مصر تبحث عن نفسها: الوطن الوهمي كرة قدم.. وحجاب ونقاب.. وستار أكاديمي

إسماعيل حسني قرأها 1,289
  

مصر تبحث عن نفسها

الوطن الوهمي كرة قدم.. وحجاب ونقاب.. وستار أكاديمي

بقلم: إسماعيل حسني

يعيش الشعب المصري في هذه الآونة أسوأ أيام عرفها منذ نكسة عام 1967، وكأن مشاعر الألم والغضب والغدر والمهانة والإحباط وحوش كاسرة تسوق أمامها شعب بأكمله.

ولم يكن هذا الشعب الذي أرضعته المحن، وفطمته الشدائد، وعركته آلاف السنين، لتهتز فيه شعرة واحدة لهزيمة فريقه في مبارة كرة، ولكنها طعنات الغدر التي وجدها تنهال عليه من كل صوب بيد الأخ الحاقد، والشقيق المتغاضي أو الشامت، والناصح الذي افترض فيه الأمانة، والحارس الذي ائتمنه على عرضه وكرامته.

إن الألم الذي يكتوي المصريون بناره هذه الأيام ليس لأن الهزيمة قد لحقت بفريقهم الذي هزم عشرات المرات من قبل، وإنما لأن الهزيمة قد لحقت بكل ما يعتزون به في تاريخهم وحاضرهم.

فلقد انهزم أمام أعينهم حلم العروبة الذي عاشوه وقدموا في سبيله الكثير، كرَة حين رأوا إخوانهم الجزائريون الذين تبادلوا معهم أسمى التضحيات يطأون هذا الحلم بأقدامهم منساقين بجهل وبساطة وراء حفنة من الشعوبيين، الانفصاليين، أعداء العروبة ومن أغواهم من السماسرة الأعراب، وكرة أخرى حين رأوا أشقاءهم السودانيين الذين فضلوهم على العالمين، واختاروا اللعب في بلدهم، يرفعون أعلام غيرهم ثم يقفون بمبررات قانونية موقفاً أقرب إلى الحياد وهم يعتدى عليهم على أرض السودان، ثم كرة ثالثة حين وجدوا إعلام أشقاء آخرين يزدان بالشماتة في جراحهم والسخرية من آلامهم مردداً دعاوي المعتدين على أنها حقائق لا تقبل المناقشة، وأخيرا انهزم هذا الحلم الكبير كرة رابعة حين استغل البعض في مصر كل ما حدث ليطالبوا إما عن جهل بمقتضيات الأمن القومي، ومتطلبات المجال الحيوي، أو عن غضب وألم بانكفاء مصر على نفسها، وانعزالها عن حتميات واقعها الجغرافي والتاريخي.

كما انهزم عنهم إعلامهم الذي يفترض فيه المسئولية في التوجيه، والأمانة في ترتيب الأولويات، ومراعاة المصلحة الوطنية عند تعبئة وحشد الجماهير، انهزم عنهم هذا الإعلام حين أسلم قياده لحفنة من الإعلانجية الجهلة، معدومي الثقافة والغيرة، الذين وقعوا في مصيدة الإعلام الشعوبي الحاقد، وبادلوه الردح والسباب، وتاجروا بكل غال ورخيص في سبيل زيادة غلة الإعلانات.

وأخيراً انهزمت عنهم دولتهم بكل وزاراتها وأجهزتها، حين سمحت لهذا الهوس الإعلامي أن يقع في المصيدة وأن يأخذ مداه، وحين أهملت سفاراتها وأجهزة مخابراتها أداء واجبها في الاستقصاء والتحري عن الأوضاع في السودان، وفشلت في تحذير المواطنين الآمنين من الذهاب للخرطوم بنسائهم وأطفالهم، أو توفير الحماية لهم، فتعرضوا للاعتداء والإهانة، وأخيرا وبالتأكيد ليس آخراً، حين أهملت وزارة الإعلام وهيئة الإستعلامات أداء واجباتهما في رصد وتوثيق الاعتداءات المتكررة من شعوبيي الجزائر منذ دورة ألعاب 1978 وحتى الأحداث الأخيرة، وحفظ حقوق مصر القانونية، وحماية سمعتها الدولية، في حين نجح الشعوبيون المتربصون في توثيق "طوبة" واحدة أساؤوا بها لسمعة مصر في العالم بأسره.

إن ما حدث من اعتداء على شعبنا، لا يمكن أن يمر مرور الكرام، فحقا أن مصر هي الشقيقة الكبرى، ولكن الأشقاء الصغار عليهم أن يظهروا احترامهم لشقيقتهم وأن يلتزموا به. لابد أن نرى تحركا فوريا من كافة أجهزة الدولة لاسترداد هيبة الدولة المصرية، وهيبة الوطن، وحفظ كرامة هذا الشعب العظيم، ولعلنا نكرر هنا كلمات السيد جمال مبارك: أن كل من خطط أو ساعد أو سهل أو حرض على أعمال العنف ضد المشجعين المصريين، عليه أن يتحمل تبعات الغضب المصري.

