هل الثقافة خندقنا الأخير؟

عطية مسوح قرأها 1,474

هل الثقافة خندقنا الأخير؟ 

نقرأ أو نسمع بين الحين والآخر عبارات من نوع الثقافة هي جدارنا الأخير، أو خندقنا الأخير، أو إنها الرهان الباقي لنا في مواجهة أعدائنا.

تتردد مثل هذه العبارات على ألسنة بعض المسؤولين الإداريين في مجال الثقافة، أو بعض المثقفين، وهم يردّدونها بنيّة حسنة، ويرغبون من خلالها في تنشيط الحراك الثقافي وتقوية اهتمام مؤسسات الدولة بالثقافة.

لكنني لا أجد نفسي مرتاحاً لمثل هذه العبارات، برغم تقديري لأهداف مردّديها، فقد تعني التسليم بانتهاء أو ضعف كل عوامل القوة في المجتمع. باستثناء الثقافة. وفي هذا تعبير عن شعور مرير بالإحباط.

وهي قد تعني الرضا عن حال الثقافة والاعتزاز بها، وهما رضا واعتزاز غير واقعيين إذا نظرنا إلى حال ثقافتنا اليوم، وضارّان جداً لأنهما يبعدان المثقفين والمعنيين بشؤون  الثقافة عن معالجة مشكلاتها والنهوض بها.

وقد تعني الفصل بين الثقافة وواقع المجتمع، والتوهّم أن الثقافة يمكن أن تكون قوية ناهضة في مجتمع فقدَ مقومات القوة والنهوض أو ضعفت فيه هذه المقومات. وهذا الفصل وهمٌ وخيال، فالثقافة صورة المجتمع، صورة واقعه وتاريخه وتكوين أبنائه النفسي، وقيمه الأخلاقية وأحلامه المتنوعة. والواقع المتردي الهشّ لا يمكن أن ينتج صورة ثقافية إلا على مثاله.

قد تظهر في المجتمع الهشّ أو المنخور بالفساد رموز ثقافية كبيرة ومبدعون لهم حضورهم القوي، لكن هذه حالات فردية محدودة، تعبر عن ذات إبداعية صقلها الاطلاع الواسع على الثقافة العالمية المعاصرة، وقد ظهر بعض هذه الحالات الفردية في العقود الوسطى من القرن العشرين، أي في مرحلة سعي نهضوي عرفها المجتمع العربي، وبعض هذه الحالات الفردية طفرات، والطفرات يمكن أن تظهر في كل زمان ومكان، ولا تعدّ وحدها معياراً لتقدم الثقافة وقوتها.

والباحث في وضع الثقافة العربية اليوم سيجد أن واقعنا الثقافي لا يختلف كثيراً عن واقعنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، أي لا يتجاوز حدود التخلف والهشاشة.

فالكتب التي تطبع في البلدان العربية، ولا سيما الكتب المترجمة هي بالنسبة لعدد السكان من أقل النسب في العالم. والكثير من الكتب التي تقذف بها المطابع تافه لا قيمة له، وخاصة في مجالات الشعر والقصة والنقد. وثقافة التكفير والتخوين وترويج الأحادية ورفض التنوّع هي الأكثر حضوراً في عقول الناس ولدى الكثير من المثقفين.

قد يُقال إن هذه الثقافة الأحادية موجودة لدى شعوب أخرى. لكن الواضح أن وجودها في ثقافتنا الحديثة لافتٌ للنظر وواسع الانتشار، وهو يخرج من صفحات الكتب والصحف والمواقع الإلكترونية ليصل إلى مستوى الممارسة اليومية. وكثيراً ما يكفَّر كاتب أو فنان لأن لديه وجهة نظر في المجال الذي يتناوله تختلف عن وجهة النظر التقليدية أو المألوفة، أو عن وجهة نظر هذا الرجل أو ذاك من رجال المؤسسات الدينية. كما يمكن أن يخوَّن هذا المثقف بسبب التعبير عن أفكار مخالفة لأفكار الحكومات.

إن هذه المؤشرات وغيرها، تدل على أن واقعنا الثقافي لا يختلف كثيراً عن واقع مجتمعاتنا، وأن ثمةّ ما يحتاج إلى بحث عميق على مستوى الواقع ومشكلاته وعلى مستوى الثقافة ومشكلاتها، وهذه مهمة مطروحة بقوة أمام الباحثين والمفكّرين والمثقفين والسياسيين.

ومن المفيد أن تستند مقاربة الثقافة ومشكلاتها إلى عدد من الأمور المنهجية، فلا يستطيع الباحث إعطاء صورة عن واقع الثقافة العربية إلا من خلال دراسة:

- مستوى الإبداع الثقافي، على كل صعيد. ويمكن القول، في هذا المجال إن مستوى إبداعنا متدنٍ، فإذا استثنينا بعض الأسماء، نجد أن الكثير الكثير مما يكتب في الشعر والقصة والرواية لا يصل إلى المستوى المتوسط، وأن قسماً منه لا يستحق أن يحمل اسم الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه. أما على مستوى البحث الاجتماعي والفلسفي والاقتصادي والنفسي، فإن الضعف هو السمة الغالبة على نتاج الباحثين العرب بالمقارنة مع المستويات التي تنتجها مراكز البحوث الأكاديمية في الدول المتقدمة. ويبدو الأمر خطيراً في مجال الفلسفة، فليس لدينا فيلسوف يمكن أن ننسب إليه نظرية ما، أو إبداعاً فلسفياً حظي باهتمام عالمي، بل لدينا في أحسن الأحوال باحثون في مجال الفلسفة، يدرسون فلسفات الغرب والشرق القديمة والحديثة، ويشرحونها ويعلّقون عليها وينتقدونها، وقد يصلون إلى أفكار مهمة وعميقة في تقويم هذه الفلسفات، لكن هذا على أهميته لا يؤهّل أحداً منهم لحمل لقب فيلسوف والقيام بأعباء هذا اللقب.

