وهْمُ تفوُّقنا الأخلاقيّ
من أهم العقبات التي تقف حائلاً بيننا وبين النظر في منظومة قيمنا الأخلاقية نظرة نقدية متعمقة وصادقة تكشف ما فيها من قصور أو تقادم، وتدفع باتجاه تحديثها لتجعل الإنسان في مجتمعاتنا قادراً على التعامل مع معطيات العصر، ومتطلبات بناء المستقبل، هو وهم تفوقنا الأخلاقي على غيرنا من شعوب الأرض، ذلك الوهم الذي درج الخطاب الديني على زرعه في رؤوسنا، لتبرير تسلطه علينا من ناحية، ولمقاومة رياح التغيير التي تؤرق الأنظمة السياسية التي يعمل في خدمتها من ناحية أخرى>
يقوم هذا الخطاب بتسويق هذه الأغلوطة على مستويين، مستوى شعبوي يقوم فيه المشايخ والوعاظ والدعاة باعتبار أداء الشعائر التعبدية، والامتناع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، وعدم اختلاط الرجال بالنساء، وإمساك النساء في البيوت وإخفائهن خلف البراقع، معايير لهذا التفوق الأخلاقي المزعوم. ومستوى آخر نخبوي تمت بلورته على يد مجموعة من المفكرين الشيوعيين، أمثال عادل حسين ومحمد عمارة وطارق البشري وعبد الوهاب المسيري، الذين انضموا إلى موكب الصحوة الإسلامية المتشددة لأسباب متباينة، واستبسلوا في الدفاع عن مفرداتها السلفية في مواجهة جميع مبادئ وقيم الحداثة، وكان التباكي على الأخلاق هو حجر الزاوية في جميع كتاباتهم التي عكست صورة مرعبة لمادية الحضارة الغربية ومدى افتقادها للبعد الأخلاقي، وتأكيد أن الإسلام هو الحل لأنه يقدم للإنسانية هذا البعد المفقود. فنجد قامة وطنية وعلمية كبرى مثل المسيري رحمه الله يلحن في آخر أيامه بلحن الإسلام السياسي مستلهماً الإرهاصات غير المنضبطة لمدارس ما بعد الحداثة. فيقول في مؤلفه (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة): (إن مادية الحضارة الغربية قد أفقدت الإنسان إنسانيته، وحولته إلى مجرد سلعة تلهث وراء إشباع نزعاتها الجسدية والرفاه المادي دون أي اعتبار للمنظومة القيمية والأخلاقية، على عكس الحضارة الإسلامية التي لم تكن حضارة مادية لأن مرجعيتها دينية!).
وهذا تعميم نراه مخلاً بأبسط مبادئ الاستدلال العلمي السليم، إذ يقوم على فرضيتين يصعب إقامة دليل على صحة أي منهما.
الأولى أن صرح الحضارة الغربية كان يمكن أن يقوم دون تسلح من أقاموه بمنظومة أخلاقية وإنسانية راسخة ومتكاملة من الإرادة والعزم والإصرار والانضباط واحترام حقوق الإنسان والبحث العلمي الدؤوب والعمل الشاق والدقة والأمانة العلمية والتجارية والصدق والمثابرة والإخلاص والتفاني والتضحية والإيثار والتعاون والتكافل وغيرها، أم أن كل هذا لا يعد قيماً أخلاقية يمتلكها الغرب ونفتقد نحن إليها؟!.
والثانية أن الحضارة الإسلامية لم تكن حضارة مادية لأن مرجعيتها دينية، كما يذكر نص الادعاء. وهذه أيضاً مسألة فيها نظر. فرغم أنه كان يسعدنا أن نشارك الملايين من بني جلدتنا في الاستمتاع بهذه الأغلوطة، لما تمنحه من شعور بالتفوق يخفف من وطأة الشعور بالهزيمة والتخلف، إلا أن خطورتها تكمن في أنها تعفينا من مؤونة شحذ الهمم لإصلاح وتغيير ما بأنفسنا من مواطن ضعف وقصور. بل تلقي بعبء التغيير على الآخر المتقدم الذي تدعوه لأن يتبنى نموذجنا الأخلاقي الذي قادنا إلى ما نحن فيه من تخلف.