ورغم أننا لا نطالب الحكومة بأية تصرفات عنترية أو انفعالية يمكن أن يترتب عليها نتائج تسيء لأمننا القومي، أو تقلص من مجالنا الحيوي، إلا أنه قد آن الأوان لوقفة حاسمة نتأمل فيها أسس علاقاتنا مع جميع الأشقاء والأصدقاء، وأن نضع سياسات واضحة المعالم تتضمن خطوطاً حمراءَ لا يسمح بتجاوزها سواء داخل أو خارج مصر لحفظ حقوق وكرامة المصريين.

ولكن .. قبل أن نفكر في حساب الآخرين علينا أن نجيب على سؤال بسيط وهو كيف نتوقع من الآخرين احترام المواطن المصري إذا كان هذا المواطن يعامل أسوأ معاملة في بلده، وتغتصب حقوقه، ويعتدى عليه من قبل كافة أجهزة الدولة ومؤسساتها؟ إن احترام أبناء الشعب يبدأ من هنا، من عقر دارنا، وإلا فمن يهن على نفسه لابد أن يهن على غيره.

أما وقد حدث ما حدث، فنحن لا نملك إلا أن نقول رب ضارة نافعة، فهذا الحشد الجماهيري غير المسبوق، وذاك الغضب الشعبي الذي لم تعرفه مصر منذ حرب أكتوبر، يؤكدان أن شعبنا لايزال ينبض بحب الحياة، وأن دماء العزة والكرامة لاتزال برغم الظروف القاهرة تتجدد في عروقه، وأنه لا يزل على العهد يتكاتف ويتوحد في الملمات والشدائد تحت علم بلاده، وأن هذا الشعب الطيب الرائع لديه طاقات قادرة على تحقيق أكبر الإنجازات لو أحسن استغلالها وتوجيهها.

إننا ندعو الجميع للإستفادة من هذه الروح الجديدة، وتوجيهها نحو ميادين الكفاح الحقيقية المرتبطة بشؤون الوطن الحقيقي من مياه وخبز وتعليم ومواصلات وإسكان وضرائب، بعد أن تم استقطاب الناس وتغييب عقولهم لعقود طويلة في شؤون وطن وهمي من كرة قدم، وستار أكاديمي، وحجاب، ونقاب، وتحريضهم لإفراغ شحنات الغل والقهر والإحباط في شركاء الوطن من من الأقليات الدينية والعرقية المختلفة.

إننا ندعو قيادات الحزب الوطني الشابة إن كانت حقاً تؤمن بهذا الشعب، وتطمح في قيادته، وتأمل في التفاف النخب والجماهير من حولها، أن تشعر الناس بوجودها، وبأنها ليست استمرار لغيرها، وأنها تملك رؤية مستقلة، ولديها إرادة قوية وحقيقية للإصلاح والتغيير، فتطهر حزبها من قياداته المترهلة، ومن بؤر الفساد وعصابات المنتفعين، وأن تلتحم أكثر بالجماهير وأن تكتسب ثقتهم من خلال تبني قضاياهم، وتحسين أحوالهم، ورفع الظلم عن كاهلهم، فيتحول الحزب الوطني من حزب للنخب إلى حزب للشعب كله.

إننا ندعو قيادات الحزب الوطني الشابة لأن تظهر إيمانها بحقوق الإنسان المصري، وبالمجتمع المدني الذي يمثله، وأن ترفع يد الأمن عن هيئاته ومؤسساته، فحينها فقط تستطيع هذه القيادات أن تطرح نفسها على الناس، وأن تقودهم من أجل تحويل الدولة الهرمة في بلادنا إلى دولة حديثة، فتية، قوية وقادرة على الخروج بنا من نفق التخلف المظلم.

كذلك ندعو الأحزاب السياسية إلى أن تبدأ في تجديد شبابها، والتحول من أحزاب ورقية إلى أحزاب حقيقية، وأن تنزل إلى الشارع فورا ودون انتظار الإذن من أحد، لتتواصل مع الناس، وتعبِّئهم، وتحشدهم وراء شعارات مرتبطة بمشاكلهم الحقيقية.

وندعو الجمعيات الأهلية، ونشطاء المجتمع المدني على اختلاف ألوانهم واتجاهاتهم وأهدافهم الخيرية والبيئية والحقوقية، إلى استثمار ما حدث، وأن يجعلوا منه بداية لانطلاقة جديدة يشعر فيها المواطن العادي بوجودهم، وبقدرتهم على العمل والضغط والتأثير. إننا ندعوهم لتفعيل كافة برامجهم، أو إعداد برامج جديدة، والنزول بها إلى الناس، وابتكار وسائل جديدة في الضغط لتنفيذ برامجهم، وتحقيق مطالبهم.

ولعلنا في هذه المناسبة نكرر ما قلناه مراراً وتكراراً، وهو أنه لا أمل في أي إصلاح إن لم يقترن بنظرة جديدة إلى الإنسان في مجتمعنا. فهو ليس فرد في مجموع أو قطيع يحركه أيُّ راعٍ كما يشاء، ويضحي به وقتما يشاء، بل هو نقطة الارتكاز في هذا الوطن، وهو هدف السلطة وغايتها، وهو محور كافة النظم والقوانين، فهو المواطن، الفرد، الحر، المستقل، المتساوي في الحقوق والواجبات مع سائر الموطنين بصرف النظر عن جنسه وعرقه وديانته.

لك الله يا مصر، يا أرض الكنانة، ولك الله يا شعبها الطيب الصابر المكافح، يا صانع الحضارة، ويا خير أجناد الأرض، ولو كره الموتورون والحاقدون.