قصة مغترب محرداوي

مفيد نبزو قرأها 1,096

قصة مغترب محرداوي 

حدثني السيد ابراهيم فاضل درويش أبو فاضل قال:

حدثني والدي قال: بعد وفاة والدتي سنة 1898، كان عمري 15 سنة، وكانت الهجرة إلى الأرجنتين في أوجها، وكان التسجيل عند شخص من حماة، دفعنا له عشر ليرات ذهبية وليرتين ثمن الطعام فحدد لنا زمن الرحلة، وكنا ثلاثة من محردة: فاضل درويش وشخص من بيت الشكودري وشخص من بيت هابيل، وفي اليوم المحدد نزل معنا إلى حماة الأهل والأقرباء لتوديعنا في خان فضة الزرزور، وقبل الفجر أحضروا لنا البغال والجحاش كل اثنين على بغل أو جحش، وانطلق الموكب إلى طرابلس لبنان، وكانت المحطة الأولى في حمص قبل الانطلاق إلى طرابلس، ثم تابعت الرحلة طريقها وأول ما رأينا البحر قلنا: "يا بيي هالعاصي شقدّ في مي"، وكل شي سِمِعْنا صار يسأل (ما هو العاصي)، ونحن ما رأينا في حياتنا مجرى فيه ميّ أكثر وأكبر من العاصي، ومن طرابلس.. ركبنا المراكب الشراعية وتوجهنا إلى بيروت، وفي بيروت انتظرنا ليلتين الباخرة التي تقلّنا إلى مرسيليا –فرنسا– وكانت الباخرة مؤلفة من ثلاثة أقسام: قسم للحبوب كان محلنا فيه، وقسم للعموم فيه كافتيريا، وقسم

للذاوات. انطلقت الباخرة من بيروت في عرض البحر إلى أن وصلنا مرسيليا بعد ثلاثة أيام، وبقينا ثلاث ليال في مرسيليا ريثما يبدلون الباخرة لكي تنطلق بنا في المحيط.

