رجال حملوا السلّم بالعرض!
في الحياة، وفي الأدب والفنّ طبعا، سهلٌ أن تسير في الطريق المعبّدة. لكن صعب، صعب جدا حتّى، أن تثور على القائم المألوف: أن"تحمل السلّم بالعرض"، وتشقّ طريقا جديدة، لم يعرفها السابقون، ولا المعاصرون من حولك أيضا.
شقّ الطريق الجديدة مردّه ثقة بالنفس والطريق لا تتزعزع، واحتمال الوحدة والعزلة، والنبذ أحيانا. كثيرون بدءوا الطريق هذه وحدهم، مسلّحين بثقة بالنفس والطريق، ثمّ غدوا بعد شقّ الطريق والمعاناة، أعلاما يسير وراءهم كثيرون ممّن يؤْثرون السلامة وسلوك الطريق المعبّد الآمن. لكن ما فضل هؤلاء إذا ساروا في الطريق، وقد شقّه أمامَهم الآخرون؟!
جبران خليل جبران، مثلا، كان من الأفذاذ المذكورين. لم يأبه جبران بالمعارضة الضارية، والشتائم والتُّهم الباطلة التي رماه بها كثيرون من معاصريه المحافظين. كان جبران وقلائل من رفاقه حوله، واثقين بأنفسهم وطريقهم. لذا انتصروا ليأتي آخرون بعدهم فيخرجوا على طريقهم، ويشقّوا لهم طريقا جديدا، لا يلغي إسهامات سابقيهم، بل يبني عليها، ويتقدّم منها إلى طريق آخر جديد. لا ينقض بل يكمّل.
بل هناك أحيانا من "يسبقون عصرهم" حتى. في السياسة، وفي الأدب، وفي الفن. هؤلاء لا يذكرونهم، فيعرفون مكانتهم، إلا بعد رحيلهم غالبا. العبقريّ فان جوخ، مثلا، لم يعرف معاصروه قدره، ولم يعترفوا بموهبته إلا بعد أن قضى فقيرا بائسا! هؤلاء لا ينالون المجد والشهرة إلا بعد أن يواروا في القبور، و"تصير عظامهم مكاحل"! من هؤلاء في الأدب، مثلا، أحمد فارس الشدياق "جبّار القرن التاسع عشر" (1801-1887). كتبنا الكثير عن هذا المفكّر الفذّ ومواقفه في الحياة، والأدب خاصّة، ولا نرى هنا حاجة إلى المزيد.
بيرم التونسي أيضا هو من هؤلاء الأفذاذ الذين سبقوا عصرهم. كتبنا عن التونسي مقالة سابقة للتعريف بشاعر المحكيّة المصريّة الرائد، فلا ضرورة إلى الإعادة هنا. مع ذلك وجدتني أعود مرّة أخرى إلى هذه العبقريّة الشعريّة، أتناول فيها قصيدة رائدة ما زالت في أوراقي، لأنّها لم تجد مكانها في الحيّز الضيّق الذي أفردناه في المقالة تلك للنماذج المشرقة الكثيرة من شعره.
ما زالت في البال مقالة رائعة للدكتور محمّد النويهي بعنوان: "أيّها الرومانسيون: كفاكم اجترارا" من كتابه الرائد "قضيّة الشعر الجديد". المقالة المذكورة دأبتُ على تدريسها سنة بعد أخرى، لما فيها من أصالة ودعوة إلى التجديد. إلا أنّ التونسي سبق النويهي في ذمّ الاجترار والمجترّين. فللتونسي قصيدة قصيرة عنوانها "ياهْل المَغْنى"، يورد فيها ما قاله النويهي في المقالة المذكورة جادّا، بأسلوب طافح بالسخرية والتهكّم! في القصيدة المذكورة تعريض جارح واضح، بالموسيقار محمّد عبد الوهّاب وشاعره أحمد رامي، والأجواء الرومانسية الحالمة هناك. لكن لماذا مقدّمتي وتفسيراتي، والقصيدة صريحة نافذة، لا يعوزها الشرح ولا التفسير!
يااهْل المَغْنى - بيرم التونسي

يا اهْل المَغْنى دْماغْنا وَجِعْنا / دْقيقه سْكوت للّه
داحْنا شْبِعْنا كلام ما لُه معْنى / يا ليل ويا عين ويا آه
طِلْعِتْ موضِهْ غْصون وِبَلابِل / شابِط فيها حزين
شاكي وباكي وقال مش عارف / يشْكي ويبْكي لْمين
واللّي جابِت لُه الداء والكافيه / طَرْشَه ما هِشْ سامْعاه
يا اهْلِ المَغْنى دْماغْنا وَجِعْنا / دْقيقَه سْكوت للّه
ردّي علِيه يا طْيور بينادي / وارْمي لُه الجناحين
وانتَ كمان يا وابور الوادي / قلّ لُه رايح على فين
قل له إياك يرتاحْ يا بابوره / ويْريّحنا معاه
يا اهْل المَغنى دْماغْنا وَجِعْنا / دْقيقَه سْكوت للّه
كلِّ جَدَعْ فرحانْ بِشَبابُه / يْقول في عِنيْهِ دْمُوع
يا اللي جَلَبْتِ شَقاه وِعَذَابُه / حِلّي لِنا الموضوع
طالِعْ نازِل يِلْقى عَوازِل / واقْفَه بِتِسْتَنـّـاه
يا اهْلِ المَغْنى دْماغْنا وَجِعْنا / دْقيقَه سْكوت للّه
حافْضين عشْرَه اتْناشَر كِلْمَه / نَقْلِ مْنِ الجُرْنال
شوقْ وِحَنين وْأَمَل وْأماني / وْصدّ وْتيه وِدَلال
واللّي اتْعادْ ينْزاد يا اخْوانّا / وْليل وِنهار هوّاه
يا اهْلِ المَغْنى دْماغْنا وَجِعْنا / دْقيقَه سْكوت للّه
بروفسور سليمان جبران: الرئيس السابق لكرسي اللغة العربية في جامعة تل ابيب، ناقد وباحث له العديد من المؤلفات الهامة، من أبرزها: "الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب" و "التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة".