السير الذاتية في بلاد الشام
السير الذاتية في بلاد الشام
بقلم: عطية مسوح
هذا عنوان كتاب أصدره المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في دمشق، ونشرته دار المدى، ونسّق أبحاثه ماهر الشريف وقيس الزرلي. وهو يضم الأبحاث التي قدمت في ندوة أعدّها المعهد المذكور وعقدت في دمشق يومَيْ 19 ـ 20 حزيران عام 2007، وعددها خمسة عشر بحثاً.
تناولت أبحاث الكتاب (فن السيرة الذاتية) بوصفه فناً كتابياً قائماً بذاته، كما درس بعضها عدداً من السير والمذكرات الهامة التي وضعها أدباء، أو سياسيون في القرنين الماضيين، ولا سيما في القرن العشرين.
وإذا كانت الندوة التي تمخضت بهذا الكتاب، على درجة كبيرة من الأهمية من حيث موضوعها ومستوى المشاركين في أعمالها، فإنها ـ ككل عمل مهم ـ تثير في ذهن المتابع أو القارئ الجاد الكثير من التساؤلات وتعيد طرح قضايا ذات صفة أساسية ومعيارية في دراسة كتب السيرة الذاتية في أدبنا الحديث، وهي كتب كثيرة جداً ومتنوعة الأساليب والمضامين ووثيقة الصلة بذوات واضعيها وبالواقع الذي عاشوه.
إن فن السيرة الذاتية في أدبنا الحديث، ولنقلْ بدءاً من عام 1855 وهو عام صدور (الساق على الساق فيما هو الفارياق) لمؤلفه أحمد فارس الشدياق (1805 ـ 1887) إلى اليوم، قطع أشواطاً واسعة، لا في مجال النضج الفني فقط، بل في مجال صدق تصوير الواقع في المرحلة التي يتناولها أيضاً. فكما يقول محمد كامل الخطيب في بحثه الذي تصدر أبحاث الكتاب: (يبدو أننا بدءاً من هذه اللحظة - الفكرة، نكاد نغادر الدائرة الضيقة لمفهوم السيرة الذاتية، أي نغادر ذاتية السيرة لندخل رحاب المجتمع والتاريخ العامَّين، ندخل دوائر الزمان والمكان والبشر).
هذا البعد غير (الذاتي) للسيرة الذاتية جعل الباحثين يتطرقون إلى سؤال على درجة كبيرة من الأهمية التي تقتضي أن تكون الإجابة عنه على درجة عالية من الدقة والتأني، وأعني السؤال: هل يمكن الركون إلى السير الذاتية في دراسة مرحلة تاريخية معينة، وإلى أي مدى يمكن ذلك؟.
هذه إشكالية بالغة الحساسية، أثارها عدد من البحوث، ومنها بحث د. ماهر الشريف وهو بعنوان (مذكرات أحمد الشقيري موضوعاً للدراسة ومصدراً تاريخياً)، ويقدم الشريف عدداً من الأمثلة التي تدل على أن مذكرات الشقيري تعتريها نقاط ضعف تجعل الركون إليها في دراسة تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية أمراً محفوفاً بالمخاطر. من هذه الأمثلة ما يدل على تناقض بعض المعلومات ورواية عدد من الحوادث بشكل مختلف عما رواه آخرون معاصرون للشقيري وللحدث المروي. ومع ذلك فإن الشريف يؤكد أهمية مذكرات الشقيري (بما تحتويه من رواية للأحداث وعرض وجهة نظر حولها، كما يؤكد أنها تروي تاريخ حقبة كاملة من خلال شخص شارك مشاركة فعالة في أحداثها). ص 127.
أما الباحث عصام نصار فإنه يدفع بالشك إلى أبعد من مدى السيرة الذاتية ليصل إلى الشك بصدق التاريخ المكتوب بمجمله، طارحاً مجموعة من التساؤلات الجدية المتعلقة بغايات المؤرخين، فهم يروون التاريخ متأثرين برؤاهم الحاضرة، ويسعون إلى جعله مؤثراً في الحياة الحاضرة. إنهم انتقائيون، يأخذون ويتركون كما يشاؤون، وهم مسؤولون (عن خلق نوع من التفاوت في أهمية الأحداث التاريخية عبر تسليط الضوء على أحداث دون سواها). ص 93.
نحن نعلم أن لكتابة التاريخ مشكلاتها، وكثيراً ما أكد الباحثون، والمؤرخون أنفسهم أن التاريخ السياسي كتبه المنتصرون في كل مرحلة، أي كتبه مؤرخون منحازون إلى المنتصرين أو حريصون على إرضائهم، وأن أحداثاً طُمست وقوى أو شخصيات هُمّشت، أو أُبرزت وأعطيت أكثر من شأنها الحقيقي. فإذا كان هذا شأن الكتب التاريخية المتخصصة التي وضعها مؤرخون متخصصون، فكيف سيكون شأن السير الذاتية أو الذكريات أو المذكرات التي يضعها كتّاب يتفاوتون في مواهبهم وغنى تجاربهم؟ وكم سيضيع من الموضوعية في غمرة الحديث عن الذات وعرض وجهة النظر الشخصية في هذا الحدث أو ذاك؟.
لم يكن بحثا ماهر الشريف وعصام نصار البحثين الوحيدين اللذين أثارا مثل هذه الإشكاليات، فعدة أبحاث أخرى تطرقت إليها تصريحاً أو تلميحاً، وفي هذا التطرق حماية لقارئ السير الذاتية من التسليم بصحة كل الوقائع التي تذكرها، ونقول (الوقائع) لأن الموقف غير التسليمي إزاء وجهات النظر التي يضعها الكُتاب في الأحداث المروية أمر عادي، فما من قارئ ملزم بوجهة نظر المؤلف، وما من قارئ جاد يمر مروراً عابراً عليها.
