مجموعة حلقات هنري زغيب (نقطة على الحرف) المتأخر نشرها - الحلقات 865-869

هنري زغيب قرأها 1,332
  

مجموعة حلقات هنري زغيب (نقطة على الحرف) المتأخر نشرها

الحلقات 865-869

هـكـذا تـكـلَّـم الـنُّـوّابُـوسـتْـرا

نقطة على الحرف - الحلقة 865

هنري زغيب

6 جلسات ماراتونية، 66 متكلماً معظمهم بحماسة هَمايونية، طوال 26 ساعة تلفزيونية، خلنا فيها ستكون النتيجة مفاجئة في تفنيد البيان الوزاري ومناقشته وتطوير ما فيه، فإذا بها تنتج عن ثقة إجماعية بالحكومة.

فلماذا إذاً كلُّ ذاك الفيض الذي وسَمَ معظم الخُطَب التي اتّخذت من منبر الپرلمان متراساً للتصويب على الآخرين بدون مناقشة البيان الذي من أجله كانت تلك الجلسات الطويلة؟

بعض من تكلّموا أصابوا وناقشوا وفنّدوا في مسؤولية وتنبيه وحكمة مهنية لكنّ معظم الذين تكلَّموا كانوا في ثلاث فئات:

فئة من راحوا يُغرقون زملاءهم الحاضرين بهمومهم الخاصة وشؤونهم الخاصة وشخصانياتهم بمعزل عن البيان الوزاري.

فئة من راحوا يطلقون الانتقادات لخصومهم من زاوية شخصية لا علاقة لها بالبيان الوزاري.

فئة من راحوا يَتَعَنْتَرُون في لغةٍ عربية يخجل بها تلميذ في مدرسة ابتدائية.

هنا تساءل المواطنون: لماذا كل هذا المشهد الفولكلوري الذي هَدَرَ الوقت على تعداد المثالب، ما دامت النتيجة ستكون رفع اليد ببغاوياً بالموافقة على منح الثقة؟

وما علاقة هموم الناس بمعظم الذي قيل من دون الالتفات ولا بكلمة واحدة الى هموم الناس؟

وماذا عن تغيُّب بعض النواب عن حضور الجلسات، أو أخْذِهم قسطاً من القيلولة خلال كلام زملائهم، أو قيامِهم من مقاعدهم وعودتِهم إليها وتَمشّيهم بين صفوف المقاعد فيما زملاؤُهم يتكلمون؟

والى من كان يتوجّه معظم النواب الخطباء: أَإِلى رئيس الحكومة صاحب البيان الوزاري، أم الى رئيس الجلسة؟ أم الى جمهور ناخبيهم خلف كاميرات التلفزيون؟ ولو لم تكن الجلسة منقولة تلفزيونياً، أكانت استفاقت حَميّةُ الكلام بجميع الذين تكلَّموا كي يتكلموا؟ أم انهم امتطوا منبر الپرلمان فرصةً للظهور أمام قاعدتهم الشعبية؟

وهذه اللغة العربية الْمُعيبة التي تكلّم بها البعض: تهشيماً بالقواعد اللغوية، وإلقاءً كاريكاتورياً، ومَخارجَ حروفٍ صريعة، أما كان يمكنهم الاستعاضة عنها بلغة عامية مبسطة لإيصال رسالتهم (إن كان عندهم رسالة برلمانية) والتعبير عن فكرتهم (إن كان عندهم فكرة مهنية مسؤولة)؟

في ست جلسات مجلس النواب كان كلامٌ: قسمٌ منه مُدارٌ بالـ"ريموت كونترول"، وقسمٌ رفعُ عتب، وقسمٌ متراسٌ للتشاتم وتصفية الحسابات، وهو في معظم الحالات غيرُ جدير بِمَن انتخبَهم الشعب، وحين شاهدهم هذا الأُسبوع على شاشة التلفزيون نَدِمَ على إعطائهم ثقته لتمثيلهم أربع سنوات.

في رائعة فردريك نيتشه "هكذا تكلَّم زَراتُوسْتْرا" كلام حكمة وفلسفة تلقّفه شعب زراتوسترا ليغنموا من فكره العالي.

