لحظة في الستين -
ذات يوم، وفي غفلة من الزمن، حط ّ بي القدر في منزل يجاور منزلها. فكنت كثيراً ما أحاول اختلاق الأعذار لنفسي كي أتأملها من نافذتي المطلّة على مطبخها، مع أنني كنت أكبرها بما لا يقل عن ثلاثة عقود من الزمن.
وحدث ليلة ميلادي الستين، حين ولجت غرفة نومي في ساعة متأخرة من الليل، واستلقيت على أرجوحة الأحلام، أن رأيت طيفها متجليَاً أمامي في صورة ضبابيَة رائعة. أربكني ذلك الجمال الرائع الذي شلّ إرادتي وأبقاني ساكناً لا حيلة لي سوى التأمل، ولفترة لست أدري كم طالت. بعدها ما وجدت نفسي إلاّ وأخاطب ذالك الخيال بلغة صامتة تتحاور فيها العيون فقط، وكلمات رائعة تقارب الحب في جمالها.
استمرّ الحديث بيننا هكذا لفترة طويلة. وكان يمكن أن يستمر على هذا النحو إلى ما لا نهاية. لكنَ قلمي أبى أن يترك الحوار معلَقاً بين حالم وساكن. فانبرى، دون إرادة مني، يخط لها رغباتي السرَية، غير آبه بالقيم والأعراف والمبادىء التي أحملها معي من البلاد، ولا مكترثاً بالصعوبات والعوائق التي تتصدَى لحبٍ بين رجلٍ في الستين وامرأة في الثلاثين:
"دعيني أحلم أنك لي………
أنا الذي سأموت دون أن يتحقق حلمي
دعيني أفتح قلاعك المحصَنة وأسرق من شبابك لحظات أغذَي بها عمري.
دعيني أشعر بأناملك الناعمة تنساب نسيماً هادئاً على جسدي، وشعرك الذهبي الأشقر يتماوج شلالاً فوق وسادتي
دعيني أمتطِ الريح وأحملك معي الى المجهول لنحتفي بليلة الحب، فأنسى أنني أشيب، أعيش حياة بائسة
لم أكن أعرف قساوتها قبل أن ألقاك"
ورحت أتساءل:
ما الذي يحمل قلمي بعد أن ودعَت عهد الشباب، وأوصدت بوجه الحب كلَ نافذة وباب، كي يضعني في موقفٍ مربكٍ، محرجٍ، مليءٍ بالإثارة والإشتعال؟
ما الذي يدفعه كي يحولني، وأنا في الستين، الى فتى يحمل كل أحاسيس المراهقة ومشاعرها وأحلامها، أنا الذي كنت على وشك أن أقتل أحلامي، وأفرغ مخيلتي من آمالها الجميلة، وأقيم الصمت حاجزاً بيني وبين الحب.
ما الذي يدعوه كي يعيدني في هذه اللحظة المتقدمة من العمر، إلى حبٍ غير عادي وغير ممكنٍ، لا بل مستحيل؟
من أين جاء بكلَ هذا الإلهام، فيشرح لها عمَا فعله حبُّها بي حين تسلّل إلى قلبي من نافذة كنت أحسب انني أقفلتها منذ البعيد؟
ألأنَ الفتنة في عينيها، والسحر في ابتسامتها، والنداء في نظراتها، ما استدرجني، دون إذنٍ منها، إلى حبَها بهذه التلقائية المربكة؟
أم لأن طيفها ما انفكَ يطاردني ويستفزني ويستثير غرائزي وشهواتي؟
أم لأن الرجل في هذا السن مراهق وأحمق ومغامر؟
أم لأنه فقط مكابر يرفض أن تتغلب الشيخوخة على جسده؟
*****************
بعدها، يغلبني النعاس، فأضع قلمي فوق أوراقي وأنام……..
في الصباح التالي أستيقظُ على لغطٍ خارج من منزلها. أطلُّ من نافذتي فألقاها تتكلم مع زوجها..
أتأملها عن كثب فأكتشف فيها امرأة شبيهة بالتي ارتسم طيفها أمامي ليلة أمس، لكنها ليست هي. إنها امرأة أخرى. نبرة صوتها قوية متزمرة. وفي تصرفها عنف وتحدٍ.
لم تعد جميلة إلى حدٍ يثير فيّ الغرائز والشهوات، وليس فيها ما يشعل رماد الحب في القلوب.
لستُ أشعر بشيء نحوها الآن…… لا شيء على الإطلاق.
كسرَتُ قلمي.. مزَقت أوراقي وحوَلت أحلامي إلى رماد
"فابتعدي عني سأنتظر الليل لأحيا مع أحلامي".
e-mail:dr.bishara@hotmail.com
تعليقات القرّاء
great.Dr.Rafael..you have a very lovely and young soul, which makes me feel that you are telling the story of everyone, young or old ........ we are all dreaming of love, happiness and beauty , but unfortunately we find them together in dreams only ,,,,, it seems that those godlike idioms can`t be found in the same time on our earth. hopefully we can find them in the heaven. ****sorry to write in english, that i don`t have, Arabic keyboard.