ذَوَبان
تريدُ أن تصل؟ عليك أن "تذوب"!
كيف؟
أنت تُحِبُّ ما تبغي الوصولَ إليه، فأنت تحلُم به، تُخطِّط له، تعزِم عليه، تشحن إرادتَك، تستعدّ، فتنطلق.
حين تُحِبُّ، فأنت تحتضن، تتناول، إذًا تذوب. ألذَّوَبان، هنا، إراديّ. شوقٌ حميمٌ، عميق، خصب.
حين تحتضن ما تُحِبُّ، ومَن، تكون فكّرْتَ فيه عميقًا. تحتضِنُ لأنّك أحببتَ. تُحِبُّ لأنّك عرفتَ. ما لا تعرفُه، ومَن، كيف تُحِبُّه!؟ تعرفُ ما تشاهد، ومَن. ألمُشاهَدُ يُعجِبُ فيجذِب، أوْ لا، فيُبعِد. ألمُنجذِبُ ينجذِبُ إلى شبيهه أو مُكمِله. في الحالَين يُصبحان واحدًا. يتناولُك وتتناولُه.
ما تفكِّر فيه، ومَن، لا يُقيم خارجك. وإنْ، فلا يبقى خارجك. لا يكون غريبًا. ألخارجيّ غريب. ألغربةُ يابسةٌ تُيبِس. أليباسُ جفافُ الرّوح. جفافُ الرّوحِ عَدَم. ألعدمُ انحباسُ وجود. والغربةُ قاحِلةٌ توقِع في الفراغ. ألفراغُ بَلادةُ الذِّهن. بَلادةُ الذِّهنِ غيابُ الحياة. لا حضور بالمطلَق. إنحِباسُ الوجود واللاحضورُ بالمطلَق، غيابُ المعرفة.
غيابُ المعرفة؟ تَفَكُّك أوصالِ الحياة. تتفكَّكُ أوصال؟ لا يبقى شيء. لا ما يُذيب، لا ما يذاب. إذًا: لا حياة في غياب المعرفة. ألمعرفةُ حياةٌ وباعثةُ حياةٍ ودليلُ حياة.
غيابُ المعرفةِ جهل. أنتَ جاهل؟ أنت عدوُّ المعرفةِ، عدوُّ الحياةِ الحرّة، الخلاّقة، الرّائيةِ، المؤثِّرة، الموحية. لا حياة في غيابِ الحرّيّة. ألحرّيّةُ انفتاحٌ وداعيةٌ إلى الانفتاح ودليلُ انفتاحٍ حرّ.غيابُ المعرفةِ غباوة. أنت غبيّ؟ فأنت ذو آفةٍ نفسيّة، روحيّة، اجتماعيّة، ثقافيّة، حضاريّة... فكيف التَّجاهُل؟ إنّه طلبُ الآفة والاعتزازُ بها. فأين فرحُ الحياة والثِّقةُ بها؟
غيابُ المعرفةِ نبْذٌ للذّات الحالمةِ، الحرّة، المسؤولة، الواعية.
كيف؟ حين لا تكون تعرف، وترفضُ أن تعرف، تكون انغمسْتَ في غرائزيّةٍ لا محدودة. رفْضُ المعرفة انكفاء أرخص من الاكتفاء. ألاكتفاء شعورٌ مُتَشاوِف بالمعرفة. ألانكفاء شعورٌ بالجفاء ضدّ المعرفة. ألمكتفي قانع. ألمُنكفىء خامل. ألقانع غيرُ طَموح، لا أحلام له. ألخامل آسِنٌ في وحول الكسل، لا ذات له. ألإنسانُ ذاتٌ لغير هذا.
ألذّاتُ الحالِمةُ واثقةٌ من قدرتها. ألحالم قادر. لأنّه قادرٌ هو يحلُم. ألحالمُ القادر، عازم على التّحقيق، بإرادة واعية، صلبة. أليست الاكتشافاتُ والاختراعات والفنون، جميعُها، ابنةَ الأحلام الصّحيحة!؟ أوَليس الإنسانُ كائنَ الاكتشافات، الاختراعات، الفنون، ولها؟
والذّاتُ الحالمةُ حرّةٌ. ألذّاتُ الحالمةُ الحرّةُ أصيلةٌ، نقيّةٌ، رائية. ألأصالةُ نبع الإنسانيّة الرّاقية. للرّقيّ الخلاّق هو الإنسان. ألنّقاءُ صفاء رؤيا ثاقبة، نفّاذة. لمثل هذا النّقاء، وبمثله، كُوِّن الإنسان.
والذّاتُ الحالمةُ الحرّة مسؤولة. ألمسؤوليّة وعْيٌ لدور. كلُّ دور إنضاجٌ لمعرفة. كلُّ دور إنطلاقٌ حاسِم لمعرفة. لمثل هذا الدّور هو الإنسان.
والذّاتُ الحالمةُ، الحُرّة، المسؤولة، واعية. ألوعيُ فرح المعرفة، وتتويجٌ لها. ألوعيُ إنقاذٌ مسؤولٌ، حُرٌّ، للذّات. لمثل هذا الوعي هو الإنسان.
ألذّوَبانُ؟ ليس غيابًا. إنّه الحضورُ الفائق. ألحضورُ اللائقُ الّذي هو الوعيُ المطلَق. ألحضورُ الواعي حضورَه، الخالقُ هذا الحضور، المُنضِجَه، الجاعلَه الصّحْوَ التّامّ، الصّافي، الشّفيف.
ألوعيُ المطلَقُ، الكلّيّ، قائمٌ في ذَوَبانك. ذوَبانُك هذا، إنضاجٌ لذاتك. هي بعيدةٌ عن غباوة الأنانيّة، النّرسيسيّة، المُغرِقة في التَّشاوف. هذا التَّخَلّي يُشعِل ذَوَبانك، وبك يَشِفّ، ويَشِفُّك.
لا موتَ في الأرض! يعود التُّرابُ إلى التُّراب، يتوحّدان. يذوب الواحد في الآخر. وتعود النّفسُ إلى خالقها، يتوحّدان. تذوب النّفسُ في باعثها. ألذَّوَبان أصلٌ وأصل يتواكبان، يتناغمان، يتواصلان، إلى ما لا نهاية له.
أن تذوبَ، لا يعني أن تَمَّحي. أن تذوب، هو أن تحيا حياة جديدة، أكثر كمالا، أغنى نضجًا، أعمق فكرًا، أخصب رؤًى، أبْعدَ إيحاءً، أسمى حبًّا... أن تذوب، هو أن تُفَرِّطَ بأنانيّتك، تنبِذَها، تحيا غيرَ حياة: كأنّك كائن وكائن وكائن... في اتّحاد تامٍّ، كلّيّ، مطلَق، ناهدًا إلى "المطلَق"، الحقّ، المِثال. ألذَّوَبانُ ارتقاء!
أَذُبتَ في شجرة، أم في نبتة، أم في حبيبة، أم في كون... تكونُ نضِجتَ طُمأنينةً، خيرًا، سلامًا، سعادة ... فأنت تعاليت، في حُبّك! أنت "تعاليت"!