والحقيقة أن الإسلام كغيره من الديانات قد دعا لمكارم الأخلاق، وللسمو الروحي، إلا أن الحضارة الإسلامية كمنتج بشري، إلى جانب ما أرسته من قيم إنسانية مهمة، كان لها كأي حضارة إنسانية أخرى جنوحها المادي الذي ينضح به تاريخنا، ولا نستطيع إخفاءه، بل إنه من مصلحتنا أن نصارح به ذواتنا المتضخمة، علها تتواضع، وتكف عن لعب دور الواعظ في هذا العالم، وتنفتح على الآخرين الأكثر تقدماً لتتعلم من تجاربهم وتقتبس من أخلاقهم.
فالدين، أي دين، لا يستطيع وحده أن يكبح نزعات التوحش المادي لدى أتباعه قبل غيرهم إذا لم يسانده نظامٌ قانونيٌّ مدنيٌّ قادر على وضع حدود لغرائز الجشع والطمع والاستغلال والأنانية التي تمتلئ بها النفس البشرية، والدليل على ذلك أن الحضارة الإسلامية نفسها منذ خطواتها الأولى في صدر الإسلام قد شهدت طغياناً مادياً لا يقل في إسرافه عن ذلك الذي نشهده من الرأسمالية الغربية هذه الأيام.
ونستطيع بسهولة شديدة أن نرى مظاهر التغول المادي نفسها التي يتحدث عنها المسيري والتي أدت أيضاً إلى تسل ُع وتشيُّؤ وتوثُّن الإنسان في كثير من الممارسات التي شهدتها الفتوحات الإسلامية من حروب، وقتل للرجال، وسبي للنساء والغلمان، والإسراف في فرض الضرائب على الشعوب المفتوحة، والإثراء الفاحش لمن كانوا يربطون الصخر على بطونهم من الجوع قبل انتصار الإسلام، ناهيك بالتوحش في نكاح النساء. حتى كان عمر بن الخطاب يستعيذ في صلاته من نسل سبي فارس، وفى امتلاك الجواري والعبيد الذي وصلت الأرقام فيه إلى الآلاف، وفي انحطاط قيمة العمل، وامتصاص خيرات الشعوب المفتوحة، مما هو معروف ولا يتطلب منا الإسهاب في تفصيله. إلا أن الذي يمكن أن نتوقف عنده هو رؤية النخب الإسلامية حينئذٍ لقيمة الإنسان في حد ذاته والتي قد تعادل في ماديتها الحضارة الغربية الراهنة بكل مساوئها الرأسمالية والفاشية وبما يخالف التعاليم النظرية للإسلام وللأديان جميعاً.
فيروي لنا ابن عبد الحكم في (فتوح مصر وأخبارها) أنه قد نشب خلاف بين الزبير بن العوام ويماني من جند الجيش، فيعرض عمرو بن العاص على الزبير أن يستقيد من الذي أهانه فيقول الزبير أمن نغفة (دودة) أستقيد يابن النابغة، ويقع خلاف مشابه بين عمرو وجندي يماني آخر، فيصيح به عمرو: "أخرس فإنما أنت كلب"، فيرد الرجل: "إذن أنت أمير الكلاب"، وعند تقسيم الفسطاط، يعين عمرو المناطق الوافرة الخيرات لقبائل الشمال ومنها قريش، والمناطق الأقل وفرة لقبائل الجنوب. ويتكرر الشيء نفسه بالنسبة للعطاء، إذ تحدد قيمته لا حسب الجهد والدور بل حسب القرابة من النبي. كما تنازع الفاتحون في الاستيلاء على بيوت الإسكندرية وقصورها بعد طرد سكانها منها، فكان أحدهم يأتي المنزل الذي أخذه صاحبه فيستولى عليه.
