ألقدس - إلى روح الشاعر محمود درويش
ألقدس
فرح الزيتون في مأتم الإله
والزيتون جنازة اللون في عرس المعصرة.
الزيت سرّ الأسرار في رحلة شقاء الفلسفة
و الفلسفة عندما تشقى تتعثّر بالغيب
الزيت والإله.. من منح القداسة للآخر؟؟
لو لم يكن هناك زيتونا وزيتا.. ماذا نسمي الإله؟؟؟!!
قلْ :
النبوءة ولدت من وحي الزيتون
فكان الزيت والمسّاحون والممسوحين..
و النبوءة قميص البيئة خيال القدس
كتبها في أسفارٍ أنبياء.. أم سرقها شعراء
و قلْ:
شجرة التفاح في الفرّدوس تقمّصت شجرة زيتون في القدس
يا لشهوة الخطيئة..
فالقدس مباركةٌ لك يا كنعان أنت من غرست الزيتون
لك السر والوحي والأرض والإله
***
ألقدس
فرح يهوه في مأتم الإنسانية
ملعون أنت يا كنعان باسم العابرين..
هنيهة!! العابر عدو المقيم.. والراعي عدو الزارع
والحاضر يد ثقيلة تمسك بظهر التاريخ
والتاريخ لا يلتفت للخلف ولن يلتفت
فهو عدو الاتجاهات و صديق الأمام
و المقيم تجلّى:
مفصلٌ بين ضفتي نهر، بين شاطئي بحر
لعبة للكلمات واللغات والثقافات والسلالات المتقاطعة
عضو عبور لجسر ولادة..
فكانت ثقافة الوصل
وكان قدموس وفي جيبه أبجدية
وكان يسوع وعلى راحتيه قضية
***
العولمة العمياء
تحطيم للجسور.. ردم للبحر.. مربعات عمياء في لعبة الأمم المتقاطعة
سنكون بلا ضفاف بلا ألوان بلا أشعار بلا أشرعة
ألسنتنا ستبصق الوحل عندما نتكلم
وأنوفنا ستصير معبرا للذباب
وسنغرق في الرمل..
ونوح هذه المرّة
لن يحمل معه زيتونا ولا كرمة ولا نسل ملكي صادق ولا يوحنا المعمدان.
عولمة الدّهن و الشمّ
وليمة سياسية وخمة على أرض النحل وزهر الليمون ونبوءة الزيتون
في الصحون لبن النوق المخصّبة بالمنيّ الأسود
و الملاعق صنّعت في مصانع الشهوة من آيات التوراة والإنجيل والقرآن
لها قرقعة الفراغ وفراغ الروح للعق الدم واللبن ..
يا لغباء الوريث وشقائه يا كنعان
***
وما همّك يا قدس
تؤلفين البطولات وتشقّين دروب الجلجلة كما يلدن النساء في الحصيدة
من أين لكِ كل هذا الصبر يا أيوب المدن؟؟
من أين لك هذا العصيان؟
إن قضموا القاف فيك فهل يقضموها في دمشق والعراق..؟؟
سيموتون بالاختناق يقول تموز
ستذبل القاف في أقوياء وتسقط
كما يذبل ثؤلول من شدة ظمأه ويسقط
سيأوون عندها إلى قماش الرذيلة كالديدان
***
يا مدينة النهايات غير المختومة
أما من نهاية لهذه المحنة المترامية الآلام
أما من نهاية للدم.. فحتى الجرّذ يلعق دمه وهو يلحس المبرد
لماذا ترك قمامة الحضارة الفاخرة؟؟
لماذا يريد أن يبقى جرذا تحت طائلة المحارق واستدرار الشفقة؟؟
والشفقة في مطابخ التجّار الفجّار تلوين لسمّ الشراب
أما من صهوة لنبوخذ نصر مرّة ثانية على ظهر دجلة أو الفرات..
يفجّ اختلاط الدم والقيح..
يفكّ حصار المفاصل المتوّذمة المحتقنة..
يروي البقع الناشفة في قلب ودماغ الخليقة
بساقية دم ممنّع من شريان بابل من حبر أوغاريت من ماء الرّصافة
فبقايا السبيّ كالبصل أزغفت من العفونة والرطوبة بلا تراب... يا نبوخذ
أما من صهوة لناصري..
مرة ثانية يختم المقبرة بالقيامة على شكل حمامة
ويدلف مفتاح الروح في قفل الحرف
ويضرب بسوط الحرية
قفا الإله المقيم في بلاط التسلّط وهيكل الشهوة والعبودية
أما من يسوع يتجسّد مرة ثانية صديقا للإنسان
على هيئة كلمة لها أجنحة الغيم
تهطل في القلوب ماء الحبوب
تمحي الوصايا المقعّرة الجوفاء
و باسم ثالوث " النور والحق والحرية "
يوقّع إنجيل الإرتقاء
ما همّ أي طريق أي خلاص..
المعصية كبيرة.. و لسنا جيفة للديدان
سننقذك يا جليلة قبل أن يصاب جسد الإنسانية بالغرغرينا
و لو استغنينا عن خمسة أنبياء بخمسة وعود..
قالت الأرض:
السماء قبلة وعود الأنبياء الأتقياء وأنا ملكٌ للشعراء الأشقياء
***
يا مدينة العبور الأخير قولي لي:
لماذا أسرى وعرّج منك نبي السلام إلى السماء؟؟
هل لأن الله لا يستقبل أنبياءه إن لم يناموا ليلة في ضوء قمرك؟؟
أم لأن النبي يا مدينة المدائن بايعك وصيّة على الرسالة..
بعد أن شمّع كهف القبيلة بلغز الحضارة؟؟
فالنبي ليس حبة تمّر ولا رهنُ إصبع إشارة
النبي اسألوا القدس عنه.. أودع سرّه عند طفل المغارة