قراءة في مؤلف الراحل علا عيسى "إضاءات على عالم أدونيس"

شاكر فريد حسن قرأها 1,332

قبل فترة وجيزة، رحل إلى عالم الخلود الشاعر والصحفي علا عيسى، ابن بلد الشهداء كفر قاسم، بعد صراع مرير مع المرض وهو في قمّة وأوج عطائه الأدبي والثقافي.

والراحل كان شاعراً وأديباً وباحثاً وموثقاً وصحفيا ومترجماً، تميّز بالتواضع الإنساني الجمّ، ولم يتقن "العلاقات العامة" ولا "التسويق الإعلامي" وبقي بعيداً عن "الشللية" و"جوقات الطبل والزمر"، ولكن رغم ذلك فرض حضوره الأدبي الواعي في الساحة الأدبية والثقافية في الداخل الفلسطيني. وقد أشغل مناصب إعلامية وعرف بدوره في تفعيل النشاط الثقافي والعمل الإعلامي في بلده والمثلث الجنوبي، ومشاركته الدائمة في مختلف المناسبات الوطنية والثقافية والجماهيرية. وتقّلد منصب سكرتير تحرير صحيفة "العجمي" التي كانت تصدر في يافا، ثمّ في صحيفة "القنديل" و"صوت الجماهير" التي رئس تحريرها.

صدر للراحل مجموعة من الكتب والمجامع الشعرية، وهي "ظلال العتمة الأخيرة، مداخل إلى فهم القصة، النص المجاور ومرايا النص، هي التي بعثتني رسولاً، صباح الخير يا وطن، طائر تستهويه لبّة الشمس ، هكذا تكلّم نيتشه، كفر قاسم الأحداث والأسطورة، ديوان الشهيد، وإضاءات على عالم أدونيس".

في كتابه "إضاءات على عالم أدونيس" يلقي الراحل علا عيسى الضوء على دنيا وكتابات الشاعر والناقد علي أحمد سعيد المعروف بـ"أدونيس"، والذي يعتبر أحد كبار الشعراء والمنظرّين للنقد والشعر العربي مؤكّداً في مستهل الكتاب "أنّ الكتابة لدى أدونيس في تحوّل دائم انطلاقاً من الفلسفة القائلة بأن كل شيء ينشأ ليزول وينشأ من جديد، وأنه في رحلته وسفره الدائم نحو تحقيق ذاته يريد الوصول إلى النقطة البريتونية حيث يكون بإمكانه التحرّر من اليأس القاتم الذي يسيطر على شخصيته البنيوية المفعمة بتناقضات العالم، وهناك، عند تلك النقطة، سينطلق نحو بناء عالم جديد في جميع المستويات السياسية والشعرية".

ويتابع علا حديثه عن أدونيس من خلال مؤلّفه "الكتاب" فيذكر أن "التاريخ لدى أدونيس عبارة عن ذاكرة ماضي أو ذكرى على اعتبار أنه جزء منه ويسكن فيه، وهو فقط في ذاكرته ولن يقبله ولا يستطيع تقبّله إلاّ في هذه الحالة، أي ذاكرة، أو يحوله إلى ذكرى وذاكرة".

وعن الإبداع واللغة في الكتاب فيرى علا "إنّ ما يأسرنا في كتابات أدونيس تعدّد المتناقضات في مسيرته الشعرية والنقدية أيديولوجياً وفكرياً، تنظيراً وممارسة، وإنه ينفخ في رحم اللغة تفرّده المستهدف قعر اللغة وسقفها في آن معاً وتنكسر الرتابة والألفاظ على بوابة العشق الأزلي لديه في كتابة من نوع آخر تخلخل المفاهيم السائدة في إمكانيات اللغة وتوظيفها ومدلولاتها".

    يحدثنا علا عن حياة أدونيس فيسجل بأنه من مواليد سوريا سنة 1930، وحاصل على إجازة الفلسفة من جامعة دمشق، وبدأ انفتاحه على الشعر العالمي في هذه المرحلة، وفي أواسط الخمسينات هاجر إلى لبنان واشتغل مدرّساً في المدارس الثانوية. ويفسر لنا معنى أدونيس وهو صيغة يونانية للفظة السورية الفينيقية والكنعانية القديمة "اأوني"اي السيد أو الاله". وفي الميثولوجيا اليونانية الكلاسيكية فإن أدونيس هو معشوق أفروديت. ويضيف بأن أدونيس شارك في تأسيس مجلة "شعر" سنة 1957، وفي عام 1968 أسس مجلة "مواقف" التي مازالت تصدر حتى الآن، وفي عام 1973 نال شهادة الدكتوراة من جامعة القديس يوسف في بيروت عن أطروحته "الثابت والمتحول".

ويتطرق الراحل علا عيسى بعد ذلك لمجلة "شعر" التي استقطبت الكثير من الشعراء والروائيين والنقاد والكتاب العرب المرموقين، وحملت لواء التجديد في الشعر، وتمحورت كتاباتها في البعث والخلاص المستمد من التراث السوري القديم، وخاضت المساجلات والمعارك الفكرية والأدبية مع أدباء الواقعية الاشتراكية وهاجمت الموقف القومي المحافظ. مشيراً إلى ان المجلة اغلقت سنة 1964 بعد انفصال أدونيس عنها حيث دبّ الخلاف في صفوفها وعادت إلى الصدور من جديد سنة 1967 بهيئة تحريرها السابقة المكونة من: "يوسف الخال، فؤاد رفقه، شوقي ابي شقرا، عصام محفوظ، أنسي الحاج ورياض الريس". ثم يعرض إلى مجلة "مواقف" التي أسّسها أدونيس سنة 1968، واستوحى اسمها من كتاب للصوفي النفري، التي فتحت أبوابها لجميع التيارات القومية واليمينية واليسارية والدينية.

ويتوقف عند المصادر التي تأثر بها أدونيس فيرى أن الطابع الغالب على شعره في الفترة الأولى هو تأثره بالحضارة السورية القديمة ـ الفينيقية. وفي الفترة الثانية توجه إلى التراث العربي وتوظيف التراث، وفي كتاباته اللاحقة تأثر بالفكر الصوفي ثم يستعرض بعض الجوانب الفلسفية والفكرية عند أدونيس ويقارنها ببعض كتابات الفلاسفة أو الأدباء العالميين.

ويجري علا عيسى مقارنة بين أدونيس وبين المرحوم محمود أمين العالم، أكبر نقاد الاشتراكية في الوطن العربي مؤكّداً على أنه مع كون العالم ملتزماً بأيديولوجية معينة إلاّ أنّه يقترب بالكثير من الآراء والأفكار بأدونيس بما يتعلق بتعريف الإبداع الأدبي وقضية الشكل والمضمون في العمل الادبي. كما يتصدّى للانتقادات الموجهة من قبل القوميين العرب واتهامه بالانعزالية موضحاً أنّ أدونيس لم يفصل نفسه عن الواقع العربي وهمومه، فهموم الإنسان العربي وآلامه وطموحاته هي هموم وآلام وطموحات أدونيس، الذي ينطلق في معالجته لقضايا المجتمع من رؤية ابداعية حرة تعتمد على الحرية دون الانطلاق من الجماعة.

وفي باب "أدونيس وجناية الرواد" يشير علا عيسى إلى أنّ أدونيس أحدث هو وجماعته هزّة في الرؤية النقدية وفي الشعر، وهذه الهزة مدمّرة وقوّضت مساحات من البناء الفني والفكري، وكان له أثر سلبي على الحركة الشعرية، وكثير من الأصوات بدأت تقلد صوته وشعره ونقده حتى أصبح صاحب مذهب يسمى الأدنة أو الأدونيسية.

ويتعرض الراحل عيسى لقضية الغموض في كتابات أدونيس الشعرية مبيناً أنّ الغموض عنده ضرورة فنية من الدرجة الأولى ويريد الشعر كالمرأة التي كان بها رغبة.

كذلك يقدّم قراءة تحليلية ونقدية لقصيدة "الفراغ" التي كتبت في فترة أودع فيها أدونيس السجن لمدة عام، معلناً أن القصيدة سياسية ـ اجتماعية تدور حول أوضاع الأمة العربية، وتتضمن موقفاً نضالياً رافضاً لكل ما هو قائم على غرار الرفض الومنتيكي. ثم يتناول الصراع بين القديم والجديد في الأدب ومحاور الاختلاف بين أنصار القديم والجديد، والأصالة والتجديد، والحركة النقدية وأزمة الشعر والنقد، ويوضح بأننا نعيش واقعاً إجتماعياً وسياسياً له خصوصياته لذلك علينا التعامل معه وفقاً لتلك الخصوصيات ومن الطبيعي في مثل هذه الظروف حدوث أزمة على جميع المستويات ونكوص في الفكر والابداع.

وينهي كتابه برصد لمؤلفات أدونيس وشهادات عنه مأخوذة من الكتاب الوثائقي الذي أصدره معهد العالم العربي في باريس.

وفي النهاية، فإن هذه الدراسة للراحل علا عيسى تشكل إضافة نقدية ونوعية تثري أدبنا، باعتبارها مرجعية أدبية عن واحد من أبرز المبدعين في العالم العربي. ورحمة الله على علا الذي "اجتاز الجسور إلى عالم في الطرف الآخر".