مجموعة قصائد - 6
فتنةُ الماءْ
أُحدِّقُ في كُوَّةٍ
لا أرى غيرَ صفصافةٍ من ضلوعكِ
شفَّافةِ الماءِ والدمعِ
فاتنةِ اللذعِ
أرمي سهامي كما الخيلِ
فوقَ الرمالِ التي موَّجتها أكفُّ الحريرِ
أعضُّ دمي
عندما لا يُصيبكِ
ينهرُني الإثمُ حينَ أضُمُّ
فضيلةَ جسمكِ يوماً إليَّ
ويُنكرُني في الضحى ندَمي
فتنةُ الماءِ تجتاحني
ويُعرِّي دمائي هواءُ العذابِ المُقدَّسِ
في كُوَّةِ الرغبةِ الناصعةْ.
* * * * *
فُلٌّ أسودْ
فُلُّها أسودٌ ناعمٌ قاتمٌ
نائمٌ في الدهاليزِ
مُستوحشٌ كالذئابِ الصغيرةِ
أو كحنينِ الغريبِ إلى بيتهِ
خلفَ أرضِ الضبابِ
وخلفَ نجومٍ مجوسيَّةٍ في الترابِ المُضاعِ...
يُلملمني فلُّها كالمحارِ
ويُشعلُ عينيَّ كالنيزكينِ الفقيرينِ
في قاعِ أعلى البحارِ
يُحوِّلني في دقيقةِ عشقٍ خُرافيَّةٍ
من يمامٍ أليفٍ إلى طائرٍ
يُشبهُ الرُّخَ ملءَ حرائقَ هذي البلادْ
ومن شاعرٍ عذَّبتهُ المعاني
ونارُ الغواني
إلى سندبادْ.
* * * * *
نصاعةُ الإثمْ
في اختلاجاتِ أحلامهِ
يتحسَّسُ فكرتهُ وخطاهُ التي سَلمتْ
من وحوشِ الجحيمِ
ويُمعنُ في قلقٍ لا يؤدِّي إلى جنَّةٍ افتراضيَّةٍ
هو أجملُ من أن يُقالَ
وأكملُ من حبقٍ يتلألأُ
في ثغرِ أنثى
وأكبرُ من سطوةِ النسوةِ القاتلاتِ
وأروعُ من ضدِّهِ
ثملٌ كانتباهِ القصائدِ من نومها
المُخمليِّ الطقوسِ
ومُغرورقٌ بالشموسِ
ولستُ أرى فيهِ إلاَّ....
نصاعةَ آثامهِ.
* * * * *
حينَ يشتدُّ ظلمكِ لي
حينَ يشتدُّ ظلمكِ لي
أتنفَّسُ مثلَ جذورِ الشجَرْ
في ظلامِ الحياةِ العميقِ
وأسعى على زهرتينِ
إلى الانعتاقِ السحيقِ
كأنِّي رفيفُ القمَرْ
حينَ يشتدُّ كرهكِ لي
أتدَثَّرُ مثلَ النبيِّ الكريمِ
بشمسِ النصاعةِ
أو أحتمي بحفيفِ الحجَرْ
أُساوي قوافي الكلامِ المُباحِ
بما ظلَّ في حقلِ عاطفتي
من فخاخِ الطيورِ
وأستلُّ بحراً يُربِّي النوارسَ
يرفعُ حتى السماءِ
صدى قلبيَ المُنكسرْ.
* * * * *
في مكتبِ العمَل
في مكتبِ العملِ الموظَّفةُ الدميمةُ والرخيصةُ والحقيرةُ..
تجمعُ الحشراتِ في كُرةٍ من الوهمِ الهُلاميِّ
النهارُ يزوغُ منها
من ظلامِ دمائها أو نفسها الحجريَّةِ الأغصانِ..
تلعنُ طالبَ العملِ الحزينَ
تسبُّهُ قدَّامَ كُلِّ الضائعينَ...
هناكَ كنتُ محاولاً بالسرِّ
كشفَ قناعها الدمويَّ عن عينَيْ يهوذا
بالكلامِ الحلوِ
فيما طالبُ العملِ الحزينُ
يثورُ في الدهليزِ منهارَ العصَبْ
_ هذا التصرُّفُ لا حضاريٌّ
تقولُ بلا اهتمامٍ
ثمَّ تكنسُ كالغبارِ خطى العرَبْ.
