ما تيسّر من عند عبدالغني طليس: مروحة متنوعة وحيوية من الشعر وسواه
عبدالغني طليس وما تيسّر من عندياته في إصدار جديد عن "دار نلسن" للنشر، ويتضمن قصائد بالمحكية والفصحى ومقالات في السياسة وأوراق من أسرار الأخوين رحباني وقصائد جديدة لعاصي الرحباني.

تأكيد على عندياته، هو صاحب المزاج المتفلت والثقيل بعض الشيء والضجر كما يبدو، الفوضوي الذي يرسم بالصوت العالي الأشياء على السطوح وعلى رؤوس الشجر. ومع ذلك لعندياته نكهة خاصة ومذاق خاص وهو ينتمي الى شيء جميل، وإلى جيل جميل يبني الحلم بيديه وبعينيه وبالهواء ويأتي الشعر من خارج الأسراب المكرسة على طيبة في السريرة الأولى وعلى نقاوة الأشياء وطابعها الناري الحواس.
ينشر عبدالغني طليس أفضل ما عنده، ويسأل هل لديّ أفضل ما عندي من كل "فن" دفعة واحدة: القصيدة بالمحكية، القصيدة بالعربية الفصحى، البحث الفني والمقال السياسي معاً في كتاب واحد، لا كل في كتاب خاص كما جرت العادة، وكل عادة أدبية في حسباني، يجب أن تكون في النار".
عبدالغني طليس تكتشفه سريعاً، لا تحتاج الى كتاب لتعرفه، ابن البقاع، كتاب مفتوح مثل السهل، ومعروف من عصبه ولغته وتطبيقاته وحركته اللجوجة في البحث في الحالات والأحوال والتوغل بلاغياً وعاطفياً في قضايا كبيرة وصغيرة.
يجري شعره في إيقاع بعلبك المدينة، لا إيقاع شعري خارج دائرة شعاع بعلبك وحيث الحكاية والقصة والرواية والصورة وأسرار الآلهة والمستوى والأقمار والأسطورة والمنظر الجذاب والتقاط المعنى و"كأن إيد الشعر سما بعلبك، والصبية الحاملة نصف الدني".
"قولك حدا بيعرف طريق الغيم غيري
أو ما بيعرف،
شعرك شجر حور، أخضر وعالي عُلا
وأكثر يا بعد العينتين".
نحن إذاً في حضره "الديب" عبدالغني طليس
"الصبي اللي نام مرة
ونيّمك فوق القصيدة،
وقال: يا هالعمر غيب
بتفيّقي فيِّ حكي
وعمر انقطع
وحنون
وهدير الريح".
يعجبني ذلك العري الشعري المحكي تحت شجرة الحور من لدن الهواء، التنفس، الحرية والهمس، اللغة أحياناً أجمل من الوصف، الهمس، التخفي وراء الكلمة أجمل من البلاغة الخطابية.
يعترف عبدالغني طليس: "صار الصبي الضايع، صبي عاشق، ضحكوا يا قمر" (...).
وهو ذلك العبور في المكان، بتلك الغنائية الحميمة في تماس الحاسة والسمع والشغف بالكلام والسؤال وبداية شيء أو أشياء والصمت الذي يولع شيئاً غريباً والمقصود صمت الكتابة وزيتون الشعر وأحياناً الصراخ.
أتابع أخيراً حيوية عبدالغني طليس شاعراً وإعلامياً وهو يجتهد كثيراً ليترك أثراً ودمغة، وأجمل ما فيه هو الشغل على الاستمرارية والشغل على ما يخص الأنا والآخر في لحظة يراكمها ويرحمها جيداً ويدعمها جيداً من نوع تلك اللقاءات التي يجريها على تلفزيون لبنان بعيداً عن الاصطفافات الهشة وهو يعيش حالة ضوء، لحظة ضوئية بإيقاع شعري وحواس ومناخ من الصور يقطع لها بخطوات مهمة حيث يحكي الأشياء بالكلمات ويخرق العزلة ويقطف لحظة جميلة في المعطى الشعري أكثر من المعطى السياسي حيث يخوض في المعطى الأخير لعبة صعبة وجنوح الى انفلات مع كل مجازات القول بأشياء حسية وبتلك الميتافيزيقية الممسوكة.
المهم أنه يحفر على طريقته، ويتكبد مشقة، في تنظيم الأفكار والمعاني والأشد بلاغة أن يكون المرء على ما هو عليه، ويجب أن يكون لا أكثر، لا يسافر المرء بعيداً ليجد نفسه يجدها بالحدس الخام والتلقائية والعفوية، بالإحساس الطازج الناري أمام بيته، وفي كرسيه ومتى شاء تحت شجرة الحور أو الزيتون، وأي زيتون على ما هو ضوء ونور ونار لعالم بالحواس ومن عنوان تكون بعلبك عنده كل شيء ولا شيء آخر.
يطرز عبدالغني طليس كتابه بفصول حميمة عن الأخوين رحباني وبوشائج قربى ويقفز فوق المألوف في نشر قصائد للراحل عاصي الرحباني في مواد شعرية تقرأ شعراً ويلتبس الأمر بين أن يقرأ منصور الرحباني شعراً وشاعراً تراجيدياً كبيراً وبين أن يقرأ عاصي الرحباني شاعراً وهو العبقري موسيقياً والفذ في الميلودية الموسيقية المرهفة والشاعرية بالتأكيد يتغلب أثر الأول أي منصور الرحباني (شعراً) على الأخير. وبالعودة الى عبد تطرب من الشعر المحكي عند عبدالغني طليس. أما مقالاته السياسية فتأتي في سياق آخر وتنخرط في لعبة أخرى، تحطم تمريناً منهجياً وذهنياً شعرياً لصالح نهج آخر تحت السيطرة وعلى بعض من انفعال وافتعال.
ولكن عبدالغني بفوضوية على كسل كبير عبر أخيراً الى قصيدة وأخرى تمسك جيداً بلغتها وتروي تفاصيل من حواس وأحوال.
شعر عبدالغني يصيب أحياناً أكثر من سواه من بعض شعراء العامية المكرسين والمتوجين ويجرح كثيراً لأنه يأتي من ذلك النوع الذي يعبر عن نفسه بشغف وبناء وأحلام ومن أشياء وجنون ولعنات، وهوامش مكسورة وأشياء تلفة. ولكن يبقى أكثر مما يعاد بناؤه وترميمه واللغة أجمل من أن تكون قناعاً، كما الآخر ليس قناعاً وبرداً وجنوناً وضباباً، خصوصاً إذا كانت لغة مجبولة بتلك الآمال البعيدة، وتتسرب رغبات وولدنات وعفويات ذاتية ممزوجة بالحكايات والقصص وبتلك الليونة القاسية على التماعات هنا وانعطافات هناك وميثافيزيقية هنالك تتحرك بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، ما بين السرد والبوح الداخلي والوصف، ما بين الكتابة والكتابة كلمات أغنية ليست سهلة تكرر الإيقاع بالإيقاع.
المستقبل - السبت 19 حزيران 2010 - العدد 3686 -