لا نـريـدهـنّ مَـنْـسِـيّـات!- (نـريدهنّ منـتخَـبات لا منـتخِـبات فحَسْب)

حـنـّا نـور الـحـاجّ قرأها 813
 

== لا نريد لهنّ أن يكنّ منسيّات...

** مَن تقصد؟

== نساء هذا المجتمع المسكين الجائر. لا نريدهنّ منسيّات، ولا متناسَيات، ولا نريدهنّ أن يَنسَيْنَ أو يَتناسَيْنَ هنّ أنفسَهنّ.

** وماذا تريدهنّ؟!

== نريدهنّ حضورًا فاعلاً. نريدهنّ قياديّات؛ فالحياة والمجتمع في حاجة إليهنّ، في المَنازل وفي غير المَنازل.

** صحيح أنّهنّ في العمل المنزليّ قياديّاتٌ، لكن...

== المرأة التي تديـر شؤون البيت المتعدّدة، بهمّة وإتقان وتدبُّر وإفلاح، ليس من الصعب عليها أن تساهم في إدارة شؤون "بيتٍ" أكبر. على هذا النحو يطيب لي أن أرى الأمور. مَن كان لديه شكّ في تفوُّق المرأة في مسائل التنظيم والترتيب وإيجاد الحلول، فليفحص "السرّ" الكامن وراء تألُّق البيوت الناجحة!

** المثَل الشعبيّ يقول: "بيت رجال ولا بيت مال". بيت رجال! رجال لا نساء!

== وماذا يعني هذا؟! فلْيَـقُل المثَل ما شاء، أو ما شاءوا له أن يقول باسْمهم!

** لكن أنت تعرف أنّ المثَل نبيّ!

== أعرف ولا أومن. أعرف أنّ البعض (أو الكثيرين) يؤمنون بأنّ المثَل نبيّ -ولستُ منهم-. هو نبيّ، أو كالنبيّ، من حيث مقدرته على التأثير والإقناع. وهنا مَكْمَنُ مكانته وأهمّيّته وخطورته. وقد يكون نبيًّا كذّابًا!

** إذًا أنت لا تنكر أهمّيّة الأمثال!

== لم أنكر أهمّيّة الأمثال ولا أنكر، لكنّي كذلك لست أنكر خطورتها ودَورها الهَدّام. بل أنت تعرف أنّي أومن أنّ المثل إنسان. هو إنسان قد يَصْدق، وقد يَكْذب. قد يكون عظيمًا، وقد يكون حقيرًا، وقد لا يكون هذا ولا ذاك. قد يكون فضائليًّا، وقد يكون فضائحيًّا. قد يُحْيي الفضيلة، وقد يُميت النخوة. الأمثال كالعادات والتقاليد؛ من صنع الإنسان هي. ولذا فمن الخطأ عدمُ تخطئتها. من الخطأ تقديسها؛ بل أحيانًا من الغباء تقديسها.

** "الغباء"؟! يا رجل، ما هذه الإهانة؟!

== عذرًا. دعنا نلطّف التعبـير: ليس من الذكاء تقديسها!

** أحسنتَ! الآن، تقلّصَت الإهانة. يا لَلغرابة! نغيّر تركيب الكلام، فتصبح الصفعة تربيتًا. نبدّل كلمة بأخرى فيصبح الهجوم لطفًا، وتغدو الإهانة ماءً زلالاً!

== دعنا من الأمثال الآن!

** مُوافق. لِـنَدَعْها، ولْـنَعُدْ إلى تقديسك للمرأة!

== "تقديس"؟!

** يا أخي، أنت -على ما يبدو- تتجاهل أنّ المرأة عاطفيّة جدًّا، حسّاسة جدًّا؛ ومِن ثَمَّ ليس من المناسب لها أن تكون قائدة. كلّنا نعرف ونعترف بهذا. لِمَ التجاهل أو الإنكار؟!

== لستُ مِن ضمن هذه الـ "كلّنا". لستُ ممّن يتبنَّوْنَ الفكرة الشائعة التي مُفادها أنّ الرجل أكثر عقلانيّة من المرأة، بل أجدني في حالات كثيرة أقْربَ إلى تبنّي نقيضتها. في هذا، أراني منساقًا إلى ما قاله ووضّحه على مسمع منّا الأستاذ البروفيسور الأديب الروائيّ الكفرونيّ حليم بركات...