* * * * *
ظالمة
شيطانةٌ شمطاءُ في المدينةِ العمياءِ
صبَّتْ حقدها عليَّ
حبلُ المسَدِ الملعونُ يعلو جيدَها القبيحَ
والغسلينُ يعلو قلبها
أظلمُ من أبرهةَ الأشرمِ
من نيرونَ
في اليقظةِ تأتيني وفي المنامِ مثلَ الأعورِ الدجَّالِ
تُبكيني من الخوفِ
تسوطُ الروحَ بالظلامِ
أو تُحرقها في حفرةِ الزمنْ
كأنَّها ذو النونِ
أو كأنَّ قلبَ الشاعرِ المسكينِ
نقطةٌ من الدموعِ ذابتْ
في ثرى عَدَنْ
شيطانةٌ كأنَّما نظرتها تكشيرةُ الكفَنْ.
* * * * *
مرايا الرّبيعْ
أُحلِّلُ معنى انتهائي من الصيفِ
عن كثَبٍ علَّني أستطيعْ
الوصولَ إلى آخرِ الشفقِ الأُنثويِّ
على شهقةٍ من زهورِ الصقيعْ
أُحلِّلُ معنى انتهائي من الصيفِ
عن كثَبٍ...
وأبوسُ مرايا الربيعْ.
* * * * *
مطرٌ قابلٌ للدموعْ
مطرٌ مثلُ طلٍّ خفيفٍ على وجنةٍ ذابلةْ
مطرٌ يتساقطُ من هالةٍ أقحوانيَّةٍ
ويحُطُّ على قامةٍ ناحلةْ
مطرٌ يتواصلُ طولَ النهارِ
وطولَ اندلاعِ الظلامِ الكثيفِ
بحقلِ فراشاتهِ السائلةْ
مطرٌ يتسلَّلُ من قُبلةٍ قاتلةْ
مطرٌ يتناسلُ من أعينِ السابلةْ
مطرٌ قاحلٌ كأكُفِّ الرمالِ
يهبُّ على جهةٍ قاحلةْ
مطرٌ قاتلٌ... مطرٌ آيلٌ للسقوطِ
كناطحةِ الاشتهاءِ على زهرةٍ
مطرٌ قابلٌ للدموعِ على جنَّةٍ زائلةْ.
* * * * *
فُلٌّ أسودْ
بحرُها قُدَّ من قُزحٍ
بحرُها قُدَّ من قُزحٍ مرَّتينْ
مرَّةً عندما لم تجدْ ليدَيها هلالاً
يليقُ بأحزانها الذهبيَّةِ... والثانيةْ
عندما زوَّجتْ ماءها للحصى السُكريّْ
بحرُها قُدَّ من قُزحٍ
يتراقصُ في قاعِ قلبي بمليونِ لونٍ
وينحلُّ في آخرِ الجسدِ الكوثريّْ
بحرُها قُدَّ من قُزحٍ
دمُها قُدَّ من فرحٍ
طاهرٍ... غابرٍ مثلَ ضوءِ اللُجينْ.
* * * * *
الحزنُ لا يخاف
الحزنُ طفلٌ يعرفُ الدموعَ والرمادَ والظلامْ
ويألفُ الأشباحَ والأشجارَ والليلَ ولا يخافْ
الحزنُ طفلٌ غاضبٌ يُكسِّرُ الأشياءْ
فينا.... ولا يُريدُ أن ينامَ أو ننامْ
.........................
وفي المساءِ عندما يغمرُ قلبي عبقُ الصفصافْ
أسيرُ وحدي غارقاً بالفكرِ في طفولةِ اليمامْ
وفي كرومِ اللوزِ والزيتونِ غيمةً من الضبابْ
فتملأُ الضلوعَ رغبتانِ للبكاءْ
الحزنُ في الدماءِ لا يخافْ
من هذهِ الأشجارِ من أشباحها المفزعةِ السوداءْ
الحزنُ طفلٌ حالمٌ
يُريدُ أن يبارزَ السماءْ
يُريدُ أن يفترسَ الضياءْ.