وإضافة إلى ذلك، فإن محمد كامل الخطيب، يشك حتى في شيء آخر، هو من صلب فن السيرة الذاتية، ونعني به أنها (سيرة جوانية) تكشف النقاب عن ذات كاتبها وتجاربه بشفافية ووضوح، ويصوغ شكَّه على النحو التالي: (ربما كان بالإمكان القول إن من الصعب كتابة سيرة ذاتية جوانية في ثقافة لا تميل إلى تعرية الذات والاعتراف بأفعالها غير المستحبة اجتماعياً، كما في الثقافة العربية الإسلامية) ص 11.
وإذا كان الأمر كذلك، على صعيد صدق تصوير الواقع وصدق تصوير الذات، فإن كتب السيرة الذاتية لا تعدو كونها مصادر مساعدة، تُقرأ للاستضاءة بها بوصفها تذكر وقائع معينة وتنظر إليها من خلال مصالح آنية مباشرة للكاتب، لا فرق في ذلك بين رواية سيرة ذاتية، أو كتب مذكرات أو ذكريات.
وبرغم أن بعض أبحاث الكتاب جاء تحت عنوان يتضمن كلمة (مذكرات) فإن الفرق بين السيرة الذاتية ولا سيما الروائية، والمذكرات والذكريات ظل غامضاً، فلم يميز بحث بين هذه الأنواع، وخاصة بين المذكرات والذكريات، علماً أن الفرق بينهما شاسع جداً، وله أثر حاسم في جعل المادة المكتوبة مصدراً لدراسة التاريخ أو معرفته. وسأحدد هنا ثلاثة فروق رئيسة بين المذكرات والذكريات:
1. من حيث التواصل والانقطاع: المذكرات تسجيل متصل ومتواصل لما جرى لكاتبها وما قام به أو شهده في فترة زمنية يحددها هو. أما الذكريات فليس من الضروري أن تأتي متصلة متواصلة. فقد يختار الكاتب أحداثاً معينة يتوقف عندها عارضاً ومحللاً، ويتجاوز أحداثاً أخرى. أي إن نصيب الذكريات من الانتقائية هو أكبر بكثير من نصيب المذكرات التي تكون أقرب إلى طبيعتها كلما ابتعدت عن الانتقائية.
2. من حيث التسلسل الزمني: في المذكرات يكون التسجيل دقيقاً في تسلسله الزمني، ولا يجوز للكاتب أن يثب من فترة إلى أخرى أو من حدث إلى حدث كاسراً حدود الزمن. أما الذكريات فقد تدفع كاتبها إلى التداعي الخارج عن الأطر الزمنية، فتثير إحداها الأخرى دون ترابط زمني.
3. في المذكرات يتضاءل دول البعد الشخصي، ولا يُغفل حدث هام من الناحية التاريخية لأنه يفتقد ذلك البعد، أما في الذكريات فإن البعد الشخصي يتسامق ويكبر أثره. فالكاتب قد يغفل بعض الأمور لأنها ليست متأصلة في ذاكرته بسبب ضعف ارتباطها بوجدانه وعاطفته، أي إنها ليست ذات عمق شخصي.
وانطلاقاً من هذه الفروق، فإننا نجد معظم ما كتب في السير الذاتية في بلاد الشام هو أقرب إلى الذكريات منه إلى المذكرات، وإذا كان في كليهما مجال للصدق والكذب، فإن المفترض أن تكون المذكرات أكثر دقة وصدقاً، لأن مصدرها ينبغي ألا يكون الذاكرة، بل التدوين الآني للحوادث وقت حدوثها.
أما رواية السيرة الذاتية، أو السيرة الذاتية الروائية، فهي تراعي مقتضيات فنية كثيراً ما تؤثر على الدقة في نقل الأحداث والوقائع، وهي تجعل المرحلة التاريخية التي دارت فيها أحداث الرواية خلفية لا أكثر، وبرغم ذلك فإن الكاتبة يمنى العيد تؤكد في بحثها أن (المعرفة التي تنتجها السيرة الذاتية الروائية ليست بالضرورة أقل موضوعية أو حقيقة من المعرفة التي تنتجها السيرة أو السيرة الذاتية) ص 20.
وفي مجال التمييز بين السيرة الذاتية ورواية السيرة الذاتية تشير الأديبة أنيسة عبود في بحثها إلى أنه (إذا كانت كتابة السيرة الذاتية حركة باتجاه الماضي، فإن كتابة الرواية السير ذاتية انطلاقة باتجاه المستقبل، فيكون بعث الماضي عبر الكتابة داخل النص).
وفي بحوث الكتاب عامة، سمة رئيسة هي أن واضعيها لم يكتفوا بعرض السير التي تناولوها، أو أهم ما فيها، بل تناولوها تناولاً نقدياً، وحاولوا أن يتلمّسوا دورها في رصد مرحلة تاريخية غنية ومعقدة، هي مرحلة ما يعرف بالعصر العربي الحديث، منذ أواخر عهد الدولة العثمانية وعلى امتداد نحو قرن من الزمن.
يدل الكتاب الذي نحن بصدده على أن كتّاب السير الذاتية، من أدباء، ومفكرين وسياسيين كانوا شاهدين على عصرهم، بكل ما في كلمة الشهادة من معنى، فقدموا مادة خالدة بفنيتها إلى حد ما، وبصدقيتها إلى حد كبير، وبالحرارة الوجدانية التي تبوح بها أقلام كتّابها وهم يصورون تفاعلهم مع أحداث عصرهم، أو دورهم في صنعها، أو أثرها على حياتهم.