كل نكسة وانتم بخير
مرّت ستة وأربعون نكسة متتالية.
منذ ذلك اليوم الحار من حزيران 67 والذي أذكره جيداً وكأنه اليوم، حيث كنا نستمع الى اذاعة صوت العرب من القاهرة وكنا منهمكين في عدّ طيارات العدوّ التي تم إسقاطها بصوت أحمد سعيد، والذي تبيّن فيما بعد انه كان مدسوساً، اذكر بالضبط انه كان مساء يوم خميس عندما جاء أحد معارف الوالد رحمه الله وأخذه على حده ووشوشه شيئا لم أعلمه الا فيما بعد.
وبعد دقائق من تلك "المخلوية" انقلبت الدنيا على رؤوسنا حيث بدأ تجهيز الدواب وتم وضع بعض الفرشات والأغراض عليها واتجهنا شرقاً.. وكان من حصتي وانا ابن العشر سنوات ان أحمل بارودة انجليزية "ام اصبع" -حيث تمّ سحبها بعد أيام والتي كانت سببا فيما بعد لسجن الوالد رحمه الله واخي الاكبر ايضا- وقد كانت فارغة حيث كنت ألعب بها طول الطريق التي لم تزد عن الخمسة كيلومترات من بيتنا، تبين لنا فيما بعد ان ذلك الرجل نذير السوء، كان في احد السجون وقد تم إطلاق سراحه لانه لم يبق عسكر يحرسونهم فتمّ فتح أبواب السجون كي يهربوا-مصائب قوم عند قوم فوائد-. مكثنا في "الكهف" خارج البلدة بضعة ايام حيث تم استطلاع الأمر من الذين بقوا في البلدة وكان جدّي رحمه الله لم يغادر المنزل وبقي حارساً حيث أخبرنا انهم دخلوا البلدة وعندما لم يجدوا اية مقاومة أطلقوا عدة صليات في الهواء واستمروا شمالاً، وعندما رجعنا الى البيت كان اول عمل قمت به هو كسر البرواز الذي يحمل صورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لأنه خيّب آمالنا، هكذا كان تفكيري وانا ابن العشر سنوات، وهذا لم يمنعني من البكاء عليه بحرارة يوم وفاته بعد عامين من الهزيمة، فلم اكن استطيع ان أفهم أية تبريرات عدا انها الهزيمة والتي أصبحت نكسة حيث ان العربان يجيدون السجع فالأولى كانت نكبة والثانية يجب ان تكون على نفس الوزن فاصطلحوا لها نكسة، وكان من الممكن ان تصبح "نكته" اونكشه" حيث خسرنا في تلك النكشه بقية فلسطين والجولان وجزءاً من جنوب لبنان وسيناء وبعض الجزر السعودية" ولم يكن كل هذا كافياً للاعتراف بأنها هزيمة. ومنذ ستة وأربعين نكسة وانا لم استطع ان افهم لماذا دخلوا في حرب ليسوا "قدّها" وكيف يجرّهم الأعداء الى المكان والزمان الذي يريدونه؟.
عمّان