** صاحب "ستّة أيّام" وَ "الرحيل بين السهم والوتر" وَ "طائر الحوم" -التي صدّعتَنا في التحدّث عنها مرارًا وتكرارًا؟

== وصاحب "إنانة والنهر" وَ "المدينة الملوّنة" وَ...

** طيّب... المهمّ... ماذا قال صاحب هذه الروايات؟

== حين التقينا حليم بركات في عمّان، قبل سبعة أعوام، فاجأَنا حقًّا حين أشار إلى أنّ معرفته ومعايَناتِهِ لكثير من الحالات الأُسَريّة، في ضيعته السوريّة الجميلة "الكفرون" وفي غيرها، قد أتاحت له (ولا تنسَ أنّه بروفيسور في علم النفس الاجتماعيّ، وصاحب روايات عميقة وممتعة معًا) أتاحت له أن يلاحظ أنّ المرأة تتعامل مع الأزمات الأسريّة والاجتماعيّة بتضحية واتّزان وعقلانيّة تَفوق عقلانيّةَ الرجل.

** ألا ترى أنّك تبالغ؟! أراك تُسخِّف الأمثال -وهي وليدة تجارب حياتيّة-، وتعتـنق رأيًا لمجرّد كونه صادرًا عن أستاذ جامعيّ -مع شديد الاحترام له ولك!

== الأمثال، في حالات غير قليلة، هي وجهات نظر. ليست ثوابت أو بديهيّات. لكن أرجوك، دعنا من موضوع الأمثال، فقد استوفيناه! أمّا "اعتناقي" لكلام حليم بركات، فمنبعه أنّه كلام مقْنع لي. ولقد ضرب لنا أمثلة على ذلك تتجسّد في حالات عايَنَها في الكفرون، بعضها انطوى على سلوكٍ أنانيٍّ صدر عن الرجال. لم يُخْفِ أنّ الزوج في محاولته لحلّ الأزمات العائليّة ينطلق غالبًا من أَنَوِيَّتِه ومن مصلحته هو.

** هو مقْنع لك أنت؛ أمّا أنا، فلستُ بالضرورة من المقتنعين.

== حرٌّ أنت، لا ريب، في ما تعتـنق وفي ما تقتـنع. لكن دعني أقول ما أنا مقتنع به، لا ما يرضي المختلفين عنّي.

** تَفضّلْ! حقّك.

== يا عزيزي، هل ننكر أنّ الكثير الكثير من بيوتنا تمكّنت من تحقيق نجاحاتها العائليّة والحياتيّة بفضل نسائها؟! بعض هذه البيوت أفلحت في التغلّب على مشاكل الحياة رغم غياب الزوج، أو رغم حضوره الذي لا يختلف عن الغياب كثيرَ اختلاف. قدرة المرأة الفائقة على التدبير والتدبّر لا ينكرها سوى مَن لا يمتلك القدرة على قول الحقيقة.

** مستمعٌ أنا ومستمتع. لستُ أنكر هذا، رغم اختلافي عنك. لكن تذكّرْ أنّ هناك مَن يخشَوْن ألاّ تتمكّن المرأة من التوفيق ما بين التزاماتها المتعدّدة.

== كأنّي بك تضع نفسك خارج دائرة هؤلاء الذين يَخْشَوْن. مَن كان منّا يخشى ألاّ تتمكّن المرأة من التوفيق ما بين التزاماتها المتعدّدة، إن هي انخرطت في العمل الجماهيريّ، فليهدّئ من روعه! هي أقدر من الرجل على ذلك. ألم يلاحظ المرء منّا أنّ أمّه (أو زوجته أو أخته...) قادرة على تأدية أكثر من عمل منزليّ واحد في آن واحد؟! ألم يلاحظ أنّها قلّما تُخْفِق في التنسيق والتوفيق ما بين الطهي والغسل والتنظيف وغيرها؟! ألم يلاحظ أنّها في الظروف الضاغطة كثيرًا ما تُثبِت أنّها قادرة على إنجاز المطلوب منها بالتزام تامّ، وعلى خير وجه، وعلى جناح السرعة؟!