انطلقت بنا الباخرة باتجاه الأرجنتين، وبقينا سبع وعشرين ليلة لم نشاهد فيها إلا سماء وماء، وفي الباخرة  كنا نلاحظ جماعة يلعبون بالقمار فتصورنا أنه يمكن أن نربح، فجمعنا المصاري من بعضنا لنلعب بها ظناً منا أننا سنربح، وفعلاً ربحنا قسماً بسيطاً، أما في الليلة الثانية ربحنا كثيراً بما يعادل المبلغ أربعة أضعاف، فاتجهنا إلى تغيير طعامنا وشرابنا، واستعدينا لخوض المعركة مرة ثالثة فلعبنا وكانت النتيجة أن خسرنا كل ما نملك، واستعطفنا اللاعبين ليعطونا قرشين نصل بهما، ولكنهم رفضوا رفضاً باتاً، وفي اليوم الثالث وقفت الباخرة على البار ونزلنا منها ومعنا بطاقة فيها العنوان الذي سنذهب فيه إلى القطار الذي يقلنا إلى أمبر كاسيون، وكانت وسيلة النقل إلى القطار عربة تجرها ثلاثة خيول، فلما لم يجدوا معنا أجرة أنزلونا من العربة، وصرنا ندور في شوارع بوينس آيرس أردنا أن نستعطي الناس فلم يفهموا علينا ولا على لغتنا ولذا لم يعطوا الموضوع أدنى اهتمام وأصبحنا نسد جوعنا من البساتين، وننام على الأرصفة، وفي اليوم الثاني ذهبنا مشياً إلى محطة القطار التي تبعد أكثر من عشرة كيلو مترات، وبذهننا أن نقول لسائق القطار أوصلنا إلى هذا العنوان وهناك أقاربنا يدفعون لك الأجر، فلم يقبل أن يصحبنا معه بدون أجر، فعدنا دراجنا إلى المدينة وهناك تابعنا رحلة التشرد والعذاب والضياع، وكم اشتهينا لو يوجد شخص واحد يتكلم العربية، وبعد اليأس المرير ونحن نتكلم بالعربية صادفنا شخصاً فتكلم بالعربية: من أين أنتو، فتمسكنا به ونحن نبكي: يا ول منشان الله.. فطمأننا وقال: "لا تخافوا أنا عربي من زغرتا بلبنان، وسألنا "من أين أنتو" فقلنا له: من سوريا فقال: بتعدُّوا عشر محلات والمحل الحادي عشر صاحبه من زغرتا غني كتير صاحب السوبر ماركت، أنا كنت شريكه والآن انفصلنا لذلك مافيني روح معكم، فاستعطفناه أن ينتظرنا ولا يتركنا حتى  نعود، وتوجهنا إلى السوبر ماركت وكنا نرتجف، وذقوننا طويلة وثيابنا مهترئة، وعلامات الإحباط على وجوهنا، فاستقبلنا أحد الصناع وهم كثر وكان سيطردنا ويمنعنا من الدخول، فسمعنا صوتاً من الداخل ينادي لنا: "تعالوا .. تقدموا.." بلغة عربية، وينادي ذلك الصانع اتركهم، وتقدم صوبنا وهو ينادي: "تعالوا تفضلوا.. من أين أنتم"، وقبل أن نتكلم أي حرف أمسكنا به وأجهشنا بالبكاء فاحتضننا وصار يبكي معنا، ويقول: "لا تخافوا يا عيني أنتو وصلتوا"، وبعد أن أمسكنا دموعنا قلنا له: "نحنا من سوريا.. من محردة"، فقبّلنا وأدخلنا إلى مكتبه، وقلنا له: "نحنا مهفيين من الجوع"، فأرسل أحد الصناع وأتى بصينية فيها لحم مسلوق وخبز، ومن شدة الجوع ما كنا نصدق أن اللحم والخبز سيكفينا وجلسنا نأكل حتى شبعنا، ثم شرحنا له الحالة التي نحن فيها وأين نحن ذاهبون، فأرسل أحد عماله إلى محطة القطار وأتى بثلاث بطاقات أعطانا إياها مع مصاري خرجية عالطريق، وأركبنا بعربة تجرها ثلاثة خيول إلى المحطة، ووصلنا المحطة عند مغيب الشمس، وأفهمونا بأن القطار سيسير ليلا ونهاراً وليلاً وعند الصباح نكون في أمبر كاسيون، فاصطحبنا شخص إلى مكاننا في القطار، وإذا نحن في أفخم وأفخر مقصورة، وهناك بلشنا الضحك على بعضنا، وجاؤوا بالطعام الشهي، والشراب اللذيذ فأكلنا وشربنا ونحن نقول: "أوه.." ونمنا على الأسرة الفاخرة، وقضينا ست وثلاثين ساعة في هذه المقصورة، وعندما وصلنا محطة القطار نزلنا، وأخرجنا البطاقة التي فيها العنوان، وأعطيناها لصاحب العربة ونقدناه الأجرة، وسارت بنا العربة إلى أن وصلنا، وكان الخال جرجس منصور القاموع جالساً على كرسي صغير بجانب محله، طلَّع شافنا ركض لاقالنا وقال: "الله يخرب بيتكن، أين كنتو يا مجانين؟!، بتنا ثلاث ليال في بوينس آيرس ننتظركم ونسأل عنكم، ووصلت الباخرة ونزل الكل وأنتو ما نزلتوا، فسردنا له ما جرى لنا: وقال الحمد لله على سلامتكم، والآن أصبحتم في ذمتي".

هذه قصة أبطالنا في المهجر وما عانوه من فقر وما ذاقوه من تشرد وعذاب وضياع. كم تعرضوا للمخاطر والويلات كل هذا في سبيل أن يعودوا ليغرسوا في تربة وطنهم ثمار أتعابهم وخلاصة ماجنوه من مرارة عمرهم وشقاء حياتهم.

محردة