بريخت والقاسم مع سلمى

نايف خوري قرأها 865
 

NayefKhouriJam01.jpg

بريخت:

يعتبر الشاعر والمسرحي الألماني بيرتولد بريخت من أهم الذين كتبوا للمسرح، لأنه وضع نظريته المعروفة بـ"التغريب" بعد أن رأى المدارس والأساليب المسرحية التي كانت سائدة في تلك الفترة في أوروبا. ولم ترق له الأساليب التقليدية التي اتبعها ستانسلافسكي في موسكو ومن سبقه بالتاريخ المسرحي وصولاً حتى أرسطو، وكتب في هذا مسرحيته الشهيرة "أوبرا بثلاثة قروش" التي انتقد فيها الأساليب الكلاسيكية القديمة. لم ترق لبريخت هذه المدارس لأنها خاطبت العاطفة وحركتها، وأثارت الانفعالات التي طغت على التفكير والعقل. وحين نشاهد مسرحية عادية نقع تحت تأثيرات مختلفة ونتفاعل معها، إما للشفقة والرحمة والخوف وإما للضحك والهزء والهزل. وقد وضع أرسطو في هذا كتابه "فن الشعر" الذي ترجم إلى معظم لغات العالم، بما فيها العربية، وقد ترجمه وشرحه الفارابي وابن سينا وابن رشد، حتى ظهرت الترجمة الأخيرة عن اليونانية القديمة للدكتور عبد الرحمن بدوي.

Brecht0101.jpg

وبمقارنة سريعة بين المسرح الملحمي (الإيبي) لبريخت وبين المسرح الدرامي نجد أن الإيبي يعتمد على الرواية، ويجعل المشاهد متفرجًا ويثير فيه الرغبة للعمل، ويدعوه لاتخاذ القرارات، وهو حين ينظر ويشاهد الأحداث يمكنه أن يجادل ويعارض ويتخذ المواقف، ويقرر في شعوره الغريزي، ويصبح الإنسان مدار بحث قد يتغير وقد يُغير، لأنه يهتم بتطور الحوادث التي تظهر أمامه في كل مشهد قائم بذاته، وهذه الحوادث يجب أن تبعد المتفرج عن الخيال. كما أنه يتطلب الفهم وقد يأتي بالتطور غير المباشر لأن الإنسان متطور.

أما المسرح الدرامي فيعتمد على الحوادث، وينقل المشاهد إلى عالم المسرحية وأجوائها التي قد تمنعه من العمل، لأن الدراما تمنح المشاهد اكتفاءً بالشعور وتمنعه من التطور، بسبب الاندماج في ما يرى وهو كالمسحور يحافظ على الشعور الغريزي. وينطلق ذلك من أن الإنسان معروف بشخصيته، وإنسانيته ثابتة دون تغيير. ويصبو هذا المتفرج إلى معرفة النهاية من خلال المشاهد التي تتابع ويرتبط بعضها ببعض. كما أن المتفرج يستخدم مشاعره ويستعين بخياله في حوادث المسرحية وفكرتها التي تظهر من خلال الشخصيات الثابتة للإنسان الذي لا يتغير.

RaymondHaddad&Norman.jpg

إن معارضة بريخت للكلاسيكية جاءت بدافع إيمانه بالفكر الماركسي والفلسفة المادية، وقد أوضح نظريته في كتاب "ميسينغ كاوف" وهو حوار بين مفكر ومسرحي، ووضع فيه نظريته المعروفة بنظرية "التغريب". وهكذا ظهرت قصائد بريخت أيضًا، وقد حملت كلها العناوين الفكرية والتي تدعو إلى العمل كما هو الحال في قصيدته "أولاد في حملة خلاص" والتي ترجمها إلى العربية شاعرنا سميح القاسم.

القاسم:

نعرف كلنا سميح القاسم لأنه من أشهر الشعراء المعاصرين، والذي حمل ألقابًا وضعته في مصاف العظماء، ولا غرو في ذلك فقد أبدع بوضع ما بين ستين وسبعين مؤلفًا في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والتوثيق والترجمة، وترجمت أعماله إلى لغات يصعب حصرها لكثرتها. وها هو القاسم في قصيدة "أولاد في حملة خلاص" والتي أصبحت "صرخة ماريا" فيظهر بإحدى قممه الإبداعية، حيث استطاع سبر غور الفكر الماركسي، والنظرية التغريبية لبريخت، فعرضه لنا بصدق وقدمه لنا بأمانة، وترجمه لنا ببعض التصرف ليتلاءم مع تسلسل الحدث، وبالتالي تنسكب في هذه القصيدة عصارة أفكار المقاومة ومناهضة الحروب والكف عن القتل والدمار والدعوة إلى العمار والبناء، وحفاظًا على البشر والحيوان والنبات.

Call%20of%20MariyaJam01.jpg

إن "أولاد في حملة خلاص" تمثل النواحي المغمورة والمستورة في حياة فئة من المشردين الذين بعثرتهم الحرب، وجمعهم المصير المجهول، وبحثوا عن مستقبل واعد، فلم يعثروا له على أثر. وكان قرارهم الحاسم بإرسال رقعة الاستغاثة والاستنجاد، ووضعوا عملية إنقاذهم في عنق كلب قد يتيه وقد يضل الطريق، فتصبح حالتهم كالمستجير بالرمضاء من النار.

