رسالة من نعيم سابا إلى صديقه ابراهيم بيطار

جماليا – خاص قرأها 1,612
 

أرسلها عدنان نقّول

أستاذي العزيز إبراهيم بيطار،

تحية لك صديقاً ومبدعاً..

أشكرك على المجموعة الغنية التي أرسلتها لي والتي أثارت في نفسي كثيراً من السعادة والفرح.

أود هنا أن أنوه بجهدك المبذول لإَغناء المشهد الثقافي وإثراء النفس البشرية، إنه الفعل الإنساني النبيل.

 يروي الأديب الراحل د. عبد السلام العجيلي:

 
(كان ذلك وميشيل عفلق في أوجِ ممارسته السياسية وهو يتولى أحد المناصب الوزارية فقد التقيت به ذات يوم في بهو فندق الأوريان بالاس أكبر فنادق دمشق أنذاك، فسألني بعد أن تبادلنا التحية قائلاً: ماذا تكتب لنا في هذه الأيام؟ فقلت له: إني أتسلى بين الحين والحين في كتابة قصة أو مقالة. فرد علي بقوله: تتسلى؟
هذا هو العمل الذي يدوم ويبقى... أما ما نفعله نحن فإنه زائل)(2)

وفي النص القرآني:

(فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)(3)
أستاذي العزيز،

وأنا أقرأ النصوص تلك ثمة نقاط استوقفتني، فأرجو أن تفسح لي في المجال للتعليق عليها وباختصار:

أولاً: وجهٌ آخر للإبداع


يفاجئني الأستاذ بيطار للمرة الثانية... الأولى عندما تكشف لي وبالمصادفة جانباً إبداعياً مهماً لديه ألا وهو الترجمة عن الإسبانية وكنت قد تحدثت عن ذلك في رسالة سابقة.
اليوم يقدم نفسه قاصاً مجيداً امتلك أدواته وانطلق مغرداً في رحاب القصة القصيرة، هذا الجنس الأدبي الصعب حيث تختزل وتتكثف العناصر اللغوية والأدبية في أسطر قليلة إضافة إلى البناء الفني الصارم والحاد الذي لايسمح بالإطالة والمناورة كما النص الروائي، فلكل مفردة وزن ودلالة والنتيجة إحداث أثر في المتلقي وإلافقد العمل القصصي معناه.

ولأننا نتفق مع القاص الفرنسي رينية غودين في أن القصة هي تعبير عن حكاية هاهي القرية بحكاياها الشائقة حاضرة في وجدان الأستاذ بيطار ومنها يستلهم أحداث فضاءه القصصي (عربة التفاح) و(المقطورة العتيقة) راصداً التحولات الإجتماعية والإقتصادية في القرية.

في (عربة التفاح) يبنى النسيج القصصي على طرافة الواقعة أو مايعرف بالدراما ب كوميديا الموقف، وقد نجح الكاتب في الوصول إلى مبتغاه ولتتحقق ذروة التأثير الدرامي من خلال المفارقة التي رسمها الكاتب لأحد بطلي القصة:اعتداده بنفسه ومحاولته إثبات مهاراته في العمل (أنا أتسلق الشجرة كالسنجاب) فإذا بسوء الطالع يقوده باتجاه مغاير لتنقلب العربة ويتبعثر التفاح على الأرض.

من هنا أعتقد أنه لم يكن عبثاً محضاً اختيار (عربة التفاح) عنواناً للقصة.

 لكي لا تنسَ أن رشاقة السرد وظرف الحوار وكياسته ونجاح الكاتب في رسم شخوصه:

(طويل القامة أسمر اللون منبسط الأسارير)..

(قصير القامة وجهه قمحي غير معبر)،

.. عوامل ساهمت في انجاح العمل وتحقيق ذلك الأثر الذي أشرنا إليه سابقاً.

 الخاتمة جاءت ضربة فنية موفقة، فبالإضافة لغرابة قصة الغراب وطرافتها، ثمة حكمة أراد الكاتب تمريرها، واستطاع أن يربط بين القصتين بيسر وسهولة ودون المساس بوحدة النص.



(1) عبد السلام العجيلي للأمانة والتاريخ مجلة الناقد العدد /65/1993

(2) سورة الرعد الآية 17

 ثانياً: الطفولة المحاصرة

(آه يابنيتي: قد بدأت الأسطورة تهاجر من بلادنا كما تهاجر طيور السنونو إلى بلدان آخرى باحثة عن حرارة قلوب أطفال آخرين.. وقد لا يكون لدينا أطفال في الغد.. أطفال يلهون ويتمتعون بالطفولة... إنه قلق العصر يولدون فيه ويولد معهم).

من قصة: الأسطورة المحاصرة

ترجمة: إبراهيم بيطار


للقصة أن تقارب مسألة غاية في الأهمية، وهي التأثير السلبي للتكنولوجيا وأنماط الحياة الحديثة عن العالم الروحي للطفل.