وبين "هكذا تكلَّم زَراتُوسْتْرا" وهكذا تكلّم النُّوّابُوسْتْرا عندنا يتساءل المواطن اللبناني: هل معظم هؤلاء صورةٌ لنا في لبنان وفي العالم؟ 

email@henrizoghaib.com

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بعد بثه في إذاعة "صوت لبنان" صباح يوم الأحد 13 كانون الأول 2009

**********


تَغَيُّر المناخ بين القادة والقاعدة

نقطة على الحرف - الحلقة 866

هنري زغيب

في مطار كوپنهاغن (لدى وصول الوفود الرسمية للمشاركة في قمة المناخ المنعقدة هناك منذ 7 حتى 18 الجاري) استقبلت المشاركين لافتاتٌ كبرى على جدران المطار، لصور الرئيس الأميركي باراك أوباما والفرنسي نيكولا ساركوزي والروسي ديمتري بلڤيديڤ والبرازيلي لولا دي سيلڤا، ورؤساء حكومات كندا ستيفن هاربر وإسبانيا خوسيه زاپاتيرو وإنكلترا غوردون براون وبولونيا دونالد تاسك، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركِل، وعلى كل لافتة صورة للشخص سنة 2020 بالشعر الأشيب وتجاعيد الشيخوخة، وتحته عبارة "آسِف. كان يمكننا أن نوقف كارثة تَغَيُّر المناخ. لكننا لم نفعل".

صدرت هذه البادرة عن أعضاء منظمة "غرين پيس" العالمية، أرادوا منها التوعية على أهمية هذه القمة التي يعقدها ممثلو 192 دولة من دول الأمم المتحدة، لتدارك أخطار تغيُّر المناخ وتنبيههم الى ألاّ تكون نتائج قمتهم تنظيراً لفظياً دون إجراءات عملية وفورية وسريعة لتدارك ما يُحيق بالكرة الأرضية من أهوال وكوارثَ ومآسٍ وفواجع يسبِّبها تغيُّر المناخ وتستدعي إجراءات عاجلة، أهمُّها اتفاقات مشتركة في ما بين دولِهم لتحقيق هدَف مُنْقذٍ فعّال.

ولهذه الغاية تحرك 44 عنصراً من شباب وصبايا منظمة "غرين پيس" من 16 دولة في العالم فاعتصموا وتظاهروا وزاروا سفارات الدول المشاركة في كوپنهاغن لِـحَثّ قادة هذه الدول على اتّخاذ إجراءات عملية عملانية لإنقاذ المناخ.

وكرّر الناشطون التنبيه الى أن العقد الحالي مهدَّد بأن يكون أكثر العقود جفافاً وقيظاً منذ بدء تسجيل الحرارة سنة 1850، وحتى ألاسكا والدول الباردة لن تنجو من هذا الخطر، فكيف بدول حارَّة أصلاً كما أفريقيا وسواها؟

الصحافة العالمية استقبلت بادرة اللافتات في مطار كوپنهاغن باهتمام كثير، وعقّبت عليها بتحذير القادة المجتمعين من ختام القمة بدون إجراءات حازمة حاسمة جازمة.

الشاهد من هذا الحدث أن لن يُقبَلَ اعتذار القادة سنة 2020 لكونهم لم يتمكنوا من أن يفعلوا شيئاً لتغيُّر المناخ، بل من واجبهم أن يفعلوا، ولا يمكنهم إلا  أن يمكنهم التحرك الفاعل والميداني.

ومن تحركات الهيئات المدنية الناشطة، يتّضح ألاّ يكونَ الاتّكال على البنْية الفوقية وحسب، فعلى القاعدة واجبات كذلك، بل واجباتٌ أَوْلى للمحافظة على البيئة والمناخ بعدم التعدّي على الطبيعة والمناخ، في تدابير شعبية واقية، كتجنُّب رمي النفايات، والتسبُّب في الانبعاثات الكريهة الضارّة والحرائق وخسارة المساحات الخضراء وقَطْع الأشجار عشوائياً وانتهاك الأرض والفضاء والمحيط بتجاوزات وتصرفات لن تفيد معها إجراءات القادة إن لم يكن في نفْس كل مواطن مُنبِّهٌ ووازعٌ من ضمير.

القاعدة تضغط على القادة؟ صحيح. لكنّ على القاعدة واجباتٍ يجب أن تقوم بها كي تساعد القادة على تنفيذ إجراءاتهم، وإلاّ بقيَت إجراءات القادة حبراً على ورق البيئة، واستمرّت انتهاكات القاعدة حِبراً مسموماً يُدمّر كلَّ بيئة.

