مرة أخرى: عن اللغة والحياة

عطية مسوح قرأها 1,116
 

مرة أخرى: عن اللغة والحياة

بقلم: عطية مسوح

مرة أخرى أعود في هذه الزاوية إلى مسألة تجديد اللغة. لغتنا الجميلة حقاً، والقادرة على التطور والاغتناء، لو أحسنّا التعامل معها. وأقصد بحسن التعامل، أن نطرح طرحاً جاداً مسألة إعادة بناء النحو العربي، وفتح معجمات اللغة أمام مفردات جديدة متعددة المصادر، قد يأتي بعضها عن طريق النحت أو الاشتقاق، وقد يأتي بعضها من إبداع الناس وهم يدمجون اللغة بالحياة، أي من خلال مفردات نسميها عامية وهي في حقيقتها تطويع الفصحى لمقتضيات الاستخدام اليومي، وقد يأتي بعضها من لغات أخرى، ولا سيما إذا تعلق الأمر بمصطلحات أو تسميات اكتسبت صفة العالمية.

ولا أعتقد أن هذا الموضوع جديد علينا، بل أزعم أنه مطروح منذ قرون وقرون. والعودة إلى مناقشات النحويين واللغويين وخلافاتهم منذ القرن الثالث الهجري تؤكد أن الصراع بين الجمود والتطور كان موجوداً باستمرار، غير أن لواجم التجديد اللغوي، ولا سيما في النحو، كانت كثيرة، ومن أهمها أن النحاة تواضعوا على فكرة لا أجد مسوّغاً لاستمرارها، ولا أرى لها إلا وظيفة واحدة هي تجميد اللغة ومنع تجديدها.
هذه الفكرة هي أن كل ما قاله الأعراب في البادية، حتى عام 150 للهجرة هو صحيح يعتدّ ويستشهد به، ويؤخذ مقياساً. ربما كان لهذا المقياس ضرورة عندما شرع النحاة بوضع مؤلفات في قواعد اللغة، ولكن اللغة حية والناس مستمرون جيلاً وراء جيل، وثقافة الأمة تنمو، ومثقفوها يتوارثون المعرفة ويضيف كل منهم جديداً ما، فبأي منطق تظل اللغة، بنية ونحواً، أسيرة لما كان حتى عام 150 للهجرة، ومرهونة بعقل أعرابي عاش في البادية، قد لا تتجاوز معارفه أحوال الطقس وأدوات الرعي والأكل والشرب والصيد؟.

إنني لا أبالغ ولا أغمط المناطقة واللغويين العرب القدامى (وبعضهم ليسوا عرباً) حقوقهم، ولا أتنكر لإسهامهم في وضع قواعد اللغة، غير أن فكرة الاستشهاد بأعرابي عاش في البادية قبل عام 150 هـ التي تواضعوا عليها كانت ـ فيما بعد ـ وبالاً على اللغة والنحو، وقيداً على عقل كل من يحاول التجديد. ولتأكيد ذلك نحيل القارئ إلى المآخذ التي أخذها المتزمتون على المتنبي، ومنها مثلاً قوله:

(أسائلها عن المتديِّريها) أي أسائلها عن الذين اتخذوها دياراً، فوجدوا أن عرب البوادي لم يستخدموا كلمة (المتديريِّها) فعابوا على المتنبي هذا الاشتقاق!.

المتنبي ليس حجة في النحو، ولا المعري أو الشريف الرضي! بينما لا نزال نحتفظ بقول أعرابي لا نعرف مدى صحته العقلية (مكره أخاك لا بطل) في كتب النحو، ونبحث له عن وجوه وتقديرات. وكل طالب في قسم اللغة العربية أو قارئ لكتاب من كتب النحو، حتى اليوم، يمر على هذه العبارة التي لا يجرؤ أحد على القول: إن الأعرابي أخطأ فلنلغ هذا القول وننساه.

