التكنولوجيا ومكانة مصر

بقلم د . طارق خليل قرأها 384
  

 

كثر الحديث عن تراجع مكانة ودور مصر الحضاري والريادي في المنطقة والعالم وورد في كثير من التقارير العالمية والمحلية ما يوضح مدى التدهور في مؤشرات التنمية البشرية والقدرة التنافسية وزيادة الفقر والبطالة. ورغم ان السنوات الماضية شهدت تقدماً في المجال الاقتصادي تمثل في زيادة معدل النمو والدخل القومي بل وتحقيق نمو ايجابي في قلب الأزمة المالية العالمية خلافاً للعديد من الدول الا ان عدم الرضا عن أوضاع مصر استمر على ما هو عليه وقيل في ذلك تفسيرات ايديولوجية وسياسية مختلفة لا مجال هنا لتقييمها لكن اسمحوا لي ان أطرح مدخلاً آخر لتفسير فقدان مصر لقوتها والذى لاشك انه نتاج فقدان التقدم العلمي والتكنولوجي وما يتبعهما من ثروة. لقد استخدم الانسان منذ بدء الخليقة عقله وتفكيره ونشاطه لمواجهة الظروف الطبيعية والأخطار المحدقة به ولتلبية احتياجاته الأساسية وتطلعاته وأبدع لذلك حلولاً وتطبيقات عملية تتناسب والمشاكل المطروحة عليه ولم يكن ما أوجده من حلول وقتذاك لتدبير الطعام والشراب والملبس واتقاء العواصف والرياح ورد الوحوش يحمل اسم التكنو لوجيا لكن المعارف العملية التى مكنت الانسان من إيجاد الحلول وأسست لقيام المجتمع واستمراره ليست بعيدة أبداً عن الاسم الذى نستخدمه حالياً لوصفها ، فالتكنولوجيا في أبسط التعبيرات هى معرفة طريقة عمل شيء ما واستخدام ذلك في تحقيق أغراض حياتية وتلبية حاجات الانسان والمجتمع. والطريف ان هذا التعريف على بساطته ليس واضحاً في أذهان العامة بل والكثير من طلبة الهندسة وبعض المتخصصين!.

واذا عدنا الى تاريخ مصر القديم نفسه فسنلاحظ بسهولة الفارق بين ما صنع لها المجد والثروة وبين ما قادها الى الاضمحلال والفقر. في أزهى عصور (اعرف الحساسية التى تعترينا من استخدام هذا التعبير!) الامبراطورية المصرية القديمة اعتمد المصري على التكنولوجيا لإنشاء حضارته الرائدة إنسانياً وابتكر أدوات للزراعة والحصاد والرى وابتكر طرق البناء المجسدة فيما خلّفه لنا من معابد ومدن وأهرامات جلب لها الأدوات والمواد من مسافات بعيدة بالنقل النهرى والبرى واستخدم الروافع والتخزين والإمداد (اللوجستيات) وعرف كيف يختار المواقع ويجس التربة واستخدم الرياضيات والقياسات الهندسية والميكانيكا وفي رأيى فان الهرم ليس مجرد معجزة ولكنه بالتعبير العصري بناء كثيف المعرفة بكل ما تتطلبه من تطبيقات وبما استخدم فيه مما نسميه علوم متداخلة. استخدمت مصر التكنولوجيا ايضا في دحر الأعداء والذود عن حدودها ويشهد بذلك معاركها الشهيرة بقيادة أحمس وكذا رمسيس الثانى بعربته الشهيرة وكل ما تقدم يؤكد ما كان للتكنولوجيا من دور في بناء قوة وثروة مصر.

كان البعض يظن ان معارف المصريين كانت عملية فقط اي لم يتم صبها في تجريدات تجعلها قابلة للتعميم والاستمرار كنظريات علمية بالمعنى المعاصر وطالما اختلف علماء مثل الدكتور سمير حنا صادق والدكتورة يمنى طريف الخولي على ذلك لكن البرديات المحققة في العقود الاخيرة أوضحت ان المصريين أصحاب نظريات وان الإغريق أخذوا العلم عنهم لكن المهم ان أساس ازدهار مصر كان المعارف والتكنولوجيا وعندما تحولا الى اروبا .. الى الإغريق ثم الرومان ظهرت الامبراطوريات الأوربية التى طمعت في مصر وغير مصر وعرفت العديد من التكنولوجيات الحربية التى لعب فيها الحديد دوراً بارزاً كما عرفت استرتيجيات جديدة لتنظيم الجيوش واستخدام الخيول وأدى الانفتاح الفكري والعقلي في اوربا الى مضاعفة نواتج القوة الشاملة هناك بينما كنا نحن ننغلق شيئاً فشيئا فققدنا مكانتنا وأصبحنا نهباً للطامعين من كل صوب.