وعندها لن يعود ينفع أيُّ ندم.

email@henrizoghaib.com

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بعد بثه في إذاعة "صوت لبنان" صباح يوم الأربعاء 16 كانون الأول 2009

**********


"مِـهَـنٌ خَضراء" لـلُبنان الأخضر

نقطة على الحرف - الحلقة 867

هنري زغيب

يتداول العالم اليوم ما يسمّى بـ"المهن الخضراء"، تلك التي تُناسب البيئة ولا تُؤْذي المناخ، وتالياً تُنقِذ سكّان هذا الكوكب من أخطار تتهدَّده يوماً بعد يوم. وهي مهَنٌ تتمحور حول أعمالٍ صديقةِ الطبيعة، تُسهم في إنقاذ المحيط الجغرافي من كوارث تترصّده بين انبعاثات ونفايات سامة مؤْذية وتَصَحُّر متزايد. واجتماع قادة الدول في كوبنهاغن (انتهى الجمعة، أول من أمس)  كان لوضع ستراتيجيات تَحمي الإنسان والأرض والهواء والمناخ والنبات، وتَحمي الحياة مستقبلاً على هذا الكوكب.

لذا ظهرت شركات ومؤسسات تعهَّدت "المهن الخضراء" التي تطبِّق ستراتيجيات خبراء الدول لتخفيف التلوُّث وأخطار البيئة، منها تمديدات الكهرباء والتهوئة والتدفئة والأبنية وَفْقَ مواصفات دقيقة لا استرجاعاتٍ لها ارتداديةً مؤذية، ومنها أشغالٌ دائمة لحماية الطبيعة والغابات والمياه والأنهار مع إرشادات خاصة الى المواطنين لحفظ الطاقة وتوفيرها والاقتصاد بها، الى مهن أخرى في حقل الزراعة تُسهم في تطوير القطاع ومنْتَجاته، مع ما يستتبع ذلك من إمكانات كبرى لفرص عمل متاحة أمام المواطنين.

هكذا تتكاثر في العالم شعاراتٌ من طراز "كيف نعيش أخضر"، أو "نُحِبّ المهن الخضراء"، وتنتشر نوادٍ وجمعياتٌ لـ"أصدقاء الطبيعة"، وتصدر قوانينُ وأنظمة لحماية الطبيعة، يمكن لبنان أن يكونَ فيها ومنها ويطوّرَها ويؤقْلِمَها لشعبنا وطبيعتنا.

من هنا نتوجَّه الى إعلامِنا العام، صحافةً وإذاعاتٍ وتلڤزيوناتٍ ونواديَ وهيئاتٍ مدنيةً وبيئية، لنشر حملات توعية على "المهن الخضراء" وانفتاح فرص العمل فيها، ونتوجَّه الى الجامعات في لبنان لتركِّز على هذا الأمر الحيوي الرئيسي في حياة المواطنين، فلا ينفع أن نتغنّى بِجمال طبيعةِ لبنان وطبيعتُه الى تَصَحُّرٍ وتبَشُّع، ولا ينفعنا أن نغنّي للبنانَ الأخضر والأرزةِ الخضراء حين كلُّ ما حولَنا يهدّدُ اخضرارَ لبنان ويطالُ أرزتَه التسوُّس.

إنّ على شبكة الإنترنت مواقعَ إلكترونيةً كثيرة تحت أسماء متعدِّدة أبرزُها (Green Jobs) حول المهن الخضراء والأشغال الخضراء والوظائف الخضراء والمجلات المتخصِّصة والكتب الاختصاصية، جميعها قيّمة ومفيدة ورصينة، وترشد الى فرص عمل جديدة، والى توجيهات مبسَّطة للمواطنين، معظمُها يمكن تطبيقه والعمل عليه في لبنان.

فَلْيَعُدِ المسؤولون والمعنيون عندنا الى هذه المواقع، وليكتشفوا كم وافرةٌ هي الفرصُ المتاحةُ لـ"المِهَن الخضراء" في غابات لبنان وطبيعة لبنان وأحياء لبنان وزراعة لبنان وبيئة لبنان. قد لا يجدها الكثيرون مِهَناً تقليدية سائدة ومعروفة، لكننا، إن أردنا للبنان الأخضر أن يظلّ أخضَر ولا يتصحّر، علينا الدخولُ في غير التقليديّ من مِهَن الأمس، واقتبالُنا لليوم وللغد مهَناً خضراءَ تُبقينا على خارطة العالم الخضراء، وتُبقي لبنانَ أخضر لا في الأغاني بل على أرضه، ولا في المقالات والكتُب بل في طبيعته الفريدة الرائعة.

