لـيـتـكـم لا تـظـنّـون بـي الـظـنـون! (ردًّا عـلـى ردود)
"شو بدَّك بْهَالشَّغْلة، يا رجل؟!"... "لَشو هَالغلبة، يا زَلَمة؟!"... "واللهِ إِنّك مْغلِّبْ حالَك عَالفاضي!"... "بلد ميئوس منها، يا أخي. سِيبَك يا شيخ!"... "أنت تكتب لأناس مرشَّحين لا يقرأون، فما جدوى الكتابة وما جدوى النشر؟!"...
تلك بعض من ردود الفعل /القول التي يفاتحني بها بعض المعارف والأصحاب ما إِن نلتقي. وهي ردود على ما كتبتُه ونشرتُه في ما يتعلّق بانتخابات المجلس المحلّـيّ التي ستجري في عبلّين في الثالث والعشرين من تشرين الثاني القادم.
ردود غير مشجِّعة، ولا ريب. لكن، من ناحيةٍ ما، المهمّ أنّها ردود. المهمّ أنّ هنالك ردودًا. في هذا أجدني كأحد الشعراء العذريّين الذي قال:
"لَئِنْ ساءَني أَنْ نِلْتِني بِمَساءةٍ فقد سَرَّني أنّي خطرتُ ببالكِ"
مـرغـوبٌ سـمـاعُ الـردود؟
إنّ من يكتب يرغب في سماع ردودٍ تقييميّة على ما كَتب؛ ومن يزعم خلاف ذلك فلست أظنّه يقارب الحقيقة. وابتغاءَ الحقيقة، أقول إنّه من أصعب ما يواجهني أن يوجِّه إليَّ أحدُهم سؤالاً يطلب فيه رأيي في مادّة كتابيّة قام هو بكتابتها ونشرها. يا ليته لا يُثـقِل عليَّ بطرح السؤال! فأنا إن توافرتْ لديّ الجرأةُ على توجيه النقد غير المستحسِن، فعلتُ ذلك من تلقاء نفسي، محاولاً أن يأتي ما أقوم بقوله من نقد على نحوٍ لبقٍ ولائق؛ وإن كنتُ ممّن استحسنوا تلك المادّة، فلن أضنّ بتوجيه الإطراء الصادق لها ولصاحبها، في حضوره وفي غيابه على حدّ سواء. من هذا المنطلَق، عاهدتُ نفسي منذ فترة غير وجيزة ألاّ أسأل أحدًا عن رأيه هو في ما أكتب أنا وأنشر. إنْ نَقَلَ إليَّ رأيه، فأذناي مصغيتان وذهني وقلبي متقبّلان؛ وإن لم يعبّر عن ذلك، فلربّما لم يعجبه ما قرأ فلا يودّ إحراجي برأيه الصريح، أو ربّما كان الأمر لا يهمّه كما يهمّني، أو لا يهمّه على الإطلاق، أو ربّما لم يقرأ ما نشرتُ. ليس ملزَمًا هو أن يقرأني ولا أن يعبّر عن رأيه. التعبير عن الرأي حقٌّ لا واجبٌ.
مـزيـد مـن الـمـصـارحـة
ولمزيد من المصارحة، دعني أقول إنّ قول بعضهم "لغتك متينة جميلة" ما عاد يُنشيني منذ فترة غير وجيزة. في مقدور المرء أن يكتب بلغة تتّسم بالجمال والجزالة والمتانة دون أن يقول شيئًا! ما أرمي إليه بهذا الكلام أنّي من المعتقدين أنّ الفكرة هي الأهمّ، ولا سيّما في مضمار الكتابة النثريّة. لا أنكر أهمّـيّة الأسلوب واللغة، إلاّ أنّي لا أنحاز إلى هراءٍ أو لَغْوٍ يُصاغ بأسلوب طَلِيٍّ ولغة متينة، بل أجدني لا أتردّد في أن أقول إنّي لا أكنّ له كثيرَ احترامٍ. أنحازُ إلى الفكرة. وأنحازُ أكثر إلى الفكرة التي يسوقها ويعرضها اثنان: أسلوبٌ لطيف ظريف أصيل، ولغةٌ تحاول ألاّ تقلّد لغةً ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
إنْ هـي إلاّ مـحـاولات
أيّها الإخوة الأحبّاء، قد لا يقرأ المرشَّحون ما نكتبه -كما تحاولون، مشكورين، أن تقنعوني أو تذكّروني-، لكنْ ثمّة احتمال أن يسمعوا عن بعض مضمونه ممّن قرأوه. عبلّين ليست مرشَّحين ومنتخَبين فحسْب. معظم عبلّين منتخِبون؛ وللمنتخِبين (وبعضهم يقرأون) دَوْرٌ لا يقلّ شأنًا وتأثيرًا ومصيريّةً عن دَوْر المرشَّحين. وفي ما يتعلّق بالمرشَّحين، مهما تحفّظتم منهم فهُمْ من أهل بلدي الحبيب الذي أُحِبُّه ولا أتعصّب له. ومن مصلحة عبلّين أن يمارس كثيرون منّا ضغوطهم وتأثيرهم إيجابًا على المرشَّحين، في مساهمة منّا -نحن الجمهور الواسع العريض- لخلق أجواء مريحة في عبلّين قدر المستطاع، قُبَيْل الانتخابات وخلالها وبعدها. خلْق مثل هذه الأجواء ليس من واجب المرشَّحين لوحدهم، بل ربّما ليس من مصلحتهم!
أيّها الإخوة الأحبّاء، ليتكم لا تظنّون بي الظنون! لستُ من البَـلَهِ إلى حدّ الاعتقاد أنّ كلماتي قادرة على تغيير مجتمَعٍ ما، مهما صَغرَ. في كثير من المجالات والحالات، الجهد الفرديّ كالبطولة الفرديّة: محكوم بالإخفاق؛ وإن نجح فنجاحه محدود. لكن يكفيني أن أكتب ما أراه صحيحًا وسليمًا. يكفيني أن أقوم بِدَوْرٍ أظنُّ أنّي قد أُجيدُه أكثرَ ممّا أُجيدُ سواه: الكتابة. أظنُّ -وبعضُ الظنِّ توهُّمٌ.
أيّها الإخوة الأحبّاء، اعذروني! ليس في مستطاعي أن أسلك وَفقًا للنصْح الذي تتضمّنه ردود فعْلكم تجاه ما أكتب في شأن انتخابات مجلس عبلّين. إن لم أقُلْ ما لديّ في هذا المضمار، فسأحسّ بالتقصير المضاعَف تجاه بلدة أُحِبُّها على علاّتها (وربّما بسبب علاّتها أو عللها ينبغي أن يحبّها أبناؤها أكثر)، أحبّها وأشعر تجاهها بالتقصير فعلاً. إن لم أقُلْهُ كتابةً، فلن أحسّ بذاك الارتياح المحدود أو النسبيّ الذي أَنشدُهُ.
أكرّر اعتذاري. لاحقًا، سأتابع قليلاً نشْرَ ما قد كتبتُه في الشأن العبلّينيّ. الكتابة عناءٌ؟ صحيح، غير أنّه عناءٌ يُفضي إلى بعض ارتياح. وإن كُتب لِما أكتبه أن يساهم في تلطيف أجواء عبلّين، وفي أن يطرأ تغييرٌ ما على الخطاب السائد لدينا -وإن كان تغييرًا طفيفًا-، فسيكون ارتياحي مضاعَفًا.
عـبـلّـيـن 30/7/2010
hajhanna@gmail.com