لكن الكاتب بدا رومانسياً بصورته تلك، والواقع أقسى بكثير، فطائر السنونو يهاجر ليعود مع عودة الدفء إلى الديار، أما الأسطورة فقد هاجرت وبلا رجعة، كهجرة أجدادنا إلى أمريكا اللاتينية أيام (السفر برلك) ولم يكتف الطفل برفضه الأسطورة أو السخرية منها كونها مضيعة للوقت ولم تعد تتناسب مع بصيرته ومداركه وقدراته العقلية أو أنه لم يعد يشكل ألعابه ودماه كما يتخيل من الطين والخشب وبقايا لوازم البيت... بل أنه أصبح عنيفاً وقاسياً وهنا تكمن المشكلة الكبرى.

فاليوم تسمع أن طفلاً في العاشرة أقدم على الإنتحار ونرى أن آخرَ في التاسعة قتل عشرة من زملاءه في المدرسة بسلاح ناري محاكاة لبطل الفيلم الذي شاهده على الشاشة، فعذراً من الكاتب أننا إذ استبدلنا عنوان القصة ليصبح الطفولة المحاصرة بدلاً من الأسطورة المحاصرة.

من حقنا أن نتساءل: ماهو سبب انزياح الطفولة البريئة الحالمة أمام الطفولة العنيفة؟

في الإجابة نرى أن الكل في دائرة الاتهام، بدءاً من الأهل في غياب الدفء العائلي والتوجيه الأسروي، إلى الرأسمالية المتوحشة وأدوات إنتاجها ومصانعها والتي، لغايات ربحية نفعية، أغرقت الأسواق بألعاب مضمونها العنف: الدمى، و بلاي ستيشنPlay) station)(1) وغيرها.

والميديا ووسائلها: السينما والتلفاز في جانبهما السيئ (ثمة جوانب إجابية)

فقد لعبت الدراما دوراً سلبياً في تشكيل وجدان الطفل وعملت على تغذية خياله بصور مختلفة من العنف والقسوة ويكفي أن تشاهد حلقة واحدة من برنامج المصارعة الأمريكية Smack Down  لتتأكد من ذلك.

الإنسان بوصفه أشرس حيوانات الأرض وأكثرها ضراوة على الإطلاق عندما يتجرد من إنسانيته ويطلق العنان لغرائزه لتعيث في الأرض قتلاً وتخريباً وحرقاً وتدميراً وأخشى أننا بهذه المقارنة أو باستخدامنا مصطلحات (وحشية، توحش) قد ألحقنا ظلماً بالحيوان.
جاء على لسان الذئب:

(عفواً يا أبت لاتؤنبني هكذا، أنا لا أقتل إلا حين يعوي الجوع في أمعائي كي لا يميتني... ولي روح بريئة بعيدة عن الأنانية والحقد والبغضاء الكامنة في نفوس البشر. أنا لا أقتل من أجل القتل كما يفعلون... انظر كيف يشنون الحروب فيزهقون الأرواح ويدمرون القلاع ويحرقون الغابات مبتكرين لكل حرب اسماً جديداً ومبرراً خادعاً. أنظر كيف يخلق الإنسان لأخية الإنسان جهنماً على الأرض متناسياً أنه سيحترق بها هو أيضاً) (2)

_____________________

(1) يذهب في هذا الإتجاه الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز حيث وصف في برنامجه الأسبوعي (ألو سيادة الرئيس- حلقة بعنوان:الرأسمالية طريق إلى الجحيم تاريخ 17/01/2010) الألعاب الألكترونية كالبلاي ستيشن (Play station)* بالسم مشيراً إلى أنها تعلم الأطفال القتل وقذف القنابل مؤكداً أنها بذور لذرع ثقافة العنف تشجع عليها الرأسمالية في خطوة سابقة لضمان بيع السلاح.

(2) حكاية ذئب قصة من الأدب الإسباني ترجمة ابراهيم بيطار

لقد بلغت الحرب الأخيرة على جنوب لبنان وقطاع غزة حداً من الهمجية والرعب الوحشي لا يمكن للعقل أن يتصوره، وقد رأينا حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبشر والحيوان والشجر بفعل أعتى الأسلحة وأكثرها فتكاً: اليورانيوم المنضب، الفوسفور الأبيض...
نصف الضحايا كان من الأطفال، ولنا أن نتخيل مدى الأذى النفسي والجسدي والضرر الاجتماعي الذي لحق بمن تبقى على قيد الحياة ممن فقد أباه أو أمه أوكليهما أو حتى العائلة بأكملها.

لقد سلبت الحرب الطفل الشعور بالحنان والدفء وحرمته من الإستماع بأهم وأجمل مراحل حياته لتتركه وحيداً في مهب المجهول، ولتزرع في نفسه بذور الثأر والانتقام بدلاً من قيم المحبة والتسامح والإخاء.

