في إطار أسبوع القراءة العربي: العودة.. إلى الكتاب
بداية هناك أزمة قراءة في أقطار العالم العربي ومنها فلسطين. وتقف عوامل كثيرة وراء تراجع فعالية القراءة والتخلي التدريجي عن مصاحبة الكتاب ومصادقته سواء لدى الاطفال او الناشئة او حتى الفئات العمرية الأكبر سناً، في عصر يفترض ان من أهم ملامحه وسماته تطور تقنيات الطباعة وتحديث أساليب إخراج الكتب وسهولة انتقالها من مكان الى آخر. وحينما نشير الى التطور التقني - باعتباره أحد هذه العوامل - بالاتهام، فاننا قد لا نكون مبالغين بذلك.
الا اننا نستدرك ونقرُّ احتراماً وتقديراً للعلم والتقنية انهما ليسا مسؤولَين مباشرين، وانما جراء الفهم الخاطىء لرسالتهما والنظرة اليهما على ان من أهدافهما تحرير الإنسان من مسؤولياته تجاه التفكير ومشقة البحث عن وسائل لحل مشكلاته، وأنهما أيضا جاءا ليطرحا بين أيديه آليات عديدة غير الكتاب تمده بالمعلومة التي يسعى اليها، وبأسرع مما يتصور وأسهل وأدق وأكثر تشويقاً.
وحقيقة الأمر لقد استولت التقنيات العلمية المتطورة "التلفاز عبر فضائياته والكمبيوتر بكل برامجه، وشبكة الانترنت، وأجهزة الاتصال الخلوية" وما زالت على مساحة كبيرة من اهتمامات المتعلمين وأوقاتهم، وبخاصة الفئات العمرية الفتية والشابة في كل المراحل التعليمية. إضافة إلى هذه، هناك الرسوم المتحركة ومسلسلات العنف والخيال العلمي، والبرامج الترفيهية، وبرامج تلفزيون الواقع، تلقى رواجاً لدى شرائح واسعة منهم.
وثمة الذين هم من فئات عمرية أعلى يشغلون جل أوقات فراغهم في الجلوس الى الكمبيوتر الذي يعتبرونه الوسيلة الأكثر رقياً والأكثر ملاءمة لروح العصر والأقدر على التزويد بكل الرغبات والمطالب المعرفية. وقد تكون شبكة المعلومات الدولية الانترنت في هذا الصدد أكبر منافس للقراءة والكتاب كونها تشكل محيطاً هائلاً لا ينضب من العلم والمعرفة في عصر المعلوماتية الذي فرض ثقافة التلقي والتلقين في أجواء من الانبهار والاندهاش جعلت المتعاملين مع هذه الشبكة ينظرون الى الكتاب نظرة صغار ودونية وعدم اكتراث واحترام او حتى التفات اليه.
وباختصار فان الداخلين في عبودية هذه المنظومة التقنية أيا كانوا وبخاصة من هم من المتعلمين تزداد أعدادهم يوما بعد يوم. واذا ما أضفنا الى كل ذلك غياب استراتيجية تربوية تأخذ على عاتقها فاعلية ترشيد استخدام هذه التقنيات والموازنة ما بينها من جهة وما بين القراءة والكتاب من جهة اخرى، تتضح لنا معالم "المشهد القرائي" الذي تخيم عليه أجواء قاتمة.
واذا كنا لم نتطرق الى العوامل التقليدية الاخرى في هذا السياق، واستهللنا حديثنا بعامل التطور التقني، فلا يعني اننا نقلل من دور المؤسسة التربوية المتمثلة بالمدرسة بكل مراحلها والمنهاج وأساليب تطبيقه، كونها هي المسؤولة المباشرة عن المحصلة النهائية للأهداف التربوية المطروحة بغية تحقيقها.
وحتى الآن لم تتمكن المناهج التربوية العربية ومنها المناهج المطبقة في فلسطين من إحداث نقلة نوعية في بنية التعليم التحتية او هيكليته او مدخلاته. وظلت الصورة التقليدية المتمثلة في نقل المعلومة من الكتاب المقرر تلقينا الى ذهن المتعلم، واعتماد الحفظ وحشو المعلومات هي الوسائل السائدة.
