فتّش في دمائك عن السلم الموسيقي
كان صوت محمد عبد المطلب يصلنا ونحن صغار عبر الراديو فتصفه جدتي خديجة مطمئنة إلى رحمتها وعدالة حكمها: "حمار الإذاعة بيغني". مقارنة بكارم محمود وعبد العزيز محمود وعبد الغني السيد ثم عبد الحليم حافظ كان صوت عبد المطلب يبدو أجشَّ قبيحاً خشناً يفتقد عذوبة وطلاوة أصوات المطربين التي تذيب القلوب. باختصار لم يكن صوت عبد المطلب "جميلاً" بمعايير الجمال السائدة حينذاك، أضف إلى هذا أن وجهه كان يشبه حبة بطاطس ضخمة مليئة بالنقر. الآن، بعد أن غربل الزمن المطربين، واستصفي من الماضي أجمل ما فيه، يتضح أن عبد المطلب في القمة مع عدة أصوات قليلة. الجئير اليقظ في صوت عبد المطلب، والتفجُّر الذي تدور في فضائه أتربة الحياة، وخشونة الصوت المؤدي الأقرب للواقع، عاش أطول من الجمال الذي كانوا ينمّقونه بعناية وفقاً لمواصفات محددة. قدم عبد المطلب جمالاً من نوع خاص لا يبالي بالجمال المتعارف عليه، جمال مازال قادراً على أن يرجَّ المشاعر حين يغني رائعة عبد العظيم محمد "في قلبي غرام مصبرني على خصامك.. وطول بعدك". وعبد المطلب (1907 – 1980) فلاح جاء من شبراخيت إلى القاهرة وأصبح مذهبجياً (مردّداً) في فرقة محمد عبد الوهاب، ثم شقّ طريقه الخاص بأغنية "بِتِسْأليني بَحِبِّك ليه؟ سؤال غريب ما جاوِبْشِ عَليه؟" ثم قدم بعضاً من أروع الألحان المصرية على الإطلاق منها لحن العبقري حسين جنيد "ما بْيسألشِ عليَّ أبداً.. ولا بتْشوفُه عينيَّ أبداً"، وتحفة رياض السنباطي "شفْتِ حبيبي وفْرِحْتِ مَعاه"، وغيرها.
محمد عبد المطّلب
أحمد صدقي
ونحن كثيراً ما نفتّش في عقولنا لنرى أسماء كبار الكتاب الذين أثروا فينا، والتيارات والمذاهب الفلسفية التي شكّلَت رؤانا، لكننا قلّما نفتّش في دمائنا عن الموسيقيين الذين صنعوا وجداننا العاطفي، وارتبطت ألحانهم بكل لحظة عشق أو حزن أو فرح في حياتنا.
نحن لا نفتش في دمائنا عن السلم الموسيقى مع أنه الأشد تأثيراً في كثير من الأحيان، فالكتب والأفكار تظل مرتبطة بطبقة جديدة من العقل، أما الموسيقى فإنها مرتبطة بمراكز عصبية أقدم في تاريخ التكوين البشري. ولم تكن مصادفة أن يقول ابن خلدون إن أول ما ينهار من الأمم صناعة الموسيقى وصناعة المعمار. لكننا لا نرى، ولا نحاول أن نرى الألحان التي تصنعنا والملحنين الذين ألّفوها، لا نرى عبقرياً مثل الملحن أحمد صدقي (1916 – 1978) الذي حلّت ذكرى ميلاده في الرابع من هذا الشهر، وقد ترك ما يناهز خمسة آلاف لحن، إذا ذكرتكم ببعض منها ستندهشون وتعرفون قيمة ذلك الملحن العبقري. من ألحانه غنّت نجاة علي "إن رُحْت مَرّة تْزور عشِّ الهوى المهجور سلِّمْ على قلبي". هل ينساه أي منا؟. من ألحانه غنت ليلى مراد في فيلم شاطىء الغرام "رايْداك والنبي رايْداك.. أحلف لك بدمع العين.. ومالَكْشِ عليَّ يمين.. إن فاتت عليَّ سْنين.. ح أفْتِكْرَك وَلا أنساك"، وغنى له محمد قنديل "إنشاء الله ما أعْدِمك"، وليس هناك مطرب أو مطربة لم يلجأ لألحانٍ لأحمد صدقي حتى عبد الحليم حافظ وشادية.
وكان ذلك الملحن العبقري نحاتاً ومثالاً، التحق بمدرسة الفنون الزخرفية عام 1932 وبعدها بعام التحق بمعهد فؤاد للموسيقى العربية، وشارك في تلحين أغنيات ما يقرب من مئة وخمسين فيلماً، غير المَشاهد الغنائية التي قدَّمها للإذاعة، ومنها مشهد بعنوان "ياليل ياعين" عن قصة لأحمد علي باكثير إعداد نجيب محفوظ!. وقد ارتبط أحمد صدقي أيضاً بصوت محمد عبد المطلب الخشن، وبجئيره المحبب، فلحّن له رائعته التي مازلنا نرددها" أصعب على روحي لما أشوف حالي"! وأغنية "صحبة" وغيرها. والآن، بعد مرور نحو نصف القرن، يفتش المرء في دمائه، فيجد ذلك الجمال الحي الذي اغترف من أغاني الريف وأزقة المدن، ويرى أحمد صدقي وعبد المطلب في مجرى روحه وذكرياته وخلاياه.
أحمد الخميسي. كاتب مصري
ahmad_alkhamisi@yahoo.com