أمي الفلسطينية: يا جنّة الله على الأرض

ياسمين شملاوي قرأها 508
 

من أين أبدأ ؟ وإلى أين أنتهي؟ وهل لحبّك بدابة أو نهاية...؟

هل أكتب لك بالقضبان الحديدية والأسوار العتيقة أم أكتب لك بنسيج العنكبوتأمام غار حرّيتي؟

هل أكتب بالشمس المشرقة على ساكني أهل الكهف، أم بالبراقع السّمر تنقشع أمامالأشعة السينية، أم بالجمر... المرّ الحلو.. طعم آلامي ؟

هل أتلو عليك اليوم آيات من فردوسنا المفقود بحروفه ومعالمه المنقوشة فوقجلمود صخر وجنّات عذارانا مطرزة بأنّات أطفالنا وتنهدّات شيوخنا المهاجرينالنازحين فوق الرّمال وتحت الخيام يقبضون على مفاتيح الدار وصكّ العودة وآمالالانتصار.أم أتوقّف لأكتب الحقيقة التي أنارت كلّ هذه الخلجات، حقيقة أن أكثر شعوب الأرضمن قاصيها إلى دانيها، تحتفل بعيدك المقدّس:" عيد الأم"؟

هنا في فلسطين ألواقع مختلف، ألذكرى تحمل كلّ تفاصيل الألم والمعاناة، معاناةوقهر: أسيرة، شهيدة، ثكلى،  باحثة عن أدنى متطلّبات الحياة، متطلّعة للأمنوالأمان المفقود، هذه هي الأمّ الفلسطينية. ومن بقيت خارج قضبان الاحتلال،أوالاستهداف المباشر، أمست الأمّ الباكية على ابن فقدته برصاص الاحتلال، أو تلك الأمّالتي لا تبرح مهرجانات التضامن مع الأسرى منتظرة لحظة تاريخية تحتضن فيها ابنهاالذي، ربما تفرج عنه سلطات الاحتلال، في يوم ما.

ورغم الألم، تبقى هذه المرأة الصابرة والمرابطة في أرضها، ألضعف لا يعرف طريقالها، وشموخها أقوى من كلّ محاولات الاحتلال لقتلها أو أسرها.

حقا إنّها لوقفة رائعة وعظيمة في يوم مشهود ومعدود بصوره وقيمه الجمالية،المنقوشة في أعماق أعماق ذكريات الإنسان.

فهنا يقبع فريق خلف أقلامهم ينسجون لك من عواطفهم وأحاسيسهمقصيدة لا تنتهي، وآخرون لا يبرحون آلاتهم الموسيقية يستجدونها بسيمفونية خالدةيهدونها إليك.

وهناك بين الحدائق ووسط الرياحين من يبحث لك عن أجمل وأرقّ الزهرات لكي تضارعرقّتك وعذوبتك، لكن هيهات...

وهنا وهناك يتوزّع الفريق الأكبر.. من سوق إلى سوق ومن متجر إلى متجر يبحثون لك عن أقصى ما يصل إليه ذوقهم وإمكانياتهم ليتوِّجوك بهداياهم...

وتحنو للمراقب التفاتة.. تحزّ نفسه وترعش جفنه وتهزّ كيانه وهو يرى أولئكالقابعين في أركان المساجد أو خلف صفائح القبور يتلون آيات من الذكر الحكيم يرجونفيها  المغفرة والرحمة لتقصيرهم تجاهك..

وتأبى الطبيعة إلاّ أن تشارك عيدك فتلبس أحلى حللها وتتزيّن بأثمن مجوهراتهاوأندرها وتعبق بأنعم وأرقّ عطورها، معلنة عن بداية فصل جديد استمّدته من عطائكوحبّك اللاّمحدود وأسمته: الربيع.

أواه وآه يا أمّاه ماذا أفعل وماذا أقول وانا لا أملك من الدنيا لكي أهديك فيعيدك المقدّس سوى نفسي وإرداتي وعزيمتي ولبن حريتي وكلها مستمدّة منك أنت!

أواه وآه يا مرضعتي لبن الحرية والتحدي والنضال.يا دماء تجري في عروقي، ويداً تشدّ ساعدي القابض على مرساة المركبالتائهة بين عواصف الزمان وأرزاء قسوة الأهل والخلاّن.

أواه وآه يا نبراساً يضيء درب التائهين، ويخبر أنّك وراء كلّ رجل عظيم ونصفاً للمجتمع ومصدراً للنّوع البشري ورمزا لبني الإنسان.

أواه وآه، هل أهديك الجنّة؟ والجنّة تحت قدميك! هل أهديك ورداً والورد يستمدّعبيره من نشوة أنفاسك المعطّرة؟أم أتوّجك بعقد من الياسمين تلتئم حباّته من دموعي؟

أم اكتفي بقول ربّ العزّة " بسم الله الرحمن الرحيم..  فلا تقل لهما أف ولاتنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة.. وقل ربّ ارحمهاكما ربياني صغيرا " صدق الله العظيم.

أمّاه ختاما لا أملك إلا أن أشهد ربي على ما أقول:

لك مني وعد وعهد ووفاء وإيفاء بأن يبقى صدرك البرّ  وسادتي التي أغفو عليهامن عناء السفر الطويل وأن أبقى ابنة بارّة محسنة مخلصة متواضعة ما دامت الأرض أرضًاوالسماء سماءً ولن أرضى عنك بديلا، لأنني، أحبك...