** لكن لا تنسَ أنّ هنالك مَن يعتقدون أنّ المرأة قد خُلقت للمنزل لا لخارجه.

== آمل ألاّ تكون أنتَ من بينهم! بعض الرجال يغارون على المرأة، وبعضهم يغارون منها، وبعضهم يغارون عليها ومنها معًا، وبعضهم يغارون منها مدّعين الغيرة عليها. يغارون عليها! ممّن؟! بالطبع، من أبناء جنسهم (الرجال). إذًا المشكلة في الرجال! ويغارون منها حين تكون مثقَّفة وقادرة على أداء وإدارة الأعمال الرفيعة، إذ يَخْشَون -إن فُتح المجال للمرأة- أن يُحرَموا هم من إمكانيّات تولّي المناصب الرفيعة.

** ربّما. معقول!

== مَن كان لا يزال يعتقد أنّ المرأة قد خُلقت للمنزل، فالأجدر به أن يتذكّر أنّ رأيه لا يُلزِم مَن يَرَوْنَ أنّ العصفور لا يحلّق إلاّ بجناحين اثنين. رأيه لا يُلزِم مَن يرى أنّ أمّه ليست ضلعًا قاصرًا، ولا أخته كذلك، ولا زوجته ولا ابنته ولا زميلته ولا صديقته. رأيه لا يُلزِم مَن لا يخشَوْنَ منافسة النساء لهم في مضمار العمل وفي تَسَنُّم المناصب الرفيعة. ما الذي يضير المنافَسةَ في هذه الحالة؟! في المنافسة إحياء وإعلاء: إحياء لروح العمل، وإعلاء لشأن المجتمَعات والأوطان. إنّ الحريص على مصلحة المجتمع الإنسانيّ لا ينبغي له أن يقبل بإعادة المرأة إلى المَغاوِر. نحن في عصر الحضارة، لا في عصر المغارة!

** يا أخي... من جهة أخرى، مهما يكن فأعمال المنزل لا يتـقنها سوى النساء.

== بربّك، لا تعمّم ولا تبالغ! بعض هذه الأعمال في مقدور الرجل أن يقوم بها بيُسْرٍ وإتقان، أو أن يساهم في تأديتها. وحين يؤدّي الزوج بعضها أو يساهم، سيكون مجال عمل المرأة ونشاطها خارج المنزل أرْحَبَ. كلّما كان التقاسم الوظائفيّ بين الزوجين داخل المنزل أكثر إنصافًا أو معقوليّةً، كان المجال متاحًا للمرأة أكثر أن تخدم مجتمعها لا بيتها فحسب.

** لكن هل تنكر أنّ بعض المهن أو المهامّ من العسير أحيانًا، إلى حدّ التعذُّر، أن تقوم بها النساء؟

== "التخصّص الوظائفيّ" (إذا صحّ التعبير) هذا لا يعني بالضرورة أنّ كلّ المِهَن والمهامّ والمسؤوليّات التي اعتاد الرأي العامّ (لا سيّما في شرقنا الحبيب المسكين) أن يعتبرها خاصّة بالرجال هي كذلك فعلاً طَوال الوقت وفي كلّ زمن. في ما مضى، لم تشكّل النساءُ سوى نسبة بالغة الضآلة مِن بين مَن يحملون رخصًا لقيادة المَرْكبات. كذلك هو الشأن في مجال الدراسة، وفي مجالات التدريس وكثير كثير من المهن. المرأة تستطيع أن تقود سيّارة، وطيّارة، ومنزلاً، وصفًّا، ومدرسةً. تستطيع كلّ هذا وأكثر. تستطيع أن تقود مجلسًا، أو بلديّة. تستطيع أن تقود بلادًا.

** لكن أنت تعرف أنّ الدِّين يعيق كلّ هذا.

== أميل إلى الاعتقاد أنّ المعيق هو نحن لا الدِّين، وأتمنّى من صميم القلب أن أكون على صواب.

