شعراء الحوليات وشعراء الأسبوعيات..!

شاكر فريد حسن قرأها 3,177

شعراء الحوليات وشعراء الأسبوعيات..!

المتأمّل المتمعِّن الراصد للمشهد الشعري الراهن، يخرج بانطباع واستنتاج وجود نوعين من الشعر يقفان على طرفي نقيض، أحدهما بالغ الروعة والجمال والجزالة، والثاني بالغ التفاهة والسطحية والضحالة.

أحدهما يحلّق في آفاق الكلمة الجميلة المشحونة بالانفعال العاطفي وإشعاع الإبداع الحقيقي واللفظة البارعة والصورة المبتكرة والخلابة، والآخر يسف إلى حد السقم والابتذال والهشاشة والسطحية.

الأول نظيف وأنيق المبنى والشكل مشرق الخيال، والثاني مريض الخيال والصورة وسقيم الذوق والاحساس معاً.

حين كنّا نقرأ أشعار المتنبي والمعرّي وشوقي وألشابي وجبران وعلي محمود طه كان يرهف الوجدان، لأن كتابتهم الشعرية تشعرنا بالسمو والنشوة، ونحس بأن شيئاً يستحق الالتفات والاهتمام والقراءة.

فالقصيدة فنّ إبداعي رفيع ، قريب من وجدان الناس وعقولهم، وهي في ذاتها معاناة وصراع عنيد بين الذات الشاعرة وبين محدودات الوسيط التعبيري وقيوده، إنها ليست نتاج لحظة مقطوعة ولا تتمّ في جلسة واحدة، إذ يمكن أن تستغرق كتابتها أياماً وربما شهوراً، وقد يعود إليها الشاعر بنظرته وحساسيته الشعرية، فيضيف ويغيّر ويحرّف ويعدّل، ولو اطلع الناس على المسودّات للكثير من القصائد والروائع الجميلة لرأوا في ذلك عجباً.

ولكن القصيدة في أيامنا هذه أصبحت سلعة رخيصة خالية من الذوق والجمال، وفقدت السمو والخيال والجمال، وهمّ الشاعر يبدو هماًّ لنفسه بينما في الماضي كان همّه هو همّ الأمّة كلّها. كما أن شاعر الماضي كان يكتب قصيدته حين كانت تلح عليه الفكرة وتختمر في فكره وذهنه وخياله الشاعري، وكان يكتفي بقصيدة كل فترة، بحيث يوفر لقصيدته كل أسباب الجمال والفنية، وكان يقضي حولاً في نظمها وتهذيبها وتشذيبها، ولنتذكر الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، رجل العقل والرصانة الذي نسبت اليه " الحوليات"  وكان يرمي إلى النفع في شعره وينظم القوافي لإرضاء الفن الصافي الراقي وليس لارضاء الحاجة الشعرية فيه، ولأجل ذلك كان يأخذ شعره بالتنقيح والعقل والتهذيب وكأنه يتفحّص ويتمعّن كل قطعة من قطع نماذجه فيتعب في التحضير تعباً شديداً، بينما شاعر اليومفنجده يكتب أكثر من قصيدة في الأسبوع وربما في اليوم، فتأتي قصيدته فجة ضحلة ركيكة المعاني، تكرّر نفسها وتفتقد للجمال الفني. كذلك شاعر الأمس كان يجمع قصائده بين حين وآخر ويصدر ديوان شعر كلّ شهرين أو أكثر بقليل طمعاً بجائزة تفرّغ أو إبداع!

وأيضاً، كان الشاعر يكتب قصائده للناس ويقرأها على مسامعهم، بينما اليوم نجد الشاعر يكتب لنفسه وحباً بالشهرة الرخيصة الكاذبة وكي يرضي غروره الزائف، فأصبحت كل مجموعة من الشعراء تجتمع وتؤسّس شلّة أو جماعة أدبية، يقرأون أشعارهم لبعضهم البعض، ثم يكتبون أخباراً عن لقاءاتهم وقراءاتهم الشعرية ويوزعونها بالجملة على المواقع الالكترونية والصحف المطبوعة.

يمكن القول أخيراً أن الشعر بحاجة إلى الموهبة الجياشة والتجربة الحياتية الغنية والثقافة الحقيقية واللغة الفنية والموسيقى، كذلك بحاجة إلى التجربة المتفردة التي تعطي للقصيدة طعماً خاصاً لم نتذوقه في أية قصيدة سابقة، فهل يقتدي المتشاعرون بمن سبقهم من شعراء فيتحولون من شعراء أسبوعيات إلى شعراء حوليات؟!