"فصــلٌ آخـــر"

جورج طرابلسي قرأها 312
  

"فصــلٌ آخـــر"

جورج طرابلسي

ألصالة فارغة...

تملأُها ألتناقضات...

يتسلّل الملل الى أعماق البهلوان...

 بالكاد يستطيع أن يفتح ستارة عينيه...

ينادي المخرج بعصبيّة واضحة، متسائلا: "ما هو دوري في هذا النّعاس؟".

ألمخرج: أليوم تقابل الملك...

ألبهلوان: كيف أعرف أنّه الملك؟

ألمخرج: يكون جالساً على العرش...

ألبهلوان: وإذا كان واقفاً، كيف أعرفه؟!

ألمخرج: (!!!)!

***

يدخل الجمهور، ترتفع أصوات، كأسواط، عبر ثقوب سوداء:

من يحاكم الذي يقتل الوقت؟

ويردّد الصدى السؤال نفسه:

من يحاكم الذي يقتل الوقت؟

وتزداد الأصوات لسعاً:

من؟ من؟ من؟

***

يقضم البهلوان أظافره، يبصق نثرة منها على خشبة المسرح...

يسمع قهقهة الجمهور...

يشعر بالنّدم...

ينحني، يلّم النثرة، ينظر إليها بعينين دامعتين، ويتوجّه إلى المخرج بتساؤل آخر:

عدم سماعنا صراخ أظافرنا، هل يبرّر إعدامها بلا رحمة، ورميها بلا مراسم تشييع، أو كلمة رثاء؟! وهل الشعور بالألم شرط لنعمة الحياة؟!

***

يفرغ المخرج الصّالة من الجمهور، يسكب قليلا من النبيذ، يتثاءب، ويقول:

-  ألذي كان، والذي لم يكن... يتساويان في العدم...

ويردّ البهلوان بسؤال:

- هل وجود الفراغ، وجود، ينفي وجوده؟

***

يشعر المخرج بثقل النبيذ...

يفقد السيطرة على تفكيره...

تتداخل صور مرعبة في مخيّلته:

- إحراق وكر النمل في حديقتنا، تزامن مع اندلاع الحرب الكبرى.

ويضيف، كما لو أنّ نهاية الدنيا ارتسمت في أعماق كأسه:

-         موت ونار... يتم ودمار...

يرد البهلوان بلامبالاة:

-         ألبكتيريا تتكاثر من دون زواج... غداً تبدأ مسرحية جديدة بأشكال أخرى.

***

يتنازع المخرج والبهلوان على آخر قطرات النبيذ...

يسكبان الفراغ في كأسيهما...

يرتشفان دموعهما...

يستسلم المخرج قائلا:

-ألحاضر وهم، ألمستقبل كذبة، وحده الماضي كاد يصبح حقيقة، لولا سراب الزّمن.

ويضيف، بشفتين مرتجفتين:

-  قبل وبعد!!!

قبل ماذا؟! بعد ماذا؟!

أطول، أقصر، أبعد، أقرب…

مقارنة بمن؟  بالنسبة الى ماذا؟!

أسئلة ضائعة بين الخلايا، وبين المجرّات…

أسئلة تمعن ضياعاً في متاهة… السرّ الأقدس.

***

يكسر البهلوان قلمه، يرميه بعيداً، وهو يقول:

-  ألكتابة شواهد على "قبور أفكار" تفجّرت لفظاً، أو غرقت صمتاً، وتكفّنت بكلمات… أصحابها مجرّد أسماء.

***

يحتلّ الصّمت الصّالة.

تُقْفَلُ ألستارة.

يختفي المخرج في نعاس المهرّج.

ترتسم على الوسادة علامة استفهام...