جاء عصر النهضة الاوربى فخلص العقول من التفكير الخرافي والخزعبلي ونتج عن ذلك كله تالياً الثورة الصناعية التى غيرت وجه العالم حيث ظهر العلم بالمفهوم الحديث وتضاعف استخدام التطبيقات في خدمة المجتمع والدول وزاد الدخل القومي مرات وكذا نصيب الفرد منه خاصة في الدول التى قادت اول موجة للثورة واعنى انجلترا وفرنسا وفيما بعد أميركا قبل ان يصل الأمر الى آسيا.. وفي المقابل خاب وضع الدول التى لم تشترك في تلك الثورة وبقيت على فقرها وتخلفها. لم يقف الامر عند هذا الحد فظهور ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات جعل وتيرة التقدم مذهلة ووضح جلياً الفارق بين حال الفرد في دول مثل مجموعة الثماني الكبرى وحديثاً الصين والهند ومعها الدول الآسيوية التي لحقت بالثورة الجديدة وبين غيرهم من الدول.

ان الدرس الذى يجب تعلمه من تجارب الصين – بالذات – هو انه اذا كنت متخلفاً فلابد من الحصول على التكنولوجيا وانه ليس مهما ان تكون أول من ابتكر التكنولوجيا ولكن الأهم ان تعرف كيف تستحوذ عليها وتطورها وتطوعها وتوظفها لمنفعة بلدك. ولما كانت مصر قد انغلقت على نفسها مرة أخرى في العقود الأخيرة وابتعدت عن مضمار السبق والتفوق الابتكار وانكمشت حرية الفكر والإبداع فلا مفرّ وبكل السبل من تصويب كل ذلك ولا مناص عن لملمة شتاتنا التكنولوجي حيث ان مصر ورغم كل ما لحق بها وجرى لها تمتلك عدداً جيداً من المبادرين والمبتكرين لكنهم فرادى ولا يشلكون موجة نهضوية ويعملون في مواقع شتى ومعزولين عن التواصل وفيها ايضا من لا ينامون الليل لحل مشكلة او التصدي لتحدٍ او صعوبةٍ في مصنع او ورشة او مكان خدمة وقد راينا ما ابدعه مصريون بسطاء لتفادى اى نقص في احتياجات قواتنا المسلحة في اوقات الحروب او تطوير ماتمتلكه من معدات باداوت بسيطة وأحياناً في ورش السبتية ذاتها (لعل الدكتور نبيل علي يحكي لنا ما قام به شخصياً مع صنايعية السبتية لحل مشكلات للقوات الجوية بعد حرب 67 ). لدى مصر ذخيرة من طاقة الشباب الذكي المذهلة ولن تستعيد مجدها وتقضي على آفات التخلف والفقر والجمود بغير التكنولوجيا ولن تقوى تكنولوجيا بغير الحرية واحترام الجديد ومناقشته بعقلانية وقد يصاب القارىء بالذهول إذا استُعرضت أمامه أرقام عن عدد أساتذة الهندسة المصريين النابغين في الولايات المتحدة وكندا – فقط – وعدد عمداء كليات الهنسة في الدولتين من المصريين وأنا أتحدث هنا عن غير المشاهير.. بل ان ما يدعو للعجب ان الولايات المتحدة ذاتها حين استشعرت خطر تحديها من اليابان وألمانيا – قبل بروز قوة الصين– أقامت في أول الثمانينات المؤسسة الدولية لإدارة التكنولوجيا بهدف تعظيم عوائد استخدام الموارد التكنولوجية المتاحة لديها باعتبار ان تلك الادراة ستكون الفيصل في التفوق في الزمن المقبل وقد قام على انشاء تلك المؤسسة مجموعة من المصريين ... نعم المصريين وكان لي حظ ان اكون منهم وان أترأس المؤسسة لسنوات ولازال بها الكثير من المصريين الذين زارنا بعضهم منذ ايام خلال مؤتمر المؤسسة بالقاهرة وقد لاحظ الاجانب الذين حضروا المؤتمر أنفسهم مدى طموح واستعداد الجيل الواعد من المصريين وأثنوا على نماذج مما تمت إقامته بأيديه على أرض مصر. من حسن الحظ ان تدفق التكنولوجيا لا يمكن إعاقته وانها قادرة على المرور عبر الحدود خاصة مع انتشار تكنولوجيا المعلومات فافتحوا الأبواب لكل من لديه من الداخل او الخارج مبادرة في مجال ابتكار او تطوير: الة او معدة أو جهاز او طريقة او فكرة تنظيمية او تقنية والتكنولوجيا تستوعب كل ذلك وتفتح به ابواب التقدم الاقتصادى السريع والقوى . مصر ستهب من كبوتها لاجدال فليس امامها خيار اخر .

* رئيس جامعة النيل