة (ليست الأُولَى: سبَقَتْها تَجربةُ توفيق يوسف عوّاد في "قوافل الزمان") تأْتِي في سياق ما عرَفَهُ شِعرُنا من تَجارب الثلاثيات والرباعيات والْخُماسيات وسواها.

والـ"إيقاعات" في هذا الكتاب - وإنْ هي كلاسيكيَّةُ التركيب، عموديةُ الكتابة الْعَروضية (بُحوراً، أوزاناً، تفعيلاتٍ، قوافِي،...) أنثُرُها تشكيلياً بِما يَجعلها تتنفّس أكثر، فلا تَخون العمود الشِّعري، ولا تَتَحَنَّطُ في الشكل التقليدي صدراً وعجزاً. هذا لنقول إنّ الكلاسيكية نَضِرةٌ مطواعةٌ غيْر مُتْحَفِيَّة، تُجاري كلَّ عصرٍ فتلبَس مناخَه من دون أن تَخون جسدها الأصيل.

في عصر حداثةٍ مُتخبّطةٍ بيْن أصيلٍ ومُستورَد وضائعِ الْهويّة، تَجيء هذه الـ"إيقاعات" متطوّرةً مع العصر، "حديثة" النضارة، متمسّكةً بِقِيَم الْهيكل، مُتجدِّدَة في نَهْدَةِ الصلاة.

الْمجدُ للشِعر،

الْمجدُ للشعراء،

والْمجدُ دائِماً للبنانَ الشاعر.

* كتابة 09/05/1986

تنقيح 02/02/2002

دفاعاً عن النَّثر في كتاب شعر

تعليقات القرّاء

  1. Datherine 23 آب 2011

    Thank God! Someone with brain speaks!