وهذا بطبيعة الحال دفع المتعلمين الى التركيز بشكل محلوظ على المادة المقررة دون سواها، كون اية معلومة خارج نطاق المقرر - حتى ولو كانت صحيحة - لا ينظر اليها بجدية وفي الغالب لا تحسب عند الفحوص والاختبارات، ذلك ان الإجابات قد حددت سلفاً. ومن ناحية أخرى فقد افتقرت البرامج التعليمية الى حصص مكتبة مكرسة للقراءة الخارجية، أو ما كان يسمى القراءة الصامتة. واذا ما صدف وكانت هناك حصة مكتبة او اكثر فانها غالباً ما تحول الى حصص تقوية في موضوعات مقررة اخرى أسوة بباقي حصص الأنشطة الأخرى.
ومع ذلك ففي اعتقادنا ان الصورة ليست قاتمة الى الحد الذي يحملنا الى الإحباط واليأس. ان القراءة عادة. وكما تعلمها السابقون وأحبوها وصادقوا الكتاب بإخلاص ووفاء، يمكن لأبناء هذا الجيل ان يسيروا على نفس الخطى، ولكن ضمن خطة مدروسة كي ما تصبح القراءة ثقافة وطريقة حياة، ولكن في ظل أجواء نقية مهيأة لتفعيل هذه العادة، وهي تبدأ بالمدرسة والمنهاج الملقى على عاتقهما توليد اتجاهات إيجابية وتعزيزها.
وهذا لا يعني اننا نعود الى الماضي لننهل من أساليبه فحسب. وفي هذا السياق نود ان نشير الى انه في البلدان الصانعة لأرقى الوسائل التقنية الحديثة، ما زالت سوق الكتاب رائجة، وما زالت القراءة احدى اهم الفعاليات والهوايات لدى شرائح عمرية وثقافية واجتماعية مختلفة.
وتظل حقيقة الحقائق ان القراءةَ عادةٌ، وكونها كذلك يصبح من السهل التحكم باتجاهاتها، ويتمثل ذلك في جعلها جزءاً من المنهاج التربوي والبرنامج الأسبوعي والنشاط المدرسي. وان أساليب كتابة التقارير والأوراق العلمية والبحوث ومراجعة الكتاب وتلخيصه يمكن ان تسهم في تطوير العملية التربوية وفي مقدمتها ازدهار فعالية القراءة.
وفي ذات السياق فإن الإعتقاد السائد ان الحوافز بكل أشكالها تلعب دوراً رئيساً في تطويرها وبلوغ أهدافها. وهذا يفرض على المنهاج والقائمين عليه ان لا يعوّلوا اعتمادهم المطلق على الكتاب المقرر. إن هذا التوجه على الأرجح يلعب دوراً سالباً في ترك عادة القراءة الخارجية والنظر اليها على انها غير مجدية كون كل معطياتها ومخرجاتها خارج إطار المنهاج المقرر. ان القراءة فعالية مستمرة، ولا ينبغي ان يحتفل بها في أسبوع واحد من السنة وانما يفترض ان تحتل فعالياتها مساحة شاسعة من العام الدراسي وحتى العطلة السنوية.
كما يفترض ان تساهم في إحياء هذه الفعاليات مؤسسات رسمية وشعبية لا ان تُلقى أعباؤها على طرف دون آخر يتذكرها دون سواه ويذكر بها. وعلينا ان نتذكر ان الذي صنع كبار الفلاسفة والمفكرين والأدباء والمبدعين الانسانيين الآخرين هو الكتاب. فهو المعلم الأول الذي علمهم المثابرة على طلب العلم وتحصيله. وهو الذي علمهم كيف يفكرون ويحلون المشكلات.
كلمة قد لا تكون الأخيرة في هذا السياق. إننا اذا ما أردنا لأطفالنا ان ينشأوا فاعلين قادرين على التفكير والإبداع والتقويم والتعليل والتحليل والتفكير الناقد والاستحواذ على كنز من الذخيرة اللغوية، فلنجعل الكتاب كالخبز والماء والهواء بين أيديهم، ولتكن القراءة جزءاً لا يتجزأ من حياتهم. ومهما تعددت التقنيات فلن تلغي دور الكتاب الذي هو الأساس. فما أحرى العودة اليه.