ما تبقى لديّ فسحة لبناء منزل ومقبرة
خاطبني النسيان، ربّت على كتفي ودعاني للانطلاق نحو الغد. قال فرحًا: "دفعتَ ياهذا ضريبة النسيان كاملة فابقَ، لا تخشَ الفناء بعد اليوم! دفعتَ مستحقات الغياب فاحضر بكل ما تملك من ذاكرة مكلومة مخدوشة".
قلت له: "أنا لست أنا!". عنّفني وهمس: "لستَ بعدَ الآن متّهما فاخرج من زاوية الاتهام، لا تتردد برفع عقيرتك عاليًا، أستحلفك بالله يا مهاجرًا نحو الحقيقة، أعرف بأن قلمك لم يذوِ بعد، فلا تترك الورق عاريًا أبيضَ، دثِّره ببعض القوافي، حبّر عينيه.. راقصه.. أرجوك لا تصمت، ما زال الكلم يطيعك فماذا تنتظر؟".
"طالت الأسئلة يا أمّي"، قلت لها، "حاصروني، صادروا تصاريح هبوب الهواء ورئتاي تحتجّان لأنهما أوسع من دفق الهواء يا أمّي!". فقالت: "بل حاصَرَ ذاته عندما حاصرك، بات يحلم بلون شعرك وقدرتك على مخاطبة النجوم طوال الوقت، بات يخشى ابتسامة المحروم من مسبح دافئ وكأس نبيذ وملعب تنس وغولف. أنت الكبير الذي احتوى حلكة الدنيا فطلّ القمر لتحيتك. حاصرتَه بحصارك فأطلقَ الرصاص في وجه الريح حنقًا وشتم البحر وحاول أن يقطع حبالاً وهمية رفعتْكَ نحو الأفق، نحو سدرة المنتهى، فتحتَ طاقةً أشرفت على سرّ الخلق..
أعلنت ولادتك حين ظنّ بأن الوقت قد حان لجنازتك!
ما أجملك..
في حزنك وفي مأزقك.
حاصرته حين غفوت يا ولدي دون غطاء فلفعك الحمام بريشه..
ما أجملك..
ماذا تخشى بعد كلّ هذا وقد تلونت السماء بلون الأمل في عينيك ياأنتَ ياولدي المهاجر نحو الحقيقة.
ما أجملك..
لم يبقَ من الوقت سوى رصاصة، لا تخشَ الوقت لأنه من يرحمك ومن يذكرك، دعِ الرصاصة تزحف حيثما شاءت، غادر جسدك إذا مزقته اللئيمة، ستحضر للقائي في أبديتي، ثم نزحف في دهاليز الزمن لنعود ثانية نحو ولادة أخرى!
] كيف يكون الحبّ ممكنًا في مقبرة؟ [
لم يبقَ متسع من المكان سوى فسحة لبناء مقبرة! ارفع في رحم المكان بيتًا واطلب العفوَ من قافلة الموتى. واسقِ القبرة وسرب الحمام فوق سطح بيتنا العتيق، ولا تضرب كلبي الأسمر الصغير! دعِ الحياة تدرج في الأنحاء، دعِ الأفاعي تستجمّ في دروبنا، دعها تخلع ثوبها، فلكلٍّ نصيبه من دمائنا ونهارنا وأحلامنا وتاريخنا ورحيق الورد في حديقتنا المطلّة نحو الله في ملكوته صيفًا وشتاءً.
لكلّ عابر طريق نصيبه من مياهنا ورغيف الخبز الساخن والزعتر الحرّاق، والمكدوس الغارق في زيت زيتون لاذع كما الحياة، ودعاء أمّي!.
أما زلت بعد كلّ هذه الفضاءات تبحث عن متسع من المكان؟!.