ألكهنوت بين التّربية والشِّعر!

إيلي مارون خليل قرأها 1,633
  

إلى الأخت: دومينيك الحلبيّ

أن تكتبَ عن الكهنوت، في قِمّة تَكَرُّسه ونجاحه، هو أن تكتبَ عن مُترادفَين له، لا ينفصلان عنه، ولا يغيبان عن فضاءاته، في الفصول كلِّها هما: التّربية والشِّعر.

ألسّؤالُ البدهيُّ، هنا، والسّريع، والّذي يُسرِع إلى الذّهن قبل سِواه، هو الآتي: كيف يكون ذلك؟ وتاليًا: ما علاقةُ الكهنوت بالتّربية؟ وما علاقة الكهنوت بالشِّعر، خصوصًا بالشِّعر؟

       للإجابة، ببساطة ووضوح، يقتضي تعريف كلٍّ من هذه الألفاظ/المفاهيم، فتتّضح العلاقة.

       ألكهنوت، كمنطلَق، هو الانصراف عن كلّ شيء عدا الله. فيُكرِّس المرءُ ذاتَه كلَّها، جسدًا وروحًا، في تَحَرُّكهما والأمنيات، لعبادة الله، وخدمته، والاستغراق فيه: تأمُّلاتٍ وصلوات، بعيدًا من كلّ إشراك أو لَغْوٍ أو ما يُلهي عنه ويُبعِد... فيكون تَكَرُّسُك له كلّيًّا، مطلَقًا، تامًّا، ونهائيًّا.  

والكهنوت، كوسيلة، هو الابتعاد عن "العالَم" في مادّيّته الأرضيّة، و"شهواته" غيرِ النّافعةِ النّفسَ، بل المُضِرّة بها، و"الانهماكُ" في الصّلوات وأعمال البِرّ والصّلاح والخير، تَشَبُّهًا بالأنبياء والقدّيسين والنّسّاك والزّهّاد. إنطلاقًا من هذا، وتأسيسًا عليه وبه، تُكمِل "الوسيلةُ" سابقَها "المنطلَق". أمّا الكهنوتُ كغاية، فهو محاولة الاستغراق بالله، تَقَرُّبًا منه، طموحًا بلقائه الأبديّ، "هربًا" من "نار" جَهنّم وما فيها من "شياطين" وعذابات مُهلِكة. وهذا الاستغراقُ هو نشوة التَّمازُج، بل الذّوَبان التّامّ في الله، و"الفناء" فيه، وهي السّعادةُ الأقصى، غايةُ كلّ مؤمن.

نلاحظ، هكذا، أنّ المنطلَق والوسيلة والغاية، على تَناسُق واضح، متكامل. ألمنطلَقُ يُحَضِّر للوسيلة، وهي بدورها، تُحَضِّر للغاية، الّتي هي الهدف الأخير.

ألمنطلَقُ تَكريسُ الذّات لله. والتّربيةُ، أليست تكريسًا لهذه الذّات في سبيل الله، من خلال خدمته في الآخَر الّذي هو صورة الله؟ أليست التّربيةُ تكريسَ النّفسِ لـ"نحت" الشّخصيّة: قِيَمًا، ثقافةً، إيمانًا...؟ حين ينصرف المُربّي إلى رسالته، ألا يُعطي ذاتَه كلَّها لهذه الرّسالة، ناسيًا ما عداها، مُرَكِّزًا فيها، وحدها، في هدف بناء الإنسان في التّلميذ، فينشأ هذا بالنّعمة والحكمة، وفرح الامتلاء النّفسيّ والرّوحيّ، في محاولة الارتقاء الإنسانيّ الخلاّق؟

والوسيلةُ، أليست الابتعاد عن كلّ ما يؤخّر عن التّسامي؟ أليست التّربيةُ محاولةَ الابتعاد، هذه، عمّا يدفع إلى "العالَم" و"مادّيّته" و"شهواته"؟ أليس بالتّربية نبني الإنسانَ العارفَ، الواعي، النّاضِجَ، الرّائي، المسؤول؟ أليس هكذا يكون الابتعاد عمّا يؤخّر الارتقاء الوِجدانيّ والنّقاء الصّافي؟ إنّ التّربيةَ، في وجهٍ من وجوهها، زراعةُ القِيَمِ وتَعَهُّدُها، ومرافقةُ نموِّها في الفرد والمجتمع، وليس التّبشيرُ بها فحسب، ولا تعليمُها. "ألإيمان من دون الأعمال ميت" على قول بولس. والمربّي الحقيقيّ، مليء بقِيَم بها يؤمن وبِوَحْيها يعمل. بشارتُه تكون بأعماله. فخيرُ عِظةٍ في النّاس، سيرتُك بينهم!

