يعيش الكذب !! - قصة قصيرة

محسن الصفار قرأها 242
  

يعيش الكذب !!

قصة قصيرة

بقلم: محسن الصفار

كان سعيد يمارس هوايته المفضلة في صيد السمك عند ضفة النهر القريب من بيتهم عندما اهتزت الصنارة بشدة مبشّرة بصيد ثمين سحب سعيد الصنارة بكل قوته حتى تغلب على السمكة وأخرجها من الماء فإذا بها سمكة جميلة لونها ذهبي وليست من النوع المعتاد في هذا النهر أمسك بها واذا فجاة تنطق بلسان البشر وتقول لسعيد:

- ارحمني ياسيدي وأطلق سراحي وسأنفذ لك رغبة واحدة مها تكن.

تعجب سعيد وبقى مذهولاً فهو لم يتخيل حتى ان يرى في حياته سمكة ناطقة ولكنه وفكر اذا استطاع شخص بغباء بوش ان يصبح رئيساً لأميركا فمالذي يمنع السمك من ان يتحدث بلغة البشر؟ ولكن السؤال المحير بالنسبة له كان عما سيطلبه من السمكة هل سيطلب مالاً أم جاهاً أم ماذا؟ وبعد تفكير طويل قال للسمكة:

- اسمعي ياسمكة لقد قررت ان أطلب شيئاً يفيد الجميع ويعم خيره على كل الناس. أريد منك ان تمحي الكذب من عالمنا هذا بحيث لا ينطق أحد شيئاً سوى الحقيقة. هل تستطيعين فعل ذلك؟.

ردت السمكة:

- بكل سرور ياسيدي ولكن تذكر اذا أردت إبطال الأمنية فما عليك سوى مناداتي عند النهر.

 وقفزت الى الماء، رجع سعيد الى البيت وهو لا يصدق في قرارة نفسه ماحدث واعتبرها هلوسات ناجمة عن ضربة شمس او تسمُّم غذائي وما ان وصل الى البيت حتى استقبلته زوجته قائلة:

- ها قد جئت ياوجه النحس!! ليتك تأخرت قليلاً ريثما اتمكن من ايصال الطعام الذي طبخته الى بيت اأهلي، فكما تعلم ان الاسعار لم ترتفع ولكني كل يوم ومن وراء ظهرك أطبخ لأهلي وأوصله لهم قبل وصولك. كما لا أطيق شكلك وتزوجتك بضغط من أهلي وأحلم طوال اليوم بـ"مهند" من مسلسل "نور".

تعجب سعيد وقال لزوجته:

- لماذا تخبريني الآن؟ وبعد كل هذه السنين الطويلة ما الذي تغير؟.

قالت الزوجة وهي تهز كتفها بلا مبالاة:

- لا ادري ولكن شيئا ما يمنعني من الكذب اليوم!!

فتح سعيد التلفزيون فشاهد خطاباً للوزير وهو يقول:

- أيها المواطنون الأعزاء. منذ ان توليت هذه الحقيبة الوزارية لم أفعل للبلد اي شيء!! وأساسا انا غير قادر على فعل شيء لأني غير مؤهل وشهادتي التي أحملها أصلا مزورة، وكل الذي أنجزته هو تعيين أقربائي في الوزارة وشفط ميزانية الوزارة الى حساباتي الشخصية وسترون أياما سوداء في عهد وزارتي.

كاد سعيد يجنّ فهل يعقل ان ما قالته السمكة كان صحيحاً وان لا أحدَ سيكذب بعد اليوم؟ ولكن لم كل الحقائق فظيعة بهذا الشكل؟ خرج الى الشارع كي يرى بنفسه فذهب الى الخباز وسلم عليه وسأله ان كان لديه خبز فرد عليه:

- والله يااستاذ سعيد اذا كنت تريد خبز مدعوم من الدولة فهو كما تعلم من طحين مغشوش مخلوط بنشارة خشب ولكنك اذا أردت خبزاً نظيفاً فيجب ان تدفع أكثر وسأجلبه لك من خلف المحل .

ذهب الى النجار وسأله عن الطاولة التي طلب منه صنعها ووعده بتسليمها خلال أسبوع فرد عليه النجار:

- أيّ أسبوع الله يهديك؟ انا عندي طلبات لن تنتهي قبل شهرين ولكني أقول لكل زبون خلال أسبوع كي أقبض العربون وثم أجعله يركض من أسبوع الى أسبوع.

لم يعد سعيد يستوعب كل هذه الحقائق وعاد الى بيته فوجد ابنه يحمل كتبه ويهم بالخروج فسأله الى اين يذهب فرد عليه:

- بصراحة كنت كل مرة اقول لك اني ذاهب الى بيت صديقي للدراسة ولكن الحقيقة انني كنت أذهب الى السينما ومعاكسة الفتيات وقد كذبت عليك في موضوع نجاحي فانا راسب في أربع مواد ولا خير يرجى مني!!!

في اليوم التالي ذهب سعيد الى عمله ودخل على المدير كي يسأله عن علاوته فرد عليه:

- والله ياسعيد انت تعرف اني أستطيع ان أمنح علاوة واحدة سنوياً ولقد وعدتك بها ولكن الحقيقة اني كنت قررت منذ مدة ان أعطيها لسكرتيرتي والتي تزوجتها سراً منذ مدة وأرجو ان لا تزعل مني.

عاد سعيد الى مكتبه وهو يجر أذيال الخيبة ووجد زميله باتظاره كي يقول له:

- سعيد هل تذكر المبلغ الذي استلفته منك؟

رد سعيد بلهفة:

- نعم نعم وقلت لي انك بحاجة له لمصاريف ولادة زوجتك ووعدتني بان سترده بعد شهر وقد مضت 3 اشهر ولم استرجعه وانا باشد الحاجة اليه.

ضحك الصديق وقال:

- الصراحة اني أخذت المبلغ كي ألعب به القمار وخسرته كله ومع أوضاعي المالية التعيسة لا أظن اني سأستطيع رده قبل سنتين هذا ان رددته أصلاً!!.

غضب سعيد من هذه التصرفات وطلب قدحاً من الشاي من الفرّاش الذي قال له وهو يضع القدح أمامه:

- بصراحة يا استاذ سعيد انت الوحيد الذي لا يعطيني إكرامية لأنني وحسب قولك أقبض راتباً عن هذا العمل وانا في المقابل كلما طلبت مني شايا أضع لك بقايا الشاي من الأقداح الأخرى وأقدمها لك.

جن سعيد من موجة الصدق هذه وخرج من العمل راكضاً الى النهر وظلّ ينادى على السمكة حتى خرجت اليه فقال لها:

- أرجوكِ أتوسّل إليكِ.. الغي طلبي فأنا لا أريد العالم بلا كذب بعد اليوم. أريد الكذب ومزيداً من الكذب.

وكل كذبة وانتم بخير.