التضحية بالاحتفال بين الصوم والكرنڤال - ن ع ح - 886
التضحية بالاحتفال بين الصوم والكرنڤال
نقطة على الحرف – الحلقة 886
هنري زغيب
ص
وسط الصوم الذي يلفّ المؤمنين هذه الأيام، يجدُر التوقُّفُ عند مفهومه الروحاني والتاريخي، بإزاء ما يسبقه من كرنڤالات تجعله امتناعاً عن بَهْرَجة، وإِشاحةً عن لذائذ، فيغدو فِعْلُ الصوم إماتةَ الجسد بعد إمتاعه بما يشتهيه.
وسط الصوم الذي يلفّ المؤمنين هذه الأيام، يجدُر التوقُّفُ عند مفهومه الروحاني والتاريخي، بإزاء ما يسبقه من كرنڤالات تجعله امتناعاً عن بَهْرَجة، وإِشاحةً عن لذائذ، فيغدو فِعْلُ الصوم إماتةَ الجسد بعد إِمْتاعِهِ بما يشتهيه.
فعَشية الصوم، تكثر كرنڤالاتٌ عدة واحتفالات، منها كرنڤال "الزمبو" (شهدته طرابلس في الأُسبوع الأول من الصوم الكبير، صورةً مصغّرة عن كرنڤال ريو دي جانيرو البرازيلي، للتعبير عن الانعتاق من القيود والاستعداد لـ"زمن الصّوم")، ومنها في فرنسا كرنڤال نيس (Nice) (من القرن الثالث عشر)، وكرنڤال ليمو (Limoux) (يمتد طوال نهار الأحد من كانون الثاني حتى منتصف الصوم، وهو أطول كرنڤال من نوعه في العالم).
لفظة "كرنڤال" في الأساس لاتينيةٌ (Carne Levare) تعني "الامتناع عن اللحم"، وتَمتدُّ تظاهُراتُها من عيد الغطاس حتى أربعاء الرماد، تتخلّلها احتفالاتُ رقصٍ وطعام وفرح وإمتاعٍ اجتماعي من كل نوع، حتى إذا حَلّ "زمنُ الصوم" كان قهرُ الجسد بالامتناع والإشاحة عن كل نوع من الإمتاع.
هكذا يَجيء الكرنڤال نقيض الصوم، وأكلُ اللحم نقيضَ الامتناع عن أكل اللحم، ومَهْرَجَةُ الْمِتَع نقيضَ قهر الجسد، والمبالغةُ في الإشباع والإمتاع نقيضَ الانكفاء والانطواء، وإشباعُ الجسد نقيضَ إشباع النفس.
وبين "ثلثاء المرفع" و"خميس السكارى" وفجر "القيامة"، مساحةٌ روحانيةٌ تنكفئ فيها الروح الى خالقها، وتتطهَّر النفس من أدران الجسد، ويقترب المؤمن من بَهاء الله.
إذا الصوم الكبير رمزُ انسحاب السيد المسيح أربعين يوماً الى خلوة بعيدة صائماً مبتهلاً الى الله أبيه، فهو لدى المؤمنين رمزُ الانسحابِ من بَهرجات الدنيا، والغوصِ عميقاً في التطهُّر بالصلاة والتأمل.
وإذا الكرنڤالُ إرضاءُ الجسد بإطعامِه وإشباعِ رغباته، فالصومُ إرضاءُ الروح بِرَفْعِها الى التأمُّل والتطهُّر.
هذا الأمر يرقى الى تقاليدَ قديمةٍ كان الانسان يحتفل فيها بيقظة روح الطبيعة رامزاً الى صراع الربيع مع الشتاء، بين مدار الشمس الشتوي واعتدال الشمس الربيعي. من هنا جذورُ احتفالاتٍ صاخبة ترمز الى هذا الصراعِ في الطبيعة: صراعِ جنون الشتاء مع اعتدال الربيع، صراعِ النور مع الظلمة، صراعِ النفس الدائمة الباقية مع الجسد الزائل الفاني.
وفي ذلك يقترب الصوم الكبير من صيام رمضان، في الانعطاف الى تطهير الروح والنفْس بإزاء ما عَلِقَ بالجسد من أدران الحياة الدُّنيا.
ولأنّ الكرنڤالَ الْمَرْفَعيَّ رمزُ العيد بكل ما يَضُمُّه العيد من مساحاتِ هوى، فالصومُ رمز التضحية بكل ما تَضُمُّه هذه التضحية من مساحات امتناعٍ عن الهوى بُلُوغاً الى شفافية الروح.
وهذا ما يبتغيه المؤمنون في كل دين، والصوفيون في كل تراويح، والإنسانُ في كل موقعٍ وطقْسٍ وزَمَن، خَـلاصاً من زواليّة الأرض، بُـلوغاً الى... دَوَاميّة السماء.
يصدر هذا المقال في موقع "جماليا"بالتزامن مع بثّه في إذاعة "صوت لبنان" صباح يوم الأحد 07 آذار 2010