لم يكن حضور القاسم في "صرخة ماريا" واجبًا لكي ينال باقة الورد في ختام العمل، بل استخدم المخرج صوته وقراءته. وسمعناه يلقي مقاطع القصيدة بصوته المميز، ولهجته المتدفقة، ونبرته المتواترة بإيقاع الرقصات والحركات، وقراءته البريختيانية التغريبية التي تقنع المستمع قناعة تامة بأن ما نسمعه وما نشاهده هو ما حصل فعلاً لا قولاً فقط.

نورمان:

نورمان عيسى، فنان مسرحي، عرفناه ممثلا ومخرجًا، وشاهدنا أعماله التي تميزت كلها بالإبداع والفن الراقي والجميل، بغض النظر عن القطاعات العمرية أو الأجيال الجماهيرية والفكرية لهذه المسرحيات. فجاءت مسرحياته للكبار كممثل بغاية الإتقان والقناعة والصدق، ولا تقل عنها تلك التي للأطفال، أما هو كمخرج فلم يدخر وسعًا ليعبر بأعماله عن نفحات فنه، وعن أصالته الإبداعية والمهنية.

وعندما شاهدته في هذا العمل الأخير كمخرج "صرخة ماريا" تأكد لي ما قلته له سابقًا وفي مناسبات عديدة، بأنه فنان متمكن وأصيل، وبوسعه أن يبلغ أعلى المراتب الفنية، حيث لا يعصاه دور، ولا تعرقله أي شخصية يود أن يلعبها، ولا تعيقه أي فكرة ليطرحها أمام الجمهور.. وها هو يتألق في هذه الأمسية الشاملة بفنونها، والمتعددة بفروعها، لأنها كالشجرة التي تنمو عليها المسرحية، وأغصانها تتألف من القصيدة، والسيناريو، والموسيقى، والإنارة، والملابس، والتمثيل، والحركة، والديكور.. وغيرها من المجالات التي أتتنا بثمرة فنية دسمة، ممتعة، شيقة، جذابة وسلسة، إنها سهلة الهضم وغير عسيرة المضغ.

انقلبت هذه القصيدة إلى "صرخة ماريا" لكي تظهر ماريا في شريط حياتها التراجعي نحو الماضي الذي عاشته كطفلة، ثم صبية، فيافعة، فبالغة، فمراهقة، فعاشقة. وجعل نورمان ككاتب سيناريو، هذا التحول والانقلاب في القصيدة سردًا منفتحًا ليتداخل بعمق بريختياني، وليفسر أبعادًا ذاتية وفكرية، وليقول رأيه في إبداعية متجددة، في ما يواجهه من مواقف وحالات الحرب والسلام، الفقر والثراء، الجوع والعطش، الحب والمسامحة، الفرح والاكتئاب، المواجهة الجماعية والانفرادية.

Call%20of%20MariyaJam02.jpg

واستطاع نورمان أن يجمع خيوط هذا العمل ليؤلف لنا مرئيات متصاعدة، ولوحات متزايدة، وشخصيات نامية، وأحداثًا متطورة. وهذا ناتج عن سكب صحيح للفكر الإبداعي السليم، والديناميكية المتواصلة في اللقاء والربط بين المشاهد المتلقي والفنان المقدِم.. وجاءت الروابط متينة مع الجمهور لأنها مكونة من عوامل الفنون الجميلة، كمرئيات وفكريات.

إن نجاح العمل مرهون بنجاح الإخراج، ومرتبط بقدرة المخرج على تقديمه للمشاهد بأفضل حلة وأجمل شكل. ومتعلق بلمسات الإخراج وصياغته الفنية، وعندما علمت بوقوف نورمان وراء إخراج "صرخة ماريًا" زاد اطمئناني بنجاح هذه التجربة مرة أخرى، كما نجح في مسرحياته السابقة. وبما أن المخرج هو أفضل متفرج، أو المشاهد المثالي، فإنه يعرض أعماله تحت هذا الباب، ومن هذا المنطلق. ولا عجب أن يضيف نورمان هذه التحفة الفنية إلى رصيده الغني.

ريمون:

إذا كان الجسم يعتمد على العمود الفقري فإن "صرخة ماريا" ظهرت بعمودها الفقري واسمه "ريمون حداد". وهذا بمثابة عمود البيت إذا كان الحديث عن خيمة العرب، لأنه حمل الإيقاع على أكتافه الموسيقية، ونظم الحركة والأصوات والمشاهد، وقاد أنفاس المشاهدين التي كثيرًا ما حبسها لهم، وجعل القلوب تنبض مع أنغامه وتتحسر النفوس مع ألحانه.