* * * * *
يكفيكِ رقصاً
يا فتنةَ الدنيا ولعنتَها تعبتُ هوىً
وتحجَّرتْ عينايَ في هذا الدجى الكابي
يكفيكِ قصفاً فوقَ أوردتي
يكفيكِ رقصاً فوقَ أعصابي
يُعجبكِ دمعي وهو ينـزفُ من
قلبي وتستهويكِ مأساتي
يا من طعنتِ الضحكةَ الخضراءَ في شفتي
بالخنجرِ المسمومِ عندَ الفجرِ
رُدِّي لي غواياتي وضحكاتي
أو خوفَ ذاكَ الطفلِ ممَّا يحملُ الآتي.
* * * * *
كانوا حوارييِّن
لا يخلطونَ الطينَ بالضياءْ
لكنَّهم بشَرْ
قُتلَ بولسُ الرسولُ وهوى عُمَرْ
من السماواتِ وقلبِ الأرضِ كالشهابْ
وسقطَ الإمامُ مشتاقاً تلَّقتهُ يدُ الحبيبِ في المحرابْ
وماتَ جبرانُ بداءِ السلِّ في نيويوركْ
وصُلبَ الحلاَّجُ فالعذابْ
يقطرُ من يديهِ من رجليهِ...
يا أعمدةَ البهاءْ
قلوبكم تحملُ شمسَ الأرضِ والدموعَ والشَجَرْ.
* * * * *
ضحكةٌ تملأُ الدنيا
لو ضحكةٌ تملأُ الدنيا عليَّ سناً
غبَّ الظلامِ وإن كانت ضبابيَّةْ
لِمْ تصدفينَ بعينَيْ جوذرٍ أنِفٍ
وتذبحينَ بأسيافٍ حريريَّةْ..؟
لِمْ ترفعينَ عذابي في الفضاءِ كما
سرابِ ألويةٍ تبكي وأُغنيَّةْ..؟
قالوا شيوعيَّةٌ حمراءُ قلتُ لهم
أموتُ فيها وإن كانتْ شيوعيَّةْ
الحُبُّ لوَّعني فيها وروَّعني
وانفتَّ قلبي كغيلانٍ على ميَّةْ
كأنَّما ثغرها المرسومُ تحتَ يدي
فراشةٌ ذبحتْ قلبي حديديَّةْ
كأنَّما يدُها في الريحِ حقلُ رؤىً
يستلُّ قافيةً في الروحِ مطويَّةْ
كأنَّما حبرُ شرياني يضيءُ لها
دروبَ كحلٍ وراءَ الصينِ مرميَّةْ.
* * * * *
*
ساهراً في النهارْ
(1)
ساهراً في النهارْ
أُدحرِجُ غيمَ الأمَلْ
عن سماءٍ مُصوَّبةٍ نحوَ قلبٍ مريضِ الأماني
كسهمٍ على قابِ هاويةٍ من قُبَلْ
أُمرِّرُ أهدابَ سَوسنةٍ مزَّقتها الرياحُ
وأُنشبُ ظُفري بعطرِ العسَلْ
لعلِّي أُصادقُ أفراحَ ذاكَ الجمالِ
بما ظلَّ لي من نحيبِ الرمالِ
لعلِّي بعينيَّ أغرزُ راياتِ حُريَّتي في مهبِّ الدمارْ
ساهراً.. حاملاً شهقاتِ الفجيعةِ فوقَ الأصابعِ
مغرورقاً باللهيبِ وبالحبِّ... بالمطَرِ الجافِّ.. بالإستعارةِ..
