"فصــلٌ آخـــر"
"فصــلٌ آخـــر"
جورج طرابلسي
ألصالة فارغة...
تملأُها ألتناقضات...
يتسلّل الملل الى أعماق البهلوان...
بالكاد يستطيع أن يفتح ستارة عينيه...
ينادي المخرج بعصبيّة واضحة، متسائلا: "ما هو دوري في هذا النّعاس؟".
ألمخرج: أليوم تقابل الملك...
ألبهلوان: كيف أعرف أنّه الملك؟
ألمخرج: يكون جالساً على العرش...
ألبهلوان: وإذا كان واقفاً، كيف أعرفه؟!
ألمخرج: (!!!)!
***
يدخل الجمهور، ترتفع أصوات، كأسواط، عبر ثقوب سوداء:
من يحاكم الذي يقتل الوقت؟
ويردّد الصدى السؤال نفسه:
من يحاكم الذي يقتل الوقت؟
وتزداد الأصوات لسعاً:
من؟ من؟ من؟
***
يقضم البهلوان أظافره، يبصق نثرة منها على خشبة المسرح...
يسمع قهقهة الجمهور...
يشعر بالنّدم...
ينحني، يلّم النثرة، ينظر إليها بعينين دامعتين، ويتوجّه إلى المخرج بتساؤل آخر:
عدم سماعنا صراخ أظافرنا، هل يبرّر إعدامها بلا رحمة، ورميها بلا مراسم تشييع، أو كلمة رثاء؟! وهل الشعور بالألم شرط لنعمة الحياة؟!
***
يفرغ المخرج الصّالة من الجمهور، يسكب قليلا من النبيذ، يتثاءب، ويقول:
- ألذي كان، والذي لم يكن... يتساويان في العدم...
ويردّ البهلوان بسؤال:
- هل وجود الفراغ، وجود، ينفي وجوده؟
***
يشعر المخرج بثقل النبيذ...
يفقد السيطرة على تفكيره...
تتداخل صور مرعبة في مخيّلته:
- إحراق وكر النمل في حديقتنا، تزامن مع اندلاع الحرب الكبرى.
ويضيف، كما لو أنّ نهاية الدنيا ارتسمت في أعماق كأسه:
- موت ونار... يتم ودمار...
يرد البهلوان بلامبالاة:
- ألبكتيريا تتكاثر من دون زواج... غداً تبدأ مسرحية جديدة بأشكال أخرى.
***
يتنازع المخرج والبهلوان على آخر قطرات النبيذ...
يسكبان الفراغ في كأسيهما...
يرتشفان دموعهما...
يستسلم المخرج قائلا:
-ألحاضر وهم، ألمستقبل كذبة، وحده الماضي كاد يصبح حقيقة، لولا سراب الزّمن.
ويضيف، بشفتين مرتجفتين:
- قبل وبعد!!!
قبل ماذا؟! بعد ماذا؟!
أطول، أقصر، أبعد، أقرب…
مقارنة بمن؟ بالنسبة الى ماذا؟!
أسئلة ضائعة بين الخلايا، وبين المجرّات…
أسئلة تمعن ضياعاً في متاهة… السرّ الأقدس.
***
يكسر البهلوان قلمه، يرميه بعيداً، وهو يقول:
- ألكتابة شواهد على "قبور أفكار" تفجّرت لفظاً، أو غرقت صمتاً، وتكفّنت بكلمات… أصحابها مجرّد أسماء.
***
يحتلّ الصّمت الصّالة.
تُقْفَلُ ألستارة.
يختفي المخرج في نعاس المهرّج.
ترتسم على الوسادة علامة استفهام...