email@henrizoghaib.com

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بعد بثه في إذاعة "صوت لبنان" صباح يوم الأحد 20 كانون الأول 2009

**********


مطر النجوم من قبَّة الفضاء

نقطة على الحرف - الحلقة 868

هنري زغيب

بين أمس الثلثاء (في الثاني والعشرين) والثلثاء المقبل (في التاسع والعشرين من الشهر الحالي) يتوقّع علماء وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" مطراً من النيازك التي ستتشظّى في البعيد البعيد، في الأعالي الخاوية، فتنهمر شظاياها الجميلة من القبَّة العالية وترشُّ بساطها الجوي فوقَنا وِسْعَ فضاء الأرض، مُحْدثةً منظراً فريداً نادراً لا يَحْدُث إلاّ كلَّ قرن أو أكثر.

وتصدُف أن كان هذا العام 2009 "السنة الدولية للفلك"، وفيها حصلت ظواهر فلكية عدة، منها: خسوف الشمس في 26 كانون الثاني، تَعَطُّلُ المركبة الفضائية الى كوكب المريخ في 23 نيسان، إصلاح التلسكوپ العالمي الضخم في 18 أيار، نجاة ستة ملاحين فضائيين من كارثة محتّمة في 13 تموز، الاحتفال بالذكرى الأربعين لأول رحلة الى الفضاء في 20 تموز، خسوف جزئي آخر للشمس في 22 تموز، نزول آليّ على سطح القمر في 9 تشرين الأول، اكتشاف المياه على سطح القمر في 13 تشرين الثاني، ظهور نجوم جديدة على قبّة الفلك في 17 تشرين الثاني.

وها السنة الدولية للفلَك تختتم أيامها الأخيرة هذا الأُسبوع بـ"مطر النجوم" الذي سيظهر على سكان كوكب الأرض من القبَّة التي تلبسها الأرض قبَّعةً لَها منذ ملايين السنين.

ويقدّر علماء "ناسا" أن تَشَظّي النجوم، وهو يتزايد كَمّاً وأشكالاً سنة بعد سنة، قد يبلغ هذا الأسبوع بين 120 و160 نيزكاً في الساعة، ما تتوقّع له مجلات الفضاء الأميركية نحو ثلاثة نيازك في الدقيقة الواحدة. وذكرَت نشرة "ناسا" للأسبوع الماضي أن سكّان الصين وأندونيسيا حجزوا مقاعدهم في الأماكن الوسيعة المخصصة لمتابعة مطر النجوم، لأن التقديرات ترجّح أن يروا، وبدون أية مكبِّرات أو نواضير، تَشَظِّي 300 نيزك في الساعة الواحدة، مما يخلق في فضاء البلدين منظراً لن يتكرّر في الحياة. وبناءً على نصائح "ناسا" تم اختيار مناطق تلك المقاعد في بقع مظلمة جداً كي تبدو أنوار النجوم جلية وهي تتشظّى وتنهمر على فضاء الأرض شعاعاتٍ ملوّنةً جميلةً تَرُشُّها الطبيعة على أبصار الساهرين المنتظرين. ويقدّر علماء "ناسا" حجم تلك الشظايا بين حبة رمل عادية وصخر متوسط الاستدارة، لكنها جميعاً ملوّنةٌ بشُهُبٍ من نارٍ جميلةِ المنظر والشكل وهي تنفجر معاً وتنهمل في الفضاء.

وفي مناسبة السنة العالمية للفلك 2009، دعت الأمم المتحدة الى احتفالات جرت في بعض الدول بمرور 400 سنة على اختراع غاليليو التلسكوپ، و400 سنة على صدور كتاب يوهان كيپلر سنة 1609 في 650 صفحة عن تحركات كوكب المريخ.

ورجّح علماء "ناسا"أن يتمكن سكّان الأرض ليل الثلثاء المقبل في التاسع والعشرين من الجاري، أي عشية العام الجديد، من رؤية قمرٍ فضيٍّ فيروزيّ أزرق يظهر بين تشظّيات النجوم، فيكون اكتمل البدر مرتين في الشهر الواحد بين أوله وآخره.