ثمة مشكلات كثيرة، آن لنا أن نناقشها، ونتجاوز تعقيداتها، منها على سبيل المثال إعراب الاسم بعد إذا الشرطية، وإعراب الاسم بعد لا سيما، وغيرهما الكثير الكثير.
الأعرابي في البادية كان يخطئ، فلماذا نجعل خطأه اجتهاداً لغوياً، ووجهاً من وجوه استخدام الكلمة، بينما نرفض أن يستحدث أديب معاصر كلمة ما؟ ألم يثر بعض المحافظين زوبعة في وجه جبران خليل جبران حين قال (هل تحمّمت بعطر) متمسكين بأن الصواب هو (هل استحممت)؟ (علماً بأن وزن تفعّل وزن خماسي سليم وأنه يفيد الذاتية (أي القيام بالفعل ذاتياً (تحمّم) بينما (استحمم) تعني طلب الاستحمام، ولن ندخل ـ عزيزي القارئ ـ في مناقشة لغوية مملة).

أما المضحك حقاً، فهو ما يرد في بعض البحوث الصرفية (الإمالة ـ الإعلال ـ القلب..) إذ نجد في الكتب التي تدرّس في جامعاتنا ومدارسنا ما هو ميت حقاً، وما لا يجوز أن نضيع الوقت في مناقشته. وأذكر على سبيل المثال بحثاً عن (الإبدال والقلب)، يدرّس في جامعاتنا، ونعرف ـ نحن الذين درسنا النحو والصرف ـ أن مصدره المباشر هو كتاب (شذا العرف في فن الصرف) للحملاوي. في هذا البحث فقرة عما يبدل إبدالاً نادراً، والأمثلة هي أن بعض العرب يقول "وكنة" وبعضهم يقول: "وقنة". وبعضهم يقول: "رُبْع" وبعضهم يلفظها: "رُبْح"، وبعضهم يقول: "أغنّ" وبعضهم "أخنّ"، و"تلعثم" و"تلعذم".. إلخ.

مثل هذا الكلام، اقتنع به اللغويون وأساتذة اللغة، وأرادوا أن يقنعوا طلابهم بأنه إبدال أو قلب، وفي هذا خلط بين الإبدال (والقلب) والخطأ. فالإبدال استخدمه العرب من حَسَني الذوق من أجل تحسين اللفظ، كقولهم "اضطرب" بدلاً من "اضتربَ" و"ازدهر" بدلاً من "ازتهر". أما قول "أخنّ" بدلاً من "أغنّ"، فلا يدخل في هذا الباب. وقد يكون مصدره أن الإعرابي الذي عاش في البادية قبل عام 150 كان لا يحسن النطق، ولا يتقن إخراج الحروف من مخارجها، وربما كان ألثغَ. ولأن قوام الاستشهاد في لغتنا هو الاحتكام لعرب البادية حتى ذلك التاريخ، أدخلنا قول الألثغ وضعيف المنطق وسيِّئ النطق في إطار اللغة وقواعدها.

الألثغ، إذا كان منعزلاً في البادية، مع جماعة قليلة من الناس، تنتقل لثغته إلى أبنائه وأحفاده الذين يتعلمون اللغة من خلاله، فهل يجدر بنا أن نجعلها وجهاً من وجوه اللغة؟.
الأمثلة كثيرة أيها القارئ العزيز، ولا يجوز لنا أن نبقي لغتنا مشدودة إلى الماضي أكثر مما هي متكيفة مع الحياة، فلنبحث في هذا الأمر بجدية، ودون عقد، ولنصل إلى ما يبسّط اللغة ويفتح معجمها على الحياة. كانت لغة أجدادنا في الجاهلية وصدر الإسلام، وفي العصرين الأموي والعباسي ملائمة للزمن متجاوبة مع مقتضيات الحياة، لذلك اغتنت واغتنت، فلماذا لا تكون اليوم مفتوحة على الحياة أيضاً، وقادرة على الاغتناء، والاغتناء؟.

أوجّه هذا السؤال إلى مدرّسي اللغة في كل المراحل، ولا سيما مدرّسي اللغة في جامعاتنا، فهم معنيون في البحث والإجابة.