** ولماذا "من صميم القلب"؟

== لأنّي دومًا أتمنّى ألاّ يكون الدِّين مُتّهَمًا بإعاقة تحقيق العدل والتقدّم، وألاّ يَصْدق مثل هذا الاتّهام حين يَصْدر. كذلك لا أطيق تصوير الخالق داعيًا إلى الظلم قاضيًا بِحَجْر المرأة بين الجدران. أليسَ من المؤسف أن يُساء إلى الدِّين بِاسْم الدين، وإلى الباري بِاسْم الباري؟! لستُ متديّنًا. أنت تعلم ذلك تمام العِلْم. لكن عَلمانيّتي تأبى عليَّ قبولَ أن يجني العَلْمانيّون على الدِّين ولا المتديّنون كذلك.

** كنت أظنّك مُعاديًا للدين.

== ليت أمثالك من الظانّين لا يَكونون كثرةً! وليتك تعلم أنّ مشكلتي ليست مع الدين ولا مع المؤمنين. مشكلتي مع المتديّنين.

** مع كلّ متديّن؟

== أقصد: مع كلّ مَن يظنّ أنّه حامٍ لله لا محميٌّ بالله. مع كلّ مَن يظنّ أنّ الصواب والحقيقة مُلْكٌ له هو وحده، وأنّ الإيمان تزمُّت وانغلاق وتحجُّر وحَجْر، وأنّ الإلغاء إثباتُ انتماء. ليست لديّ أيّ مشكلة مع التعبّد، ولا مع الأخلاقيّات التي يدعو إليها الدين، ولا مع كلّ ما يُشِـيـعه الإيمان في نفوس المؤمنين من سلام نفسيّ وروحيّ واتّزان واستقرار.

** أين كنّا؟

== هذه هي عادتك! تأخذني إلى مواضع ومواضيع نقاشيّة لم أخطّط لها، فأكاد أنسى ما كنّا فيه.

** أتُـنْكِر أنّي أتمكّن، أحيانًا، من جعْلك تعبّر عن نفسك على نحوٍ لم يخطر لك في بال؟!

== ولِـمَ أُنكرُ ما نعرفه نحن كلانا؟! المختلف عنّي مرآة لي.

** إذًا أنا المَرء المِرآة...

== انظر... حتّى اليوم، لم يكن هنالك سوى بضع عشرة امرأة أشغلنَ عضويّة في السلطات المحلّـيّة العربيّة لدينا هنا في الجليل والمثلّث والنقب والساحل. بل إنّ إحداهنّ، فيوليت خوري، طَوال عملها المحلّيّ الذي امتدّ ثمانية عشر عامًا بين العام 1969 والعام 1987، قد أشغلت عضويّة ونيابة ورئاسة.

** كانت رئيسة؟! متى؟

== في القرن الماضي.

** وعلى وجه التحديد...؟

== قبل نحو أربعة عقود. تولّت رئاسة مجلس كفر ياسيف المحلّيّ مدّة عامين اثنين فقط (1972-1974). هي أوّل امرأة عربيّة لدينا تتولّى رئاسة سلطة محلّيّة.

** مفرح! أليس كذلك؟

== مفرح؛ لا ريب. ويحقّ لأهل بلدتها الإحساس بالفخر والاعتزاز. مفرح، لكن المحزن أنّها الحالة الوحيدة لدينا حتّى الآن.

** واليوم؟ كيف هي أمور النساء والحكم المحلّيّ؟

== ليست بأحسن ممّا كانت في الماضي، ولا تختلف عن أوضاعنا في التمثيل البرلمانيّ، حيث ليس ثمّة سوى امرأة عربيّة واحدة عضوة في البرلمان. في سلطاتنا المحلّـيّة العربيّة الآن، ليس ثمّة أكثر من بضع نساء عضوات فيها.

** دعني أسألك ثانيةً، وعلى نحو صريح ومُلِحّ: ألا تظنّ أنّ للديانات دورًا معيقًا في كلّ هذا؟

== دعني أحاول التهرّب بالإجابة عن السؤال بسؤال: ما رأيك في الحقيقة التالية؟: من بين النساء البضع عشرة، اللاتي كنّ عضوات في سلطاتنا المحلّيّة العربيّة حتّى الآن، كانت هناك سيّدتان اثنتان قد مثّلتا الحركةَ الإسلاميّة في بلديّة أمّ الفحم.

** هل ذاك سؤال إلزاميّ؟

== الإجابة إلزاميّة!

عـبـلّـيـن-(أيّار 2010)