ومازال الغناء العراقي دمويّاً
منذ عقود والعراق يعاني من الاضطرابات السياسية التي تجر كل أنواع الاقتتال والمآسي والدمار. ومنذ عقود والأناشيد الوطنية العراقية تمتلىء بالدماء، حتى بعد ان تخلص العراق من أعتى طاغية في تاريخه، ألا وهو المقبور صدام حسين الذي أذاق الشعب ويلات الحروب والمقابر الجماعية، ومارس معه شتى أنواع الإبادة البشرية، ومازالت الأناشيد العراقية تغرق بالدماء.
قبل ايام شاهدت في قناة العراقية نشيداً او أغنية وطنية - كما تـُسمى- لمطرب عراقي معروف قد أحببنا أغانيه القديمة كثيرا، وهو الفنان صلاح عبد الغفور، للأسف، شاهدناه يتغنى بكلمات غاية في الدموية، حيث يهتف متحديا بجعل دجلة غارقاً بالدم في سبيل الوطن، وبأن كل الجروح فداء للوطن، ولا يهم ان سال دم الجميع في سبيل الوطن..
عجبت مما سمعت..
أما زالت ثقافة قبول الموت الجماعي هي السائدة في العراق؟
أما زال موت الإنسان عادياً في سبيل تحقيق غاية مهما كانت؟
اما زالت قيمة الإنسان رخيصة بعد كل ما أعطى الشعب من تضحيات؟ فأين من يهتم بحقوق الإنسان اذن؟
اين وزارة حقوق الإنسان التي من واجبها تثقيف الناس بأهمية حياتهم وافضلية الحياة على الموت؟
ماذا يريدون من شعب تمتلىء بيوته وحيطانه بصور الشهداء، وماذا يريدون من شعب اتشحت أغلب نسائه بالسواد وسيطر على أوقاتهم البؤس والقهر ورائحة المقابر؟
أبعْدَ كل هذه الدمار مازال هناك من يتغنى بالدماء دون ان ينفر من هذه الكلمات؟
أبعْدَ كل التضحيات، والخرائب، والموت المرعب الذي لم يمر على شعب بالتاريخ، مازلنا نتوعد بالمجازر باسم الوطن وباسم التضحيات؟
أية تربية وطنية هذه التي تتعكز وتبنى على الدم وعدم الاكتراث للحياة البشرية المقدسة في كل الاديان، وأي منظر منفر نعطيه للأطفال عندما نجعل صورة نهر دجلة وهو مليء بالدم أمراً طبيعياً ومقبولاً لديهم وباسم الوطن تتكرر الصورة أمامهم باستمرار؟
أهكذا تكون الوطنية؟ ام أن الوطنية تبنى على المحبة، والتسامح، وقبول الآخر، ولأم الجروح، والحث على بناء ما تهدم؟
هل استمر العراقيون بذات الاسلوب الذي اشاعه البعث الدموي وكان يفتخر به، ترهيباً للناس بهدف نشر الرعب والخوف لتحقيق المآرب القبيلة والعائلة التي حكمت العراق بالحديد والنار؟
أوجِّه اللوم هنا لقناة العراقية، لانها القناة الرسمية التي تعبر عن الصوت الرسمي للحكومة، والمفترض انها تعبر عن الشعب، فلماذا لا تنتبه لخطر إشاعة الكلمات والعبارات العنيفة والدموية والعراق لازال يغوص ببحار الدماء يوميا؟ لماذا لم ينتبه تربويٌّ او مثقفٌ في هذه القناة لهذا الأمر؟
هل ان هذا الاسلوب الدموي قدر العراقيين في كل مجالات الحياة؟ وهل عليهم الاعتياد عليه ابدا؟
لقد رضينا ان تكون اللغة العربية في الفضائيات العربية وخاصة العراقية مضحكة جدا بسبب عدم كفاءة أغلب العاملين، ولأن شروط تعيينهم ليس لها علاقة بالكفاءة والثقافة والقدرات اللغوية، لذلك نجد أن المذيعين ومقدمي البرامج والمراسلين يذكروننا "بآتتي مشناف" في المسلسل العراقي "تحت موس الحلاق" وقراءة الرسالة التي اشتهرت على يد الفنان المرحوم سليم البصري والفنان حمودي الحارثي، لكن ان نستمر بقبول كلمات الدم المرعبة على الشاشات بعد كل مامر بنا من موت، لهو أمرٌ غاية في الغرابة وهو أمرٌ مشيعٌ للاحباط، بل هو أمرٌ يستحق المتابعة والتدقيق...
24-5-2010
www.balkishassan.com