لم تنهِ أغنيتك بعدُ يا ولدي فلا تقطع الوتر!

خيري حمدان قرأها 980
 

انعطفت الأغنية بعد أن انقطع الوتر على حين غفلة، وتر صغير شد بعناية في رحم البيانو، تلك القطعة الخشبية المصقولة. كان النغم يتسامى نحو فضاء الروح، استشعرت بأنّ مسامات الجلد ترطبت. بلّلها عرق انداح من ينابيع العمر المنقضي خلف التلال المغبرة بمخلفات الذاكرة.

أكاد أتحسس رجع صوت الحياة من حولي، أشعر بأن مسامات جلدي تكاد تنفجر، ربما قرر الربيع أن يسحب بساط الشتاء مبكّرًا. مهلاً يا آذار، ما زال الثلج متعلقًا بأذيال روحي، كيف يمكنني طرد كوابيس دببة الشمال الساكنة في مهجعها بانتظار لحظة الصفر. آخر مرة قابلت خلالها دبًّا أرعنَ كانت قبل عقدين من الزمان، كان يقف على قدميه في التلّ المقابل وكانت صحراء وبحر المتوسط يقفان ما بيننا. لوّحتُ له فزمجر غاضبًا. وضحكت في سرّي، كنت بعيداً عن مرمى نظره وأنيابه وجسده الثقيل. مضيت بعد ذلك نحو أربعينيات العمر قلقًا ولكن دون تردّد!.

ياولدي.. لماذا قطعت الغناء الآن وقد شارف الفجر على الانبعاث ثانية؟ أكملْ غناءك، توحّدْ مع نسغ الحياة، واعلم بأنك الغد المتفجر من رحم العتمة. تخطَّ هذه الصخرة، لا تدع حصاة تقلب موازين حياتك! أنت يابنيّ لم تعد يافعًا، احترق الزغب عن جناحيك فانطلق وحلّق مع النسر المغامر، فالكرة الأرضية تبدو ضحلة بين ناظريك. ارتفع مجددًا ولا تنظر إلى الخلف مطولاً، ولكن.. لا تنسَ قلب أمّك فسيبقى دائمًا فزعًا عليك. أمّك تخشى عليك مكر النساء وبعض العشق الذي قد يطيح بسقف بيتك!.

لا توقف الغناء، فللرّبابة حقّها فلا تهضمه ياصغير! اقتحم الليل لا تفزع إذا طاردك شبحٌ يتعاطى التسوّل وعيناه تقدح شرًّا، تسلّح بالقصيدة، قدّم له فتات الحياة ولا تلعن العتمة فالشموع في انتظارك! واعلم بأن هناك في المدى قصّةَ حبّ لم يكتبها أديبٌ بعد، وضربةَ حظّ خصّك بها القدرُ الشبقِ فانتهزها واعتلِ الغيمَ.. دَعْ مراكبك تبحر ليلَ نهار، فهناك جوهرة قد وهبت ذاتها للحظة لقاءٍ برجولتك، ولا تبخل يابنيّ على البحر بموالٍّ وقصة حبّ.. فهل تفعل!.