ولقد جمع كبار الفاتحين ثروات من العطاء والغنائم وما استطاعوا الاستيلاء عليه بطرق غير مشروعة (من وجهة نظر الخليفة)، فيكتب عمر بن الخطاب لعمرو: "إنكم معاشر العمال.. جبيتم الحرام وأكلتم الحرام وأورثتم الحرام". ويأمر محمد بن مسلمة أن يصادر نصف أموال ابن العاص، الذي أورث في النهاية ولده الزاهد عبد الله بن عمرو سبعين رقبة جمل ذهباً، وسبعين بهاراً دنانير، وإليها جلد ثور ملؤه إردبان بالمصري. ومن الطريف ذكره هنا أنه في خلاف بين عمرو وابن أبي السرح (عامل الخراج) يصيح فيه عمرو قائلاً: "أأكون ماسك البقرة، وغيري يحلبها؟"! ويغالي ابن أبي السرح في جمع الضرائب من شعب مصر، ويرسل بالأموال إلى عثمان، الذي كان يأمر للرجل بمئة ألف بدرة، وفى كل بدرة أربعة آلاف أوقية. وبعد فتنة عثمان، ألقى الأمويون القبض على محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، فقتلوه، ثم وضعوا جثته في جيفة حمار وأحرقوها.
ويلخص عمرو بن العاص هذه المادية المفرطة للأرستقراطية الحاكمة في ذلك الوقت، في رده على معاوية تعليقاً على ادعاءات الأخير أنه قد قاتل علي بن أبي طالب في سبيل الله بقوله: "أحرقتَ قلبي بقصصك، إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها".
ويخبرنا القرشي في (معالم القربة في أحكام الحسبة) كيف سخَّر ابن العاص آلاف المصريين في إعادة شق قناة أمير المؤمنين، وكيف سخَّرهم ابن أبي السرح فى بناء الأسطول العربي باعتبارهم عبيداً ليس غير.. حسب قول معاوية إن مصر إنما دخلت عنوة، وإنما هم عبيدنا (المصريون)، وكان من شروط دفع الجزية أن يقف الذمي بين يدي عامل الجزية ذليلاً، فيلطمه المحتسب بيده على صفحة عنقه قائلاً أدَّ الجزية ياكافر، وكان والي مصر حنظلة بن صفوان يشدد على النصارى، ويزيد في الخراج، وجعل على كل نصراني وسماً صورة أسد، ومن وجد بغير وسم قطع يده.
وعندما أجاز عمرو بن العاص للأقباط البقاء في وظائف جباية الخراج والضرائب كتب إليه الخليفة عمر بن الخطاب يلومه قائلاً: "كيف تعزّهم وقد أذلّهم الله؟". وأثناء تسخير عمرو للمصريين في شق القناة، خشي من انكسار خراج مصر وخرابها، فيكتب له عمر حاسماً الأمر قائلاً: "اعمل فيه وعجل، أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها"، (تاريخ الرسل والملوك للطبري). ويكتب الخليفة سليمان بن عبد الملك لعامله على خراج مصر يقول: "احلب حتى ينقيك الدم، فإذا أنقاك الدم حتى ينقيك القيح، لا تبقها لأحد بعدي"، ولا أدلَّ في هذا من قول عثمان لعمرو بعد عزله: "لقد درّت اللقحة بعدك يا بن العاص"، فرد عليه عمرو قائلاً: "نعم ولكن أجاعت أولادها".
كما كان معاوية يرى أن أهل مصر ينقسمون إلى ثلاثة أنواع: ثلثٌ ناس (العرب) وثلثٌ يشبه الناس (الموالي) وثلثٌ لا ناس (المسالمة أي القبط).
لا يستطيع أحد أن يدّعي أننا قد تصيدنا هنا حوادث فردية وقمنا بتعميمها، فهذه الأمثلة القليلة التي ضربناها تعبر عن تغوُّلٍ ماديٍّ لنُخَب سادت وحكمت في عهود وأزمان مختلفة، وتجعل من حق غير العربي أو المسلم أن يرى في حضارتنا ملامح الغابة الداروينية المليئة بالذئاب كما رآها المسيري في الممارسات الاستعمارية الغربية من غزو وسلب ونهب؟ وتبيح له أيضاً أن يتساءل عن المنظومة القيمية الكامنة وراء هذه الممارسات، وهو السؤال الذي كان يطرحه المسيري بإلحاح شديد حول الحضارة الغربية؟
أم أن التساؤلُ حقٌّ لنا حرامٌ على غيرنا؟!
وللحديث بقية؟