ألميلاد: ذكرى أم حياة!؟
.jpg)
يدعو إلى هذا السّؤال/التَّساؤل، ما نشهده، هذه الأيّام، وفي مثلها كلّ عام، من "استعدادات" حَماسيّة، خارجيّةٍ كلُّها، وكلُّها "تَسابُقٌ" محموم، بَحثًا عن الشّجرة الأكبر، الأعلى... عن الزّينة الأجمل، الأغنى... والثِّياب الأغلى، الأحلى... والهدايا الأثمن، الأجدى... عن وعن... ولا يتحدّث أحد، بالجِدَّيّة عينِها، والاهتمام نفسِه، عمّن هو "سببُ" هذه "الاستعدادات"، "مُسَبِّبُ" شراءِ الشّجرةِ وزينتِها والثّيابِ والهدايا، هذه السّنة وكلّ سنةٍ أخرى...
هذه "الاستعدادات"، كلُّها، لـ"مناسبة ذكرى" الميلاد. كم يُحزِنُ هذا الأمر! وكم يُيئس!
"ألذّكرى"! عملٌ، بذاته، مقصودٌ بالإرادة؛ مثلُ هذا يعني أنّ صاحبَ "الذّكرى" غائبٌ، أصلا، "يُستَحضَر" في "المناسَبة", كلُّ "استحضارٍ" هو "اغتصابٌ" لأمر لا يبدو "طبيعيًّا". "ألتّذَكُّر" عملٌ يُحْدَثُ بالقوّة، بعيدًا من "العمل على..." ألذّكرى" و"التَّذَكُّر" يُستَحدَثان، بدون أصالة عيش أو حياة. "ألذّكرى" و"ألتَّذَكُّر" انقطاعٌ عن مجرى الزّمن؛ اقتطاعُ "وقت مستقطع"، يبقى لمعةً قصيرة في مسيرة الحياة. هذا لا يكفي للميلاد، ميلاد يسوع.
تَجَسُّدُ يسوع اعترافٌ بالتَّواضُع، بالتّضحية. إقرارٌ بأهمّيّة الجسد. إقترانٌ للقول بالفِعْل. كيف يتجسّد اللهُ، لماذا، حَتّامَ؟ تَجَسُّدُ الله عملٌ خَلاصيّ. ألعملُ الخَلاصيُّ انتباهٌ إلى واقع وضرورة. ألواقعُ هو الشّرّ والحقدُ والحسدُ والبُغضُ وسائرُ "الآثامِ" المُلَوِّثةِ للفِكر والحياة، كما هو الخيرُ والنُّبْلُ والمُساعَدةُ والحُبُّ وسائرُ القِيَمِ المُجَمِّلةِ المُرَقِّية للمجتمع والحياة. والضّرورةُ هي انتشالُ الإنسان، مَن هو على صورة الله ومِثالِه، من أوحالٍ هي فيه وهو فيها، يتناغَمان حياة ومصيرًا. ألعمَلُ الخَلاصيُّ هو هذا: ألانحدارُ، عَبْرَ الجسد، انطلاقًا بالإنسان نحو العَلاء. ألرّحابة المطلَقة.
هذا التَّجَسُّدُ الخَلاّقُ، فِعلُ اتّضاعٍ مُحِبّ، وفِعلُ تضحيةٍ سامية. بهما: ألتَّواضُع والتَّضحية، بدأت مسيرتُنا الخَلاصيّة. كلّ يوم تبدأ. تُصبِحُ حياتُنا اليوميّةُ، العمليّة، مسيرة خلاص فِعليّة، ليست تحتاج "تَذَكُّرَ" ميلاد، أو "ذكرى" تَجَسُّد.
لهذا تَجَسّد الله. بهذا المقدار كانت محبّته. ألمحبّةُ الكبيرة، الخصبةُ، غلاف الكون. هذه رغبةُ الله، وطموحُ الإنسان الواثقِ، النّاضج، الرّائي. يستطيع الإنسانُ، هذا، أن يكون شريكَ الله، "هنا" و"هناك". تكون الأرض مملكةَ الإنسان والله، ويكون النّعيم مملكة الله والإنسان. هما شريكان برغبة إلهيّة، عَبْر التَّجَسُّد، وبطموح إنسانيّ، عَبْر الرّؤيا. ألتَّجّسُّد، من هذه الرّؤيةِ، رؤيا مشترَكة. واجبٌ إلهيٌّ، فِعْلُ محبّةٍ كاملة، فائقة. ضرورةٌ إنسانيّةٌ، فِعْلُ تَسامٍ صافٍ، مَوّاج.
حَتّامَ يستمرّ التَّجَسُّد؟ ألتَّجَسُّد أعجوبةٌ، سِرٌّ، لامحدودان. لا ينحصران ببَدء ولا ختام. ألبّدءُ يكون لـ"مادّةٍ" محدودة ببَدءٍ وخِتام. ألتَّجَسُّدُ لا بَدْء له، ولا خِتام. إنّه فِعلُ استمرارٍ حَيّ. لهذا لا يكون "الميلاد" كما دَرَجَت العادةُ: "مناسَبةً"، أو "ذكرى"، ولا بـ"التَّذَكُّر" يُستَعاد. إنّه "حياةٌ" دائمةُ الفَوَران، الفَيض، الحياة.
و"الميلادُ" في الفِكر والقلوب والنَّوايا والطَّهارة يكون. هذه حالاتٌ/نِعَمٌ تدوم. تُحْيا. ألحياةُ استمراريّة لا انقطاع فيها. لا يرمز الميلاد إلى التَّجَدُّد. ليس هو تَجَدُّدًا. ألتَّجَدُّدُ ليابسٍ، لميتٍ، لمُنطفىء. هذا إن حدث. لكن: لن!
ألمُتَصالِحُ مع نفسِه، مُتَصالِحٌ مع السِّوى، مع الكائنات، مع الكون. هذا، في ميلاد دائم، يحيا. يكون ارتقى فوق العيش. يحيا، هذا الإنسانُ، نِعمةَ الطُّمأنينةِ والسّلام. ينعم بهالةٍ نورانيّة شفيفة تُشير إلى "ضيائه". ألإنسانُ "المُضيء"، قريبُ اللهِ، وربيبُه. به يعتزُّ الله ويرفعُه إلى الأرحب. فيفرحُ، بل يسعد، ويستمرّ الميلادُ، فيه، تلك السّعادةَ/النّشوةَ المَرجوّة بالاندفاع الأقوى، والعزم الأجدى، والحُبّ الأرقى.
ألا إنّ الميلادَ نمطُ حياةٍ، حيّة، فاعلة، مُنْتَشِية. إنّ الميلادَ إيقاعُ الحياة، إيقاعُ السّلام، إيقاعُ القِيَم. فيكون العمرُ فُسحةً رحبةً للحُبّ والرّجاء.
ألثّلاثاء 14/12/2010