يبدؤني الماءُ.. يلغي سواحلَ عينينِ من لازوردٍ عميقِ البكاءْ
ساهراً في النهارْ
أُفكِّرُ في لحظةِ الإنكسارْ
(2)
الهواءُ دمٌ يتقطَّرُ من طعنةٍ غيرِ مرئيَّةٍ
هكذا خُيَّلَ الآنَ لي
عندما كنتُ أُمسكُ ديوانَ غيلانَ
أشتمُّ مسكَ العذابِ لذي رمَّةٍ
في تجاويفِ جرحِ الكتابْ
الهواءُ الذي هبَّ من جهةٍ لستُ أعرفها
عطشٌ عارمٌ دائمٌ لدموعِ الجمالْ
لغةٌ لا تطاوعني كي أُداعبَها
ويدٌ من دمقسٍ لفضِّ السؤالْ
السؤالِ المعلَّقِ مثلَ الهلالِ
بكاملِ نقصانهِ وخشونتهِ في الدماءِ
التي سهرتْ عندَ أطرافِ ذاكَ النهارْ
تفكِّرُ في لحظةِ الإنتصارْ
(3)
سآخذُ بعضَ المتاعِ القليلِ لذاكَ المساءْ
أشعَّةَ عينيكِ والنظرةَ التائبةْ
ومياهَ التعَبْ
والطيورَ التي شرَّدَتْ قلبَ طفلٍ أحَّبْ
وبعضَ صفاتِ الربيعِ
وقسوةَ أيلولَ
بستانَ خوخٍ وحقلَ عنَبْ
سآخذُ من عطرِ ليمونةٍ في يديكِ اللَهَبْ
ومن شفتيكِ دماءَ الحطَبْ
ونهراً يُطوِّقُ قامتكِ المُشتهاةَ
وخصرَكِ بالبيلسانِ الجريحِ
ويدخلني كسيوفِ العرَبْ
سآخذُ نارنجةً في أقاصي الخيالِ
وتنهيدةً من فمِ المستحيلْ
وناقوسَ دمعٍ صغيراً صغيراً
وكلَّ قصائديَ المستباحةَ
تلكَ التي لم تجئْ بعدُ أو قُتلتْ في الطريقِ الطويلْ
سآخذُ حزنَ المزاميرِ
آخذُ لونَ الهديلْ
واعترافاتِ شاعرةٍ قتَلَتْ نفسها في ربيعٍ جميلْ
سآخذُ زرقةَ أمطارِ أشعارها
ولوعةَ أزهارها في مهبِّ الفصولْ
والرمادَ المضيءَ الذي يتدفَّقُ من دمِها في ليالي الجليلْ
وفي كأسِ حمصَ التي أينعَتْ مثلَ حقلِ المُحارِ
وطافَتْ بوردٍ قُبيلَ الرحيلْ
وبعدَ اشتعالِ مفاتنها بالندى الكوثريِّ
وبعدَ انطفاءِ أصابعها بمياهِ الصليلْ
سلامٌ على حزنِ وردٍ
سلامٌ على جمرةٍ في قلوبِ الخيولْ
وسلامٌ أخيرٌ أخيرٌ على ما أقولْ
(4)
سأستلُّ قوساً بمفردتينِ وأغمدهُ في حواشي بياضكِ...
أغمدهُ في أقاصي اليبابِ
سأستلُّ قافيةً من حدائقِ عينيكِ يوماً
وأُطلقها في سماءِ العبيرِ
وأُنهي قراءةَ يوسا بكلِّ امتداحاتهِ وانفعالاتهِ العاليةْ
لأبدأَ في كشفِ ذاتي وأسرارها من جديدٍ
وأغرقَ في عالمٍ يتأرجحُ
ما بينَ قلبي وبينَ صدى العاطفةْ
سلامٌ على وخزةِ الحبِّ في القلبِ
والسهمِ في قدَمِ العاصفةْ
(5)
ساهراً في النهارِ أُرتِّبُ أسماءَ أزهارها في القواميسِ
أهذي بما تتركُ الأبجدِّيةُ من مسكها
فوقَ مسربِ عينيَّ
أستمطرُ الدمعَ من مُقلَتيْ ظبيةٍ
من غصونِ أصابعها
من دمٍ ظلَّ يبكي
على جمرةِ الحبِّ في روحها
حينَ تمضي لها وحشةٌ
تقتلُ الذئبَ فيَّ...
وحينَ تجيءْ
تذرذرُ أنهارَها في المهبِّ المضيءْ
(6)
هنالكَ ما بينَ صوتي وبينَ صدى المفردةْ
جفَّتِ الدمعةُ السابعةْ
وجفَّتْ زهوري التي كنتُ أودعتُها
صحنَ بسمتكِ الجامدةْ
ونهرَ الحريرِ الذي في يديكِ
يشقُّ اختلاجاتِ قلبي الوحيدِ بأقصى قرارْ
جفَّتِ البسمةُ التاسعةْ
وتهاوتْ على قدمِ الريحِ
كلُّ أصابعها اليانعةْ
في مَهاوي البحارْ
ساهراً في النهارْ
أُفكِّرُ في لحظةِ الإنكسارْ.
كانون ثاني 2010