على شاشة الجزيرة يطالب الطفل محمد ابن التاسعة وبحرقة ينفطر لها القلب والدموع تترقرق في مآقيه بحقه أن يحيا طفولته بسلام، وأن يشاهد أفلام الكرتون بدلاً من مشاهد الرعب والقتل والجنازات اليومية.

 ثالثاً: نشيد الحياة الخالد

 أصلي لأجل الشعر وخلوده.. فالقصيدة علمت الإنسان أن يكون إنساناً

خوسيه ماريا إيفار


وتبقى للشعر نكهته الخاصة....

هذا الكائن اللغوي المتجدد والحاضر أبداً في سيرورة الحضارة والتاريخ والذي ومنذ الأزل ماانفك يدهشنا ويثير الرعشة في أرواحنا من ملحمة جلجامش الألف الثالثة قبل الميلاد إلى الالياذه والأوديسا والمعلقات، مروراً بالأخطل، وجرير، والفرزدق إلى المتنبي، أبو تمام، والمعري، ودانتي، شكسبير، بودلير، رامبو، لويس أرغون، ميالارميه، بوشكين، طاغور، تي. إس اليوت، جبران، نعيمة، خليل مطران، السياب، الملائكة، أبو ريشة، نزار قباني، الماغوط وأدونيس ومحمود درويش... والقائمة تطول دالة على كونية الشعر وخلوده.

إنه أغنية الحياة ونشيدها الخالد وتوقها اللامحدود إلى الحرية والمستحيل...

 لقد أدركت قوى الظلامية ما للشعر من تأثير على الوجدان الجمعي والحراك المجتمعي، فحاولت خنق الأصوات المغردة في فضاء الحق والحرية و العدالة الإنسانية، فقتل غارثيا لوركا في اسبانيا وسجن ونفي بابلونيرودا من تشيلي وناظم حكمت من تركيا وبرايتن باخ من جنوب افريقيا وول سوينكا من نيجيريا والجواهري والبياتي من العراق.

 هي خواطر أثارها في نفسي نص شعري مفعم بالحب والحياة مترجم عن الإسبانية بعنوان (أحبك أيها الجبل).

لفرادتها وعذوبتها أحببت هذه القصيدة، فهي المرة الأولي بالنسبة لي أقرأ أن شاعراً تحدث عن الجبل بهذه المباشرة، وكأني به يقف بحسده المتواضع أمام قامة الجبل الهائلة رانياً إلى قمته العالية قائلاً: أحبك أيها الجبل.

إن القارئ أياً كان لابد له أن يغبط الأستاذ بيطار لموهبته الكبيرة، فقد أستطاع بإحساسه الشعري وحسه الغنائي العالي أن يقدم لنا ترجمة راقية بدا فيها متماهياً مع الشاعر في تداعياته الداخلية وتجلياته الإبداعية، أراد أن يكون (هويد اوبرو) بعواطفه ورؤاه وانفعالاته.
في هذه (السوناتا) الرائعة يقود المترجم السمفونية بحرفية المايسترو البارع بتحقيقه تناغم - هارموني - مدهش مابين البنية الإيقاعية للنص وموسيقاه الداخلية وتشكيله اللغوي، مع إبراز الأبعاد الجمالية للقصيدة والحفاظ على روحيتها.

يتكون النص من متواليات لغوية رشيقة وآسرة تدغدغ روح القارئ بنبضاتها العذبة الرقيقة، إيقاعها هادئ في البداية، لا يلبث أن يتواتر مسرعاً متساوقاً مع المناخات الإنفعالية للشاعر وتواتراته النفسية إلى أن يصل بالقصيدة إلى الذروة (الرعشة):

لهذا تبدو لي وكأنك أغنية نبي

أغنية تهب القلب حرارة الإيمان والأمل

ولهذا أحبك أيها الجبل

ليرتاح الشاعر مع القارئ بصورتين جميلتين:

أحب جبينك الحزين تحت الثلج كجبين الجدة

وجبينك الأبيض بياض ذراعي شقيقة روحي

اللتين تتوردان في المساء كأزهار الدراق

لينتقل بهدوء وسلاسة ودون تكلف لإبراز وجده المتوقد تجاه الحبيبة:

شقيقة الروح تعالي واصعدي بعينيك المشرقتين

لندخل معاً بين الأشجار

فتعودي إلى المدينة برائحة التفاح البري

وإنعاش الأوراق الخضراء

وليسمو المساء في روحك فأحبك أكثر

 أحبك أيها الجبل: بسنتة هويد أوبرو- تشيلي

 ترجمة أبراهيم بيطار

 

شكراً للأستاذ ابراهيم بيطار ولكل الذين ساهموا ويساهمون في إعلاء القيم الإنسانية وتوكيد البعد الروحي للحياة.


نعيم سابا
 دبي في 15/04/2009