Call%20of%20MariyaJam03.jpg

ريمون الذي امتاز في أعمال موسيقية سابقة وساهم بإعداد الأعمال الموسيقية والغنائية العديدة للمغنين والمنشدين، شعر بأن الأنغام تسري في عروقه، فنقلها إلى المستمعين بمتعة ورهفة. وأصبحت العملية الموسيقية في "صرخة ماريا" أكثر من مجرد موسيقى مرافقة، أو ضمن الموتيفات والمؤثرات السمعية، واستطاع أن يعيدنا إلى الإيقاعات التاريخية لدور الموسيقى في المسرح اليوناني، والتي لا يستغنى عنها في العرض الفني. وهذا هو دورها في المسرح الياباني المعروف باسم "نو" وهو مسرح يعتمد على ثلاث مقومات: القصة، التمثيل والموسيقى. فإذا اختل أحد هذه الدعائم يختل العمل الفني بأكمله، فكم بالحري إذا كان العمل معتمد على هذه الموسيقى؟

وجاءت الموسيقى في "صرخة ماريا" ضمن مؤثرات الحرب ودوي المدافع والقنابل وهدير الطائرات الحربية، إضافة إلى مبعث للشجن والحنو، وإلى انتظام الحركات الراقصة والتمثيلية، والدخول والخروج، وحتى النص ألقي بوتيرة موسيقية، وتؤكد بأن هذا العمل هو مغناة بكل معانيها.

التمثيل والرقص:

التمثيل هو الواجهة التي تعرض فيه وبواسطته الأعمال المسرحية، ولكن التمثيل ظهر بحركات راقصة، تعبيرية، درامية، بتطعيمات المؤثرات الضوئية والموسيقية، واحتواء الديكور وهفهفات الملابس، وقهقهات الصغار وأنات الألم، وصرخات المفاجآت، ورعب القصف، وطفرات الأمل، وهذا ما أبرزته مديرة الفرقة ومدربتها ومرشدتها وفنانتها فريال خشيبون.

ومما أعجبني كمتفرج، هو الانتقال بين الأجيال على الخشبة، وذلك تجسيدًا لبلوغ ماريا سنًا معينة. وبرز في هذا الطفل فادي رايق طعمة وماريا فيليب هلون، والانتقال بين الأولاد اليافعين حتى ميساء سبيت وناصر حنا، ثم أماني سلامة وحسام حبيب خشيبون، الذي لعب دور الحبيب، والذي يلقى مصرعه في خضم المعارك والقصف البغيض. واستعرض هؤلاء الممثلون الراقصون سيرة حياة ماريا، والتي لعبت دورها على مدى العرض كله الموهوبة ميساء خشيبون، فكان لها حضور دائم وروح هائمة ترف على العمل كله.

أعتقد جازمًا بأن فريال المبدعة قامت بتدريب أعضاء الفرقة بجهد ومثابرة. وقد أدى الأعضاء أدوارهم بانسجام تام، وتنسيق متكامل، واحتراف يضاهي كبار الفرق الفنية المماثلة. وكذلك الأمر بالرقص الذي قدمته الفرقة، حيث عرض الراقصون والراقصات لوحات انفردوا بها وقد صممتها لهم فريال خصيصًا.

وحتى التمثيل جاء كرقصات تعبيرية، فتمازج التمثيل بالرقص تمازجًا غير منفصل، وانقطعت فيه الكلمات، وانبعثت فيه الأنغام وتناسقت فيه المعاني، واستحدثت فيه الحركات. لقد توازنت تحركات الفرقة وتوزعت بنوعية وتقنية تامة.. فما كنت أرى مشهدًا منكسرًا، أو منحرفًا، أو ضعيفًا.

واستطاعت فريال أن تبلور في بوتقة التوتر وقمة الحدث، نسيج الشخصيات التي سرعان ما اتفقت في ما بينها، واختلطت بعضها ببعض، منسجمة معًا في السلوك، واتخاذ القرار وطريق الحل. وإن الحدث كان جامعًا لا مفرقًا، وكان ململمًا لا مخلخلاً. ومسح على وجه القصيدة كلها صورة "ماريا" التي تناثرت مع أوراق الورد طيلة العرض المسرحي.

فريال:

إليك يا فريال خشيبون هذا العمل الذي بذلت الغالي والنفيس لإخراجه إلى حيز الوجود، يعود إليك تكريمًا وتحية.. هذا العمل الذي أمضيت تسعة أشهر على الإعداد والتدريب والجهد العظيم، قد ولدته مولودًا جديدًا بين يديك.. هذه المغامرة الجديدة التي دخلتها كانت جديرة لأنها عادت إليك بتجربة لا تنسى، لأننا شاهدناك في أعمال سابقة، ولا مجال للمقارنة مع ما مضى.. لأن هذا العمل الذي قدمته إلى الجمهور بمتعة المبدع، يعود إليك بمتعة المتلقي التي لا توصف.. هذه النقلة النوعية، والتغيير الذي أجريته على فرقتك وبرنامجها يفتح أمامك أفاقًا غير محدودة.. هذا العمل المتناسق بين جميع العاملين فيه يكتب لاسمك البقاء به.. هذا العمل يجعلك أهلاً لعرضه على مسارح العالم.. فإلى الأمام.. ومبروك لك.. تستحقين الاسم العالمي.