للحزن أصابع تقلقني
سأدق بأكف الليل على النقاط السوداء المسمرة، في مداخل داري المسكون بفوهات العتمة المستمرة، يلاحقني الصمت من جدران البيت، يلف ببلاهة وحدتي القاتلة، ولا أحد يفقه ذوباني المدمي في لحظات النهار الغارقة بالموت، لأني كلما حدثت أروقة الخوف الممزقة حولي، والحيطان المحيطة بي، والمبطنة بالسكون الحاد، تجيبني منافذُ الرعشة المتغلغلة بهدوء شاحب، تحرضني على إعلان شيء ما، لم أجد غير حيرتي المقمّطة بتوهانات لا حدود لها، في منزل لا تسكنه غير أشباح ظلي العتيق، المدقع في القدم، وكهوف الفراغ تأكل سهواً مخزون فرحي المبقّع بألوان فاقعة.
يجوس طرقات مدينتي ديمقراطيته الثقيلة، محملة بالعذاب المتطورة تقنياتهِ، تمرُّ على أبواب وغرف وشبابيك بيوتنا، تشحن ملامح عقارب الساعات المتأخرة من ليل فاتر ونهار كسيح، هالني الرعب وسحق هدير أصوات النعاس، الذي حام حول مئذنة الفجر، مع انقطاع التيار الكهربائي، الذي يكمّم جميع من في البيت، أمي، أبي، أخوتي، كي يتهيؤوا للنوم مرغمين، وهذا ما تعودنا عليه منذ تواجدهم في بلادنا، أصبحنا مجبرين على النوم والخوف، فمدينتي تبدأ دورة الرعب فيها مدى ساعات اليوم.
أيها السكون الزائف، بعد ان تركتنا ورحلت، لم يكن أمامي غير أن أتوجه بكل روحي ومشاعري الى ضوء السعادة، التي أفتقد ألوانها من أعوام طفولتي، وعتمة الشقاء تتجانسُ داخلي بكل شرورها، مادمت في بلدي لا أعرف معنى السعادة، أهمُّ بالصراخ، يوقفي ويجلسني أمام الحزن، عندما يتحطم العالم من حولنا نبحث عن الصندوق الأسود، الذي يخزن الأسرار للخوالي من اللحظات الفائتة، وما ان نجده، نفتحه خلسة ونغوص في شموع الخيال، لك وحدك أيها الفضاء الأخرس، أفك همسات صدري النابض بالحياة، كي تكون بئرَ سرِّيَ المثلومِ بوبالِ أهوالِنا، أسكب شتات أحلامي في ليل موحش، كي أهرب من قسوة الجراد المهيمن على فضاء تاريخنا، ومخزون ماضينا وتراث أيامنا وموروث مفاهيمنا، ها نحن نعيش الخوف والموت فوق مساحاته الشاسعة، يحركنا التماعات فاسدة تنفجر براكينها دون استئذان، ما ان أدخل الفراش البارد تلفني أنفاس الحنين والإلفة لكل الأهل، وبين طياته أتلبس كل الوحشة، أحس زمني كجدول رقراق، يزمزم بعفوية بالغة الجمال، حين يختنق صوت زناجيل الدبابات، وتعود النجوم للحوار معي يقودني سرور، يهدهد جسدي المطمور بالوحدة بعيداً، لأخلق عشقي للحياة، وما ينعكس عليها من فضاء الألم، في غرفتي الموحشة تلسعني خواطري وهذيانات الغدر الذي نعيشه، تحت جب الأمل، وان تعود لوحدات أعمارنا أنفاسنا المتكئة على صدر الأيام، ونعيش غبطة اللحظات من جديد.
العراق/ الموصل