- مستوى تفاعل الجمهور مع النتاج الثقافي والنشاطات الثقافية. ولعل مراقبة نشاط المراكز الثقافية في بلادنا تعطي صورة سلبية لهذا التفاعل. فمعظم النشاطات لا تجتذب إلا عدداً قليلاً من الناس. وكثيراً ما لا يتجاوز عدد الحضور عدد أصابع اليدين. وقد يصل إلى العشرات في أحسن الأحوال. إن في بلادنا شبكة واسعة من المراكز الثقافية، وهي ذات بناء حديث ومريح ومناسب لأهم النشاطات، غير أنّ التفاعل المحدود يجعل البناء حجراً لا روح فيه ولا فائدة.

قد يقال إن الأدب والفكر نخبويان بطبيعتهما، وقد يكون في هذا القول كثير من الصواب، لكن المسألة نسبية، وحين يصل تدني التفاعل الشعبي مع النشاط الثقافي إلى المستوى الذي ذكرناه، لا يكون الوضع طبيعياً.

وثمة ظاهرة أخرى جديرة بلفت الانتباه، وهي عدد النسخ المتدني لإصدارات دور النشر. فقد لا يتجاوز هذا العدد بضع مئات، أو - إذا كان الاسم لامعاً والكتاب مهماً - ألفاً أو ألفين من النسخ، تباع في الأسواق العربية كلها. فهل المشكلة في نخبوية الأدب، أو في ثقافة الناس، أو في نوعية الكتاب ومستوى مضمونه؟

- درجة تناول الثقافة لأكثر قضايا المجتمع حساسية. وقد نجد ملامح إيجابية في هذا المجال، في بعض الأعمال الدرامية السورية والعربية، أكثر مما نجدها في القصة والرواية والبحوث الاجتماعية.

في كثير من المجتمعات يكون نتاج مؤسسات البحث الاجتماعي والاقتصادي والنفسي موجّهاً للعمل تعتمده الإدارات في وضع خططها وتحديد ميادين عملها ومساراته، ويكون لذلك آثار إيجابية كبيرة.

- مستوى علاقة ثقافتنا بثقافة العصر. وهي علاقة تعبّر عنها ثنائية الانفتاح والانغلاق، التي كانت موضع نقاش بين المثقفين العرب منذ أواسط القرن التاسع عشر.

ثمة من يخاف الانفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى، ولا سيما الغربية، ويجد في ذلك خطراً على ثقافتنا. ويستخدم مصطلحات من نوع (الاختراق الثقافي الذي يهددها) و(استيراد الأفكار) و(ضياع الشخصية الثقافية) وغير ذلك. لكن الأمر يمكن أن يطرح عبر الأسئلة التالية هل ثمة حدود بين الثقافات؟ هل يمكن لشعب أن يغلق أبوابه على تجارب الشعوب الأخرى؟ ما مصير ثقافتنا إذا تقوقعت وانعزلت؟ هل تقدمت الثقافة العربية في العصر العباسي إلا من خلال التفاعل مع الثقافات اليونانية والهندية والفارسية والسريانية؟

تبدو هذه الأسئلة ساذجة، بعد أن أكّدت الحياة أن الثقافة صناعة إنسانية وإنجازاتها هي ملك البشرية كلها، وأنها تراكم ومتابعة وتواصل.

إن الانغلاق الثقافي مميت، وفي ظلاله تنمو نزعة رفض الآخر، وتسود الأحادية وتنمو مظاهر التخلف، إنه يقود إلى الجهل والدمار. ولعل من المفيد أن نؤكد أن من لا يكون مستعداً للتأثر بالآخر لا يستطيع أن يكون مؤثراً فيه، وأن الخوف من التأثر يعني الكف عن التأثير.

- أما الأمر الأخير الذي لا غنى عنه في دراسة واقع الثقافة فهو علاقتها بالسياسة. وهذا مجال واسع للبحث، وقد بيّن تاريخ الثقافة والفكر، أن المناخ الديمقراطي هو ضرورة لتطوير الثقافة والإبداع، وأن ثقافتنا العربية نهضت طرداً مع اتساع هامش حرية التفكير والتعبير، وانحدرت طرداً مع ضيق ذلك الهامش.

لا يمكن للثقافة أن تنهض في مجتمع غير ناهض، فهي رافعة للنهوض من جهة، ومرفوعة عليه من جهة أخرى. ولا يمكن للأمة أن تخوض معاركها بلا ثقافة، لكن لا يمكن للأمة أن تخوض معاركها بالثقافة فقط.