حين يُـحِـبُّ الشاعِـر - أزرار-
حين يُحِبُّ الشاعر
كان لمقطوعة الشاعر هنري زغيب "حين يُحبُّ الشاعر" صدى طيبٌ لدى القراء، بصدورها في قسمين ("أزرار 674"و "أزرار 675") منشورةً صباح السبت في جريدة "النهار" اللبنانية على أُسبوعين متتاليَين نظراً لالتزام الكاتب بالفسحة المخصصة له في زاويته "أزرار".
ونظراً لانسياب المقطوعة في سياق واحد، نعيد نشرها موحَّدةً تجمع القسمين معاً.
.jpg)
لَم أَكن أَعرف أنّ الخوفَ رديفُ الحب، حتّى أحببْت.
لَم أَعرف الخوفَ يوماً في حياتي، إلاّ من يوم أحببْت.
أيكون أنّ الحبَّ خَسِعٌ إلى هذا الحدّ؟
أيكون أنّ الخوف قويٌّ إلى هذا الحد؟
كيف يكون الخوفُ ذئبَ الحب؟
وما الذي يقتلُ هذا الذئب؟ ومَن؟ وكيف؟ ومتى؟
أيُّ عشتار تُنْقِذُ أدُونَها من مَخالب الخنزير البرّي؟
العاشق - العاشق الحقيقيّ المخْلص - يندفع في دُروب حبّه لا واعياً إلاّ حبيبتَه،
لا قاصداً إلاّ حُضورَها،
لا ناشداً إلاّ رضاها،
لا سائلاً إلاّ البقاءَ معها في نعمة هذا الرضا.
ذاك هو العاشق العادي.
فكيف إذا كان الشاعر هو هذا العاشق؟
عندئذٍ يتغيّر كلُّ إيقاع.
يلتهب الوهج.
يَقْوَى زخمُ الاندفاع العشقي.
***
حين يُحِبُّ الشاعر،
يتماهى الشاعر فيه بالرجل.
يتصالحان، يتواطآن على قهر كل ما يتأتّى ولا يُرضي الحبيبة.
يصبح الرجلُ وازعَ الشاعر، والشاعرُ قائدَ الرجل، وكلاهما حارسٌ على باب هناءتِها.
حين يُحِبُّ الشاعر،
لا تعُودُ الحبيبة أمامه، ولا في جهة منه، بل حوله دائرةً تُسَوِّرُهُ فلا يرى إلا إليها،
وأينما تَلَفَّت تكون هي الرؤية، وكيفما قارب حلماً تكون هي الرؤيا.
حين يُحِبُّ الشاعر،
يدخل في حالة نيرڤانيّة تامة كاملة انخطافيّة يراه السوى فيها "منخطفاً إلى"، بينما هو "منخطف في".
فالحبيبةُ وحدها الحالُ الثانية التي تنقُلُه من كلّ هنا إلى كلّ هناك،
حيث الفردوسُ الموعود سُكنى السعادة في نُعمى الحبيبة.
حين يُحِبُّ الشاعر،
يُصبح شعره في خدمة حُبّه بعدما كان كلُّ ما لديه في خدمة شِعره.
يُصبح حُبُّه هو السيّد الْمُطاع الذي يُملي كلّ مَشاعر الشاعر من أيّ منحى كانت.
يُصبح حُبه هو الدافع والوازع.
يُصبح الصوت ويستصدي كلّ سوى.
حين يُحِبُّ الشاعر،
تولَد القصيدة مرّتين:
أُولى من الحبيبة والأُخرى من الشاعر.
وبين الولادتَين سُرّةٌ واحدةٌ من لحظةٍ ساطعةٍ يشكّلها الصّدق الشفيف.
حين يُحِبُّ الشاعر،
يُصبح الوقتُ سماءً يَملأُها بالانتظار والتَّشَوُّق:
إذا وَعَدَتْه بالْمَجيء ينتظر، وإذا جاءت يغتلي انتشاءً ومراتعَ غبطة.
حين يُحِبُّ الشاعر،
يُصاب بضِيق النَّفَس.
لا يعود يحتمل مساحات الانتظار.
الدقائق عنده عذاب. تَتَسَلْحَفُ بطيئةً على نبْضه حين لا تنفتح أمامه على لقاء الحبيبة.
لا يحتمل الانتظار. يريدها حَدّه، معه، فيه.
إذا وَعَدَت بالْمجيء اغتبط وراح ينتظر. يغتبط أنه ينتظرها.
يتوقّف في وقته الوقتُ وهو ينتظر.
الشاعر يعرف أن ينتظر،
وأن يَملأَ الوقت بالانتظار وباستعادة كلماتِها: "غيابُكَ يُرهقني، ويُربكني حُضورُك".
وإذا تأخَّر مَجيئُها يَخاف.
يَخاف ويَفرح.
يَفرح أنه يَخاف.
والشاعر يعرف أن يَخاف.
ويفرح أنه يعرف أن يَخاف بقدْرما يعرف أن يُحب.