والغايةُ هي الوحدة بالله، تأمينًا للسّعادة الأقصى. أوَليست التّربيةُ، بدورها، إفهامَ المتَلَقّي كيف تتأمّن سعادتُه بالعلم، بالمعرفة، بالثّقافة، بعيش القِيَم؟ أوَليست غايةُ التّربية، غايتُها الأخيرة، أن توصِل التّلميذ إلى طريق سعادته، فتضعه فيها، مُوَجِّهةً، مُرافِقةً، حانية، آملة، راجية؟

والشّعرُ، أليس منطلَقه، هو أيضًا، التَّكَرُّس؟ ألتَّكَرُّس الكلّيّ للجَمال، للحبّ، للحقّ، للخير؟ ألا نرى هذه المتكرَّس لها، في الله؟ أليس الله، هو نفسُه، الجَمالَ، الحُبّ، الحقّ، الخير؟ أوليس الشّعرُ، في وجهٍ له، طريقَ التَّكَرُّسِ والعبادة، عبر الأناشيد والتّراتيل والصّلوات؟ أليست أجمل الصّلوات، وأصفاها، وأسماها، هي تلك القصائد البهيّة الّتي صعّدتها الشّعوبُ المؤمنة خلال التّاريخ؟ والمزامير، أليست تَكَرُّسًا وتكريسًا ووسيلة بها نحاول تحقيق الغاية الأخيرة من وجودنا الأرضيّ؟

وهكذا يبدو أنّ الشّعرَ، بِدَوره، منطلَقٌ مُوازٍ لمنطلَق الكهنوت، ووسيلةٌ مشابهة لوسيلته، وكذلك الغاية. فالشّاعر، وهو يكتب قصيدته، واعيًا غيرَ واعٍ معًا، وحين ينتهي منها، ألا يكون مستغرِقًا نشوةً، وتاليًا، ألا يشعر بنفسه، طائرًا محلِّقًا، نسيمًا روحيًّا، شفيفًا نورانيًّا؟ أوليس هو كذلك، الممتلىء من كهنوته وبه؟

أسوق هذه التَّأمُّلات وفي خاطري "كاهنة" مِثال: كهنوتًا وتربية وشِعرًا.                           

وأن أكتبَ عنها، أو بِوَحْيِها، هو أن أكتبَ عن النّجاح والرّؤية والرّؤيا والطُّموح والإرادة والتّضحية والمحبّة؛ هو أن أكتبَ عن حلم جميل يُراوِدُ في صَحْو البال، وفي عذوبة الحنين، كما في إشراقة القلب، وعصْف الخواطر.

من إيمان بالله وبالتّربية، بدأتْ مشوار ثانويّة الرّاهبات الأنطونيّات، مار الياس/غزير، بعدد من التّلامذة والإداريّات والإدارييّن والمعلّمات والمعلّمين والرّاهبات والعمّال لا يتجاوز المئة. والآن، وأنت تنظر إلى هذه الثّانويّة، قريبًا كنت أو بعيدًا، تنتشي نفسُك والرّوح، وتفهم ما عنيتُ من ربط بين الكهنوت والتّربية والشِّعر! فالكهنوت، هي تحياه، كراهبة؛ والتّربية تحياها يوميًّا، كرئيسة؛ أمّا الشِّعرُ، فرؤيا واضحة، وقد تبدّى ذلك في رؤاها والإنجازات.

"سور" دومينيك! لا أظنّني كتبتُ بلساني، وسأجرؤ على القول: إنّني كتبتُ بلسان الثّانويّة الحبيبة: راهبات وإدارة وهيئة تعليميّة ومجلسَي أهل وأصدقاء وعمّالا... وباسم محبّيك الكثر. وفّقكِ الله، أينما كنتِ، ولا أشكّ في أنّ الله سيكون معكِ، فقد كنتِ، دومًا، معه من خلال الآخر، أيّ آخر، في أيّ مكان أو زمان.


ألثّلاثاء 20 تمّوز 2010