هكذا تَحتفي الطبيعة، على طريقتها، بالعام الجديد، فتقدّم لأهل الأرض مَطَراً من نُجومٍ ينهمل عليهم جَمالاً يذكّرهم بأنهم أبناءُ هذه الطبيعة، وأن يُحافظوا عليها ويَحفظوها كنْزاً من جمالٍ وسعادةٍ لن تَهنأ لَهُم بدونه حياةٌ على كوكب الأرض. 

email@henrizoghaib.com

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بعد بثه في إذاعة "صوت لبنان" صباح يوم الأربعاء 23 كانون الأول 2009

**********


المعايدات المظفَّرة في الكتابات المشفَّرة

نقطة على الحرف - الحلقة 869

هنري زغيب

      كان من عاداتنا، مع اقترابنا من ليلة العام الجديد، أن نتلقّى بالبريد بطاقاتِ معايدة، ورسائلَ تهنئة، عابقةً بعباراتٍ من الودّ والمحبة والدفْء والصداقة، مسترسلةٍ بالإفاضة شعوراً ومشاعرَ وبعضَ شعائرِ حبٍّ وأمنيات.

      ومع بزوغ التكنولوجيا وتطوُّر أدواتها وآلاتها وأجهزتها، راحت تتضاءل بطاقات البريد لتقتصر على رسائل قصيرة في هاتف خلوي، أو رسالة مُؤَمْيَلَة (e-mail)  في بريد إلكتروني.

      ولكان الأمرُ طبيعياً أو شبهَ طبيعي، لو لم تكن المعايدات والمبادلات باتت مقتصرة على كلمات ضئيلة، تتخلَّلُها أحرف تُغْني عن كلمات. فبعضُ الحروف اللاتينية معناها كلُّه في لفظِها، ما يوفِّرُ على المرسل كتابة الكلمة بأحرفها الكاملة. وحين يتخاطب اثنان حول أمر يستوجب رداً أو جواباً، بات أحدهما يقول للآخر "أَبْرِق لي خلوياً" (text me) ما يَفهم منه الآخَر أن يُكَبْسِلَ في أحرفٍ قليلة وبضعِ كلماتٍ كلَّ ما يريد الإجابة عنه أو الردّ عليه.

      وتدرج اليوم خلَوياً استعمالاتُ أحرف لاتينية للدلالة على أحرف عربية، فيبتعد المرسل عن اللغة الأم واللغة الأخرى معاً.

      ضَغْطُ الكلمات هذا الى قلّةٍ منها وحروف، يدخل في لاوعي الناس فيخرّب لهم تدريجاً ما تعلّموه من استخدام اللغة وكتابتها كتابةً لغويةً وصرفيةً سليمة، ويأخذهم الى أنماط من لغةٍ هجينة لا علاقة لها باللغة ولا بقواعدها ولا باستخداماتها، ما ينعكس حتماً ويقيناً على سلامة استخدامهم إياها كاملةً في رسائلهم وأبحاثهم واستعمالاتهم إياها في شكلها الكامل.

      والأخطر من ذلك: اعتيادُ الجيل الجديد من أبنائنا على هذه الاختزالات الهجينة التي تَحُول دون إتقانهم اللغةَ الأصلية، وتُخَرِّجهم من مدارسهم والجامعات أُمِّيِّين في لغتهم الأم وفي اللغات الأجنبية معاً.

      قبل سنوات، كان في المدارس درسٌ في الخط، غيرُ درس اللغة، وكان التلامذة يتبارون في الخط الأجمل، مع جوائز لِمَن خطُّه أنيقٌ وقويم، وكانت تنقصُ علاماتٌ من حصة التلميذ إن كان خطُّه سيّئاً في فروضه والمسابقات. أما اليوم فباتت الشطارة لدى من يَختزل أكثر ويَختصر أكثر ويُوجز أكثر في كتابة رسالة خلوية مشفَّرة مشوَّهة اللغة بكلمات وحروف ورسوم ورموز ونُجوم ونقاط وعلامات تختصر فيها رداً أو جواباً أو تعجباً أو قَبولاً باسماً أو رفضاً غَضوباً.

      خطر هذا الزحف صوب الإيجاز أنه يتغلغل في مُجتمع ينحو صوب الاختصار في الكتابة، وبعدها في التعبير، وبعدها في التفكير، وقد يؤول به الأمر الى إيجاز في التعامل، فَتَتَفَكَّك الروابط الاجتماعية فيه، ويصبح مُجتمعاً آلياً جامداً جافاً يتحرَّك برموزٍ وعلامات، وينتفي بين أبنائه حنانُ اللغة الذي هو في أَساس كلّ علاقة بشرية وإنسانية.

email@henrizoghaib.com

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بعد بثه في إذاعة "صوت لبنان" صباح يوم الأحد 27 كانون الأول 2009

**********