حين يُحبّ الشاعر،
يستيقظُ فيه الطفل الذي كانَهُ، وظَنَّ أنه لن يعود.
طفلٌ يهرع، ينفعل، يَحرَد، يغضَب، ينجرح للأقلّ، يطلُب الأكثر.
يُلِحّ، يَخرج منه وَقار العمر، يدخل إليه نزق الطفولة.
ترِقّ شفافيّته، ترِقُّ، ترِقُّ حتى حافة الانكسار.
حين يُحبّ الشاعر،
تكثُر كذباتُه البِيض، لا سوءاً بل هرباً من مواقفَ تُغضِبُ حبيبتَه.
الشاعر لا يكذب.
الشاعر يهرب الى ما هو قبالة الصدق، حتى لا يقف قبالة حبيبته في موقف يُغضِبُها.
وهي تعرف ذلك إن كانت، حقاً، تعرفه، فتغفر له "شيطناته الطفولية"، وتعود تغمره بحنان الأُم فتتحوَّل، وهي تغمره، الى طفلته الأُغنوجة.
كلُّ ما يفعلُه، يفعلُه لأنه يُحبُّها.
فوق كلّ حَدّ.
فوق كلّ وصف.
فوق كلّ اتساع من كلمات أو عواطف.
يُحبّها ويقولُ لها.
يقولُ لها ويكرّر.
يقولُ لها ويظلُّ يقول لها.
يخافُ أن تغضَب ويقولُ لها إنه يَخاف أن تغضَب.
إذا أخطأَ يهرع ويعتذر. وإذا أخطأَت يدّعي أنه هو الأَخطأ.
تزعل؟ تهجُره القصيدة. تبتعد. يقوِّس ظهرُه من الهَمّ والوِحدة والهَول.
ترضى؟ تنتصب قامته، يقوى صوتُه، ترشقُه الحياة بِنَدى الحُب. ينتعش. تعود إليه القصيدة.
حين تكون معه لا تكون "معه". يكون هو أمامها. في ذهول الفرح. في انْخطاف العبادة.
في انبهارِ مَن لا يصدّق أنه يُعطى هذه النعمة، وأنه عاش حتى استحقَّ هذا الحب الذي وصل بعدما كان يكتب عنه وإليه متخيِّلاً إياه كي يسكن في دفئه.
يقول لها نبضَه اللاهبَ بالحُب.
كلَّ ما في شرايينه من شوقٍ يقول لها.
يلهف في الكلام. يكرّر الكلام.
وقد ينتهي الكلام فتكمله هي، أو تبدأُه هي، أو تختصره بلمسةٍ على جبينه.
يدُها على جبينه؟ ينظر إلى وجهها. إذَنْ هو ينظر إلى فوق. إلى السُّمُوّ الأعلى. الى الكائن الأسمى، الأكمل، كما يراها وكما كان توّاقاً الى أن يكون أمام كائنٍ أسمى. أمام "كائنه" الأسمى.
أُسوةً بالإنسان الذي من أول ما كان، راح يبحث عن كائنه الأسمى.
وها هي حلّت في عمره فتساماها كائنَه الأكمل. وأخذ يؤمن بها إيماناً مطلقاً له ولشِعره.
يكتُب وتَقرأ. كأنما يكتُب كي تقرأ. كي تكونَ هي قارئتَه الأولى. ناقدتَه الأُولى. يَثِقُ بقراءاتها الثاقبة. يستسلم لها.
تَقْرأُه وتُقرِئه معاً. وهو يكتب بها وفيها ومنها ثم إليها.
ويحفظ عنده كلّ رأْي تكتبه. كلّ كلمة تَخُطُّها على قصيدته أو نثريّته.
يحفَظ عنها كلّ شيء. ويَحفَظ كلّ شيء منها، كلّ دمعة، كلّ صورة، يَجمع لها صُوَراً وكلاماً، قصاصاتٍ بِخطّها، لُماماً من أثرها، متروكاتٍ من عبَقِها يَجعلُها أيقوناته ومقدَّساته. يبارك بها غرفته ويتبارك بها صباح مساء.
قد تتأخّر لتَصِل. قد يلتقيها في خريف العمر.
لكنها، حين تأتي، تكون استثنائية. وتتغيّر حياته. كلُّ حياته.
الحُبّ يُغيّر. وحدَه الحُبّ يُغَيِّر.
وها الحبّ غيّرَه. نقّاه من غبار السنوات المالحة. عرّاه من جميع أقنعته.
غَسَلَه من الرواسب والطحالب. رفعَه إلى نُضجٍ أعلى.
خلَق فيه الربيع الجديد. خنَق فيه الذّئب العتيق.
***
حين يُحِبُّ الشاعر،
يَصيرُ الشعر أحلى،
يَصيرُ الحبّ أحلى،
تَصيرُ الحياة أحلى.
أيها الشاعر:
حَبيبتَك،
حَبيبتَك،
حَبيبتَك،
ثم شِعرَك.