"داي سيجي" يعاني من عقدة "دي"
شاءت المشيئة أن تقودني إلى الكاتب الصيني " داي سيجي "، كان ذلك من حوالي سنتين تحديداً في معرض الشارقة الدولي للكتاب، فإحدى عاداتي التي لا أستغني عنها مطلقاً حينما أطأ معرضا للكتاب، بعد انتهائي من شراء القائمة التي حدّدتها سلفا خريطتي الذهنية، ألعب لعبة مسليّة مع الكتب، في هذه اللعبة أركّز على كتاب أو كاتب لم أسمع بهما من قبل، وعلى مدار سنوات لم تفارقني هذه العادة، و تلك المتعة المدهشة المصاحبة لها التي توسِّع مداركي في كل مشيئة على عوالم مجهولة ورائعة في الآن.. ولم تخذلني مشيئتي تلك مطلقاً حين وقع تحت يدي رواية "داي سيجي" المسمّى " بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة " وهي أولى روايات هذا الصيني الفذّ، والتي اهتم بها القارئ الفرنسي كثيراً مذ لحظة صدورها عام 2000م، عن دار غاليمار وتمّ ترشيحها لجائزة " غونكور..
وفي هذا العام في معرض أبوظبي للكتاب، وجدتني أساق ودون وصاية من أحد إلى رواية تدعى "عقدة دي" لمؤلّفه "داي سيجي" بقيت ذاكرتي لبرهة تتساءل عن هذا الكاتب وروايته، لكن وجه الدهشة هو حين اكتشفت وأنا أصفّف الكتب الجديدة على الرفوف في المكتبة أن صاحب هذه الرواية هو نفسه صاحب رواية " بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة"، وقد تكون الأسماء الصينية واليابانية من الأسماء التي يصعب على عقل عربي استيعابها أو حفظها أو حتى تذكرها، لكن الذنب لا يقع على عاتق عقلي، فالرواية الأولى له صدرت عن دار نينوى ترجمها "محمد أحمد عثمان" واسم المؤلف المدوّن بعد تدقيقي للروايتين "ديه سيجي" في حين رواية "عقدة دي" الصادرة عن مشروع كلمة - لهيئة التراث والثقافة أبوظبي - بالتعاون مع المركز الثقافي العربي للمترجمة "زهرة الرميج" تحمل اسم "داي سيجي"، أعتقد ودون الرجوع إلى القواميس الصينية أنّ "داي" غير "ديه" مثلما "ماو" و"ميو" و"مو".. ولا أدري أيهما أصح الأولى أم الثانية..؟!
"عقدة دي" هي الرواية الثانية لـ "داي سيجي"، هذا الكاتب المولود في الصين عام 1954م، أرسلته "الثورة الثقافية" لإعادة التأهيل بين عامي 1971م – 1974م، وكما جاء على غلافها الخلفي هذه المرحلة من أكثر مراحل التاريخ الصيني اضطراباً وانغلاقا، وكان داي سيجي، الطالب الجامعي، واحداً من الذين "أعيد تأهيلهم" إذ اجبروا على التوقف عن الدراسة والذهاب إلى مناطق الريف لممارسة "الحياة الثورية" مع الفلاحين، عرفت تلك المرحلة أسوأ إيديولوجيات السياسة والحكم، ولا تزال شظاياها متأججة في الجرح الصيني.
لذلك نرى تمسك "داي" بتلك الحقبة المهمة في حياة الصينيين، ففي روايته الأولى "بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة" تجري أحداث الرواية في أحد الأرياف النائية، في إقليم سيشوان، وفي عهد حكم الزعيم الصيني "ماوتسي تونج" حيث يرسل بطل القصة مع صديق طفولته "لو" ضمن حملة إعادة تأهيل، التي أطلقها ماو في أواخر عام 1968م، وذلك ليعاد تأهيلهما مثل ملايين الشباب الصينيين - تحت إشراف الفلاحين الفقراء - وفي القرية يخضع الشابان الصغيران لأنواع شاقّة من العمل السخرة في ظروف جغرافية ومناخية قاسية، ولا يجدان ما يشفع لهما سوى موهبتهما الفريدة في الكلام، والتي بدورها أغرت مأمور القرية؛ ولذلك يعمل على إرسالهما مرّة واحدة كلّ شهر إلى مركز المقاطعة لحضور العرض الشهري لفيلم سينمائي يقام في ساحة الألعاب الرياضية في المدرسة الثانوية للمدينة، ليقوما بسرد ما شاهداه بالتفصيل لأهالي القرية، وفي هذه الأثناء تتوثق صلتهما بالخياطة الصغيرة التي سيخوضان معها وبدونها أنواع من المغامرات لعل أهمها مغامرتهما مع مؤلّفات "بلزاك"، التي كانت ضمن القائمة المحرّمة من الآداب الغربية، وبذلك يخترقان تابوهات المؤسسة للسلطة السياسية.
بينما في رواية "عقدة دي" التي كتبها "داي" بعد روايته الأولى، والحائزة على جائزة "فومينا"، يقابلنا في السطور الأولى لهذه الرواية السيد "ميو"، المحلّل النفسي، بقامته القصيرة وهزاله الشديد ونظارته السميكة وشعره الأشعث، العائد مؤخّراً من فرنسا بعد دراسته لمدة عشر سنوات كتب "فرويد" و"لاكان" في تفسير الأحلام، بيده دفتره لا يغادره إلاّ نادراً، يسجل فيه الأحلام وهي مهمة فرضها على نفسه باعتبارها واجبا، يحب زميلة دراسته تدعى "بركان قمر العجوز " في السادسة والثلاثين من عمرها، عازبة، مهنتها مصورة، ولكنها قابعة في السجن بتهمة بيعها للصحافة الأوروبية صوراً التقطتها خفية تظهر فيها أساليب التعذيب التي يمارسها البوليس الصيني.. لذلك عزم "ميو" أن يحرّر حبيبته من القضبان وذلك برشوة قدرها عشرة آلاف ين، يقدّمها للقاضي المسؤول عن القضية والمعروف بجبروته: "دي"، وحين يفشل في مأربه ذاك، نراه يفكر في طريقة أخرى من أجل قضية حبيبته المسجونة خصوصاً حين عرف أنّ القاضي "دي" يعشق الفتيات العذراوات، ولعلّ تقديم واحدة منهنّ تشفع لصديقته..
من هنا تبدأ المغامرات التي يخوضها هذا المحلل النفسي، فيستولي على دراجة والده المنهكة وعلى إزار والدته الأبيض فيدوّن عليه "مفسّر أحلام"، ويشقّ طريقه خلف هذه المهنة التي اتّخذها قناعا للحصول على العذراء الموعودة.
في سوق الخادمات، حيث تكتظ النسوة من طبقات مختلفة، يمارس "ميو" مهنته في تفسير الأحلام فيفسر أحلام أولئك الفتيات فيحصد شهرته من خلالهنّ، وهو في كلّ مرّة يمدّ مساعيه للحصول على عذراء "دي"، وحين يقابلها ويتوعّد نفسه بلقائها متوحدة في مرّة أخرى، تظهر رسالة السيدة تاتشر وهي الشرطية المسؤولة عن سوق الخادمات تعترف له عن حبّها المكنون وتطالبه إن لم يبادلها الشعور أن ينأى بنفسه عن السوق تماما، وهنا تضيع فرصة البحث عن الفتاة العذراء التي كان يريدها.. ولكنّه يتذكّر صديقته وجارته المدعوة بـ "محنطة الموتى" وهي العذراء الأرملة التي انتحر زوجها في ليلة الزفاف بسبب شذوذيته، فيقدّمها "ميو" للقاضي "دي"، وفي اليوم الموعود حين تتوجه إليه صديقته، يقع القاضي "دي" ميتاً بسبب استغراقه في لعبة "الماهونغ" لأيّام متتالية دون راحة..
وفي غرفة تحنيط الموتى، حيث يساق القاضي "دي" لتجري له "محنِّطة الموتى" عملية تجميل الجثة قبل عرضها على المشيّعين، تقف هناك مع المحلّل النفسي "ميو"، ولكن كلاهما يفاجآن بعيني القاضي تتحركان؛ فإذا به حياً. ونتيجة لذلك تُزج صديقته "محنّطة الموتى" في السجن بتهمة محاولة اغتيال القاضي، بينما المحلّل النفسي يجد نفسه هارباً بعد أن يزج اسمه ضمن قائمة محاولي اغتيال القاضي بالاتفاق مع صديقته..
ولا يوقف هذا الهرب سوى الفتاة العذراء التي يقابلها المحلّل النفسي في القطار، فيعزم مرة أخرى تقدميها للقاضي "دي" لإنقاذ صديقتيه "بركان قمر العجوز" و"محنطة الموتى"..
ويبدو أن القاضي "دي" قدره أن لا يقابل تلك الفتاة العذراء؛ بسبب تعرّضها مع المحلل لحادث سيارة تتعرّض بسببها ساقها اليمنى للكسر، ولا تشفى إلاّ بعد مشاق على يد المراقب العجوز الذي يجبّر لها ساقها بأدوية كريهة الرائحة وذات مفعول فعّال، ونجد الفتاة العذراء بعد شفائها تفرّ راحلة إلى أهلها تاركة المحلّل النفسي الذي يتخيل نفسه مغرما بثلاث نسوة عذراوات "بركان قمر العجوز" و"محنطة الموتى" و"الفتاة الهاربة"، وتكتمل الرابعة بابنة المراقب العجوز الذي عرض على المحلل النفسي تزويجه ابنته، مقابل شفاء الفتاة العذراء مكسورة الساق، يفاجأ بقدومها ليلا إلى بيته، فيبادرها بسؤال قضّ مضجعه طوال الرواية: "هل أنت عذراء"..؟!
***
تتمتّع كتابات "داي سيجي" بسخرية رائقة، تتماهى مع الشخصية تارة ومع الأحداث تارة أخرى، دون أن تتغيب عنها فجائية مبتكرة مع إضاءات تعمّق ثقافة الكاتب التي نرى أنّها متأثرة بالثقافات الغربية بشكل كبير، كما نلمس فيها روحا صينية منفتحة على ردهات العالم، والجميل فيها أن الكاتب عرضها في قالب ساخر، فهي تضفي لمسة واقعية، وفي ذات الوقت جرأة يجد القارئ معها نفسه في حميمية خلاقة مع الأحداث المتعاقبة ..
ولا تغيب بين سطور الرواية ألاعيب الكاتب السينمائية؛ وذلك ليس بغريب عليه، فلقد درس الإخراج السينمائي في فرنسا وأخرج عدة أفلام ..
· يرى الكاتب "هنري ميللر" بأن "الكتاب يبقى حيا عبر التوصية المُحِبَّة التي يقدّمها قارئ إلى آخر".. وأرجو أن تكون قراءتي للكاتب الصيني "داي سيجي"، قد حققت تلك التوصية